ترامب والاتفاقات الإبراهيمية: قراءة في تقييمات المراقبين الغربيين
حمزة علي – مركز تقدم للسياسات، لندن
خلفية:
حثّ الرئيس دونالد ترامب عدداً من الدول ذات الأغلبية المسلمة على الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وهي مجموعة من المعاهدات التي تُطبّع العلاقات مع إسرائيل، بوصف ذلك جزءاً من تسوية أشمل يسعى للتفاوض حولها مع إيران. ففي منشور على منصة “تروث سوشيال”، دعا ترامب المملكة العربية السعودية وقطر إلى التوقيع أولاً، وأشار كذلك إلى باكستان وتركيا ومصر والأردن، رغم أن تركيا تعترف بإسرائيل منذ عام 1949، وأن مصر والأردن مرتبطتان بمعاهدتي سلام قائمتين مع إسرائيل، وقّعتا عامَي 1979 و1994 على التوالي. بل ذهب ترامب أبعد من ذلك، ملمّحاً إلى أن إيران نفسها قد تنضم في نهاية المطاف إلى هذه الاتفاقات، واصفاً المسعى بأنه “ائتلاف عالمي لا نظير له”، ومعتبراً أن مشاركة طهران ستكون “شرفاً”. وقد جاء هذا الإعلان في أعقاب اتصالات أجراها ترامب يوم السبت مع قادة في المنطقة، وفي خضم المفاوضات النووية الجارية بين واشنطن وطهران.
جاء رد المحللين الغربيين متّسماً بتشكيك شبه إجماعي، إذ طرحوا تساؤلات جوهرية حول المنطق الاستراتيجي للمقترح وتوقيته السياسي على حدٍّ سواء.
– “غريب” و”منقطع عن الواقع”:
في تقرير نُشر في الثامن والعشرين من مايو، تحدثت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى خبراء إقليميين شكّكوا في التماسك الأساسي للمقترح. فقد قال يوئيل غوزانسكي، الباحث البارز في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب: “الأمر برمته غريب. ما العلاقة بين صفقة مع إيران وبين هذا؟ أنا في حيرة حقيقية”. وكانت صنام وكيل، رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مركز “تشاتام هاوس”، صريحةً بالقدر ذاته حين قالت للصحيفة في السابع والعشرين من مايو إن ترامب “أخفق في قراءة الأجواء”، مضيفةً: “إنه مطلب نموذجي لترامب، ومنقطع تماماً عن الواقع”.
ولم تقتصر ردود الفعل على المراقبين الخارجيين. فالسيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي كان قد انتقد مؤخراً الصفقة المحتملة مع إيران، نشر مع ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي معتبراً أن توسيع الاتفاقات الإبراهيمية فكرة “عبقرية ببساطة”، وأضاف: “أتوقع من حلفائنا العرب احتضان هذه المبادرة”. وأشار المحللون إلى أن كلا الموقفين، إذا أُخذا بظاهرهما، يعكسان قراءةً مغلوطة لديناميكيات السياسة في الشرق الأوسط. وقد أفاد موقع “بوليتيكو” في السابع والعشرين من مايو بأن مسؤولين في الدول المستهدفة استقبلوا المقترح بالضحك والتجاهل، والأهم من ذلك، بالصمت.
– فرض لا شراكة:
يُشير المحللون إلى مشكلة بنيوية أعمق: فكلما زاد ضغط واشنطن من أجل التطبيع، تراجعت جاذبيته. وقد أوضح ذلك باحث غير مقيم في “منتدى الخليج الدولي” قائلاً: “كلما دفع المسؤولون الأمريكيون نحو التطبيع بوصفه إملاءً لا جزءاً من صفقة متبادلة المنفعة، أصبح أكثر مرارة”. فالارتباط بإسرائيل، الذي لم يكن قط شعبياً في أوساط الرأي العام العربي، صار أكثر سُمّيةً منذ حرب غزة والتصعيد الإقليمي الأوسع الذي تلاها. والحكومات في المنطقة تواجه قيوداً داخلية حقيقية تبدو واشنطن إما غير راغبة في أخذها بالحسبان أو غير قادرة على ذلك.
وصفت صحيفة “التلغراف” في تحليل نُشر في السادس والعشرين من مايو هذا المقترح بأنه قراءة مغلوطة جوهرياً للوضع الراهن. فالافتراض الكامن خلف اندفاعة ترامب، وهو أن الحرب الجارية، التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير بعملية عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة ضد إيران أُطلق عليها اسم “الغضب الملحمي”، قد قرّبت الشرق الأوسط من إسرائيل بشكل عام، هو، كما أشارت الصحيفة، سردية “تروّج لها إسرائيل بحماس، لكنها ليست بالضرورة سردية مشتركة” في عموم المنطقة. فالدول التي تعرّضت لضربات إيرانية لم تترجم تلك التجربة تلقائياً إلى رغبة في تعميق علاقاتها مع تل أبيب.
– إطار تجاوزته اللحظة:
قدّم أستاذ في القانون الدولي بجامعة “لا تروب” تفسيراً بنيوياً أعمق لتوقيت المقترح، ولاحتمالات إخفاقه. فالولايات المتحدة وإسرائيل، في رأيه، أضعف عسكرياً واستراتيجياً واقتصادياً مما كانتا عليه حين أُطلقت عملية “الغضب الملحمي” في نهاية فبراير. وتحالفاتهما مع دول الخليج تخضع لإعادة تقييم هادئة، إذ لم تمنع هذه التحالفات استهداف دول الخليج بالضربات الإيرانية، مما يطرح تساؤلات جدية حول قيمتها الفعلية. أما إيران، رغم ما تكبّدته من خسائر فادحة بين قياداتها السياسية والعسكرية خلال أشهر من الضربات، فتبدو أكثر صموداً، وفي بعض الجوانب أكثر نفوذاً مما كانت عليه قبل الحرب.
وفي هذا السياق، يجد كل من ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسيهما تحت ضغط لتحقيق انتصار رمزي قبيل الانتخابات النصفية الأمريكية وانتخابات الكنيست الإسرائيلية المرتقبة لاحقاً هذا العام. غير أن ما يخدم الحاجات السياسية لواشنطن لم يعد بالضرورة ما يخدم مصالح دول المنطقة. فالاتفاقات الإبراهيمية باتت تُنظَر إليها بصورة متزايدة بوصفها إطاراً مفروضاً أمريكياً، فيما تعمل أجزاء من المنطقة بنشاط على إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي وفق شروطها الخاصة.
والأبرز في هذا الصدد أن تقارير أفادت بأن السعودية طرحت بديلاً يتمثل في ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء يشمل إيران، على غرار اتفاقات “هلسنكي” الأوروبية التي أسهمت في تخفيف توترات الحرب الباردة في السبعينيات. وهو إطار لا يضع إسرائيل في مركزه، ولا يستند إلى الوساطة الأمريكية.
وقد تكون الاندفاعة المتجددة لترامب نحو الاتفاقات الإبراهيمية، في جانب منها، محاولةً للتصدي لهذه المبادرة السعودية وإعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية على النظام الإقليمي، فضلاً عن تقديم انتصار دبلوماسي لنتنياهو يستطيع تقديمه للناخب الإسرائيلي. غير أن جدار الصمت الذي قوبل به مطلبه قد يكون الإشارة الأوضح حتى الآن إلى أن المنطقة لم تعد على استعداد لقبول الشروط التي تعرضها واشنطن.
خلاصة:
**تبقى مناورة ترامب الإبراهيمية، ، أقربَ إلى نافذة على كيفية استمرار واشنطن في إساءة قراءة منطقة قد تجاوزتها، منها إلى مقترح دبلوماسي جاد. فجدار الصمت الذي قوبل به مطلبه ليس مجرد رد فعل على مبادرة سيئة التوقيت أو ركيكة الصياغة. إنه يعكس شيئاً أعمق: شرق أوسط يعيش لحظة إعادة تموضع استراتيجي حقيقي، لم تعد فيه الولايات المتحدة المهندس الذي لا غنى عنه للنظام الإقليمي كما كانت في السابق.
**الدول التي ذكرها ترامب ليست أطرافاً سلبية تنتظر أن تُنظَّم في أطر مصمَّمة أمريكياً. إنها حكومات تزن مصالحها بنشاط في بيئة أكثر تنافسية وأكثر تعددية قطبية: بيئة أثبتت فيها إيران صموداً أكبر من المتوقع، وجعلت فيها حرب غزة من التطبيع مع إسرائيل عبئاً داخلياً في كامل العالم العربي، وباتت فيها البدائل للترتيبات بقيادة الولايات المتحدة، كالميثاق الإقليمي على نمط “هلسنكي” الذي طرحته الرياض، موضع نقاش جدي.
**ما تكشفه هذه الحلقة في نهاية المطاف هو الفجوة المتنامية بين الطموح الأمريكي والنفوذ الأمريكي في المنطقة. فمحاولة توسيع الاتفاقات الآن، بالإملاء، في خضم حرب مستعرة، ودون أدنى حساسية لما تحتاجه فعلاً حكومات المنطقة، لا تكشف عن قوة، بل عن غيابها. فالمنطقة تتغيّر، ويبدو أن واشنطن لم تستوعب بعد كامل المعنى الذي يحمله هذا التغيّر.