ترامب وطهران: مناورات الدبلوماسية والعسكر

تقدير موقف: مركز تقدم للسياسات

تقديم: رغم عدم تحديد آلية تفاوض بين واشنطن وطهران، وعلى ضوء مواقف الرئيس الأميركي بشأن غزة، تتبادل العاصمتان المواقف الممهدة للخطوة التالية ما بين تلويح بإمكانية التوصل إلى صفقة سياسية بين البلدين، والتلويح بالمقابل باحتمالات الخيارات العسكرية والاستعدادات لها. فما هي أعراض الرسائل المتبادلة؟
– في 10 فبراير 2025، هاجم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الولايات المتحدة بأشد العبارات في خطاب ذكرى ثورة 1979، وأكد: “أميركا تعتقد أنها قادرة على إرضاخ إيران من خلال خلق الانقسام” بين مكونات الأمة الإيرانية. وأضاف: “إذا وقفنا يدا بيد فإننا سنكون قادرين على حل كافة مشاكل البلاد”.
– في 7 فبراير، أعلن مرشد الجمهورية الإسلامية، علي خامنئي رفض إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، معتبرا أن هذه المفاوضات غير مشرّفة ولا عقلانية وغير ذكية.
– جاءت هذه التصريحات لتخالف أجواء سابقة لدى المرشد توحي بتشجيعه إجراء هذه المفاوضات بشكل مباشر مع إدارة دونالد ترامب، فيما تمسكّت طهران بمفاوضات غير مباشرة مع إدارة سلفه، جو بايدن.
– في 4 فبراير، وقع ترامب أمرا تنفيذيا يعيد من خلاله تطبيق سياسة “الضغوط القصوى” خلال فترة ولايته الأولى. وتهدف هذه السياسة إلى خفض صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، وتفكيك شبكة التحالف الإقليمي لإيران، فضلًا عن حرمان طهران من القدرة على بناء الأسلحة النووية وتقييد تطوير الصواريخ.
– لفت ترامب إلى أنه كان متردداً بشأن توقيع المذكرة، ووصف الأمر بأنه صعب للغاية. وأضاف: “نأمل ألا نضطر إلى استخدام المذكرة، وسنرى ما إذا كان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق مع إيران”. شدد على أنه “لا يمكن أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً، وسأجري محادثات مع الرئيس الإيراني”، لافتاً إلى أنه “إذا ردّت إيران وحاولت قتلي فسنقضي عليها”.
– في 8 فبراير، أعلن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن ترامب طالب في المذكرة المتعلقة بتكثيف العقوبات على إيران، بوقف الأنشطة النووية وإنتاج الصواريخ والأسلحة غير المتكافئة وغير التقليدية. وبحسب قاليباف، فإن هذا الاقتراح، يعني أن ترامب يريد إيران منزوعة السلاح بالكامل.
– في 6 فبراير، قال بزشكيان إن إيران لا تسعى إلى الحرب أو الأسلحة النووية. واستشهد بفتوى المرشد ضد مثل هذه الأسلحة. وقال إن هذا الموقف يمكن التحقق منه، حيث أكدت عمليات التفتيش مرارًا وتكرارًا غياب الجهود لتطوير الأسلحة النووية. وقلل بزشكيان من فعالية حملة الضغط الأميركية، منوها أن اقتصاد إيران لا يعتمد على مبيعات النفط وأن علاقاتها الإقليمية توفر المرونة الاقتصادية.
– في 5 فبراير، وصف زير الخارجية عباس عراقجي عودة واشنطن لـ”الضغوط القصوى” بأنها “تجربة فاشلة” “ستفشل من جديد”. لكنه أكد أنه إذا كان اهتمام الرئيس ترامب هو ضمان عدم تسليح إيران بالأسلحة النووية، فإن طهران يمكن أن تهدئ مخاوفه مضيفًا أن الأمر الأخير “قابل للتحقق ولا يمثل مشكلة”.
– في 5 فبراير، أوضح ترامب أنه يتمنى أن تكون إيران دولة عظيمة وناجحة. ونفى نية بلاده التعاون مع إسرائيل لتفتيت إيران وتفجيرها. وأكد أنه يفضل إلى حد بعيد التوصل إلى “اتفاق سلام نووي”، يسمح لطهران بالنمو والازدهار سلمياً. وحث على البدء سريعاً بالعمل عليه، قائلا “سنقيم احتفالًا كبيرًا في الشرق الأوسط عندما يتم التوقيع عليه واستكماله”.
– في 3 فبراير، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، إن إيران لم ترَ أي إشارة من الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن التفاوض. وقال: “عندما تكون ظروف التفاوض مواتية، وحين نصل إلى قناعة بأننا قادرون عبر الحوار والتفاوض على تأمين وضمان مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومصالح الشعب الإيراني، فإننا سنمضي قدماً في هذا الاتجاه من دون تردد”.
– لفت المراقبون إلى أن إيران تعمدت في الأسابيع الأخيرة استعراض قدراتها العسكرية، لا سيما في مجال الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، والقوات البحرية، والطائرات من دون طيار. لكن الجديد أن الاستعراض جاء مشتركا ما بين الجيش وقوات الحرس الثوري، بما حمل دلالات متعددة.
– في 2 فبراير، قام الرئيس بزشكيان بزيارة مبنى وزارة الدفاع الإيرانية واستعرض أحدث ما توصلت إليه، ولا سيما النسخة الجديدة المطورة من الصاروخ الباليستي “عماد” الذي يصل مداه إلى 1700 كيلومترا، كما تم الكشف خلال الزيارة عن منظومة الدفاع الجوي الجديد “باور 373–2″، وهي نسخة مطورة من منظومة “باور”، تم تزويدها برادار للتتبع والتحكم في إطلاق النار.
– في 1 فبراير كشف “الحرس الثوري”، عن “مدينة صاروخية” مزودة بتقنيات أنشئت تحت الأرض على السواحل الجنوبية للبلاد، مجهزة بمنظومات صواريخ مضادة، تضاف إلى “مدن” شبيهة أخرى كان تمّ الكشف عنها قبل ذلك في أنحاء متفرقة في البلاد.
– يعتبر مراقبون ان إيران تسعى من خلال استعراض قواها العسكرية إلى التعويض عن سمعة تراجع قوتها ونفوذها في المنطقة بعد الضربات التي تلقتها أذرعها الخارجية، لا سيما لبنان واليمن والعراق، وخسارتها لنفوذها في سوريا، وقيام إسرائيل بتوجيه ضربات مباشرة على الأراضي الإيرانية.
– يرجّح خبراء في الشؤون الإيرانية أن طهران باتت مدركة لحقيقة التحوّلات في المنطقة، وأن تلويحها بقواها العسكرية الذاتية تنطوي على اعتراف بأنها لم تعد تستطيع الاعتماد على الحرب بالوكالة، وأنها مضطرة إلى الردّ على أي هجمات عسكرية بقواها الذاتية.

خلاصة:

**بعد تصريحات ترامب بشأن غزّة، يسعى الرئيس الأميركي إلى اعتبار اتفاق مع إيران جزءا من خطته لجعل الشرق الأوسط مزدهرا، ملوّحا بإبرام صفقة مع طهران نافيا عزمه اللجوء إلى الخيار العسكري.
**مقابل الاستعصاء العربي حيال مشروعه في غزّة، قد يلوّح ترامب باتفاق مع إيران لا يأخذ بعين الاعتبار الهواجس العربية. ويأتي كلامه عن “إيران العظيمة” مناقضا لسياسة الضغوط القصوى التي وقع أمرا على تنفيذها.
**نفي ترامب وجود خطط مع إسرائيل لتوجيه ضربات ضد إيران يهدف إلى فصل مسألة التفاوض مع إيران عن أي تحالف أميركي إسرائيلي، وجعل واشنطن ضامنة لدى طهران لعدم تعرض إيران مجددا لضربات إسرائيلية.
**خطاب التشدد الذي انتهجه خامنئي، على عكس أجواء سابقة بقبول طهران التفاوض المباشر مع واشنطن، قد يندرج ضمن استراتيجية توزيع أدوار مع بزشكيان وفريقه الدبلوماسي.
**هجوم بزشكيان ضد واشنطن يمثل تبنيه لنفس خطاب التشدد للمرشد ما يشي بمعطيات سلبية حيال خطط ترامب.
**تركيز إيران على الاستعراضات العسكرية والكشف عن “مدن الصواريخ” والتكنولوجيات الدفاعية الحديثة يكشف قناعة طهران بسقوط استراتيجية الحرب عبر الوكلاء واعتمادها على قواها الذاتية فقط لرد أي هجمات عسكرية.
**يعتقد أن إيران تريد إظهار وحدة داخلية سياسية، وإظهار الثقة بولاء الجيش للنظام السياسي جنبا إلى جنب مع الحرس الثوري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.