تحرّك سعودي عاجل صوب لبنان: ضبط التفاوض

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

تقدير موقف

تقديم:
خلال الساعات الأخيرة، كثّفت المملكة العربية السعودية مروحة تحركات منسّقة، شاركت فيها مستويات مختلفة من الدولة باتجاه بيروت، لمواكبة الجدل المقلق الذي اندلع إثر بدء مسار مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة. وتنصبّ الجهود السعودية على تهدئة الداخل اللبناني، ووضع معايير ضابطة لحدود هذه المفاوضات.

في المعطيات:
– في 23 أبريل 2026، احتضن البيت الأبيض، برعاية الرئيس الأميركي، اللقاء الثاني بين سفيري لبنان وإسرائيل، بحضور وزير الخارجية مارك روبيو وسفيري الولايات المتحدة في لبنان وإسرائيل، إضافة إلى مسؤولين آخرين. وفي هذا السياق، أعلن ترامب تمديد الهدنة بين لبنان وإسرائيل لمدة ثلاثة أسابيع، مجدداً تمنياته بنجاح مساعي الإدارة الأميركية في عقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في البيت الأبيض.

– في اليوم نفسه، قام المبعوث السعودي الأمير فيصل بن فرحان بزيارة مفاجئة إلى بيروت، التقى خلالها بالرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لمناقشة التطورات، مع التركيز على دعم الاستقرار وتوحيد الموقف اللبناني. وأفادت معطيات بأن دفعاً سعودياً يجري لعقد لقاء يجمع الرئيس عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، بهدف الاتفاق على قواسم مشتركة بشأن المفاوضات مع إسرائيل، بما يسهم في توحيد الموقف الداخلي ووقف مظاهر الانقسام.

– في سياق متصل، أجرى وزير الخارجية السعودي الأمير بن فرحان اتصالاً برئيس مجلس النواب نبيه بري، جدّد خلاله دعم المملكة لاستقرار لبنان وتمكين مؤسساته. وقد شكر بري المملكة على جهودها في مساعدة لبنان على مختلف الصعد، لا سيما تلك المرتبطة بوقف العدوان الإسرائيلي الذي يستهدف لبنان، وأمنه وسيادته واستقراره. كما التقى الأمير فيصل بن فرحان بنبيه بري خلال الزيارة في جلستين مطوّلتين، عبّرت، وفق محللين، عن اهتمام الرياض بما يمثله بري من نفوذ داخل الطائفة الشيعية، وبما يمتلكه من علاقات تحالف مع حزب الله.

– تضيف هذه التحليلات أن الرياض لا ترفض مبدأ التفاوض، لكنها تضعه ضمن إطار دعم السيادة اللبنانية، ونشر الجيش على الحدود، وتطبيق القرار 1701، دون الذهاب إلى تطبيع أو سلام شامل يتجاوز الإطار العربي. كما تسرّبت معلومات تفيد بسعي السعودية، من خلال تأكيدها على الحفاظ على اتفاق الطائف، إلى منع أي محاولات لإجراء تغييرات في النظام السياسي اللبناني. وتشير معلومات إضافية إلى أن الرياض بدأت بحث مسائل تتعلق بإعادة توزيع السلطات، بما قد يفتح الباب أمام مقايضات محتملة، من بينها مسألة تسليم حزب الله سلاحه بموافقة إيرانية.

– تشير معطيات سعودية بأن المملكة تعمل في لبنان على تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها توحيد الموقف الداخلي لتجنب الانقسام، وحفظ الاستقرار وتعزيز مؤسسات الدولة في مواجهة نفوذ حزب الله، والتركيز على وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار، بدلاً من الانخراط في صفقات إقليمية واسعة. كما تشير المعطيات إلى أن موقف السعودية من المفاوضات المباشرة يتمحور حول دعم مفاوضات محدودة تهدف إلى تمديد الهدنة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، ووضع ترتيبات أمنية، وعدم تجاوز مبادرة السلام العربية التي تربط السلام بإقامة دولة فلسطينية، واعتبار المفاوضات غير استسلامية إذا حافظت على السيادة، فضلاً عن دعم المسار الأميركي للتهدئة، والعمل على توفير إطار إقليمي جماعي يحمي لبنان من شروط إسرائيلية قاسية. وتشير مراجع دبلوماسية إلى أن الموقف السعودي يأتي ضمن إطار أوسع لما يُعرف بـ“الرباعية” التي تشكلت في الرياض برعاية سعودية، وتضم إلى جانبها تركيا ومصر وباكستان. وتضيف هذه المراجع أن هذه الرباعية، التي دعمت وساطة إسلام آباد في الحرب مع إيران، تسعى إلى أن تشكل إطاراً عربياً إسلامياً لمواجهة الطموحات الإسرائيلية، بما يشمل الساحة اللبنانية.

– تؤكد معطيات أن السعودية آثرت عدم القطيعة مع إيران، رغم الاعتداءات التي طالت أهدافاً سعودية خلال الحرب الراهنة، وهو ما يوفر للتحرك السعودي في لبنان بيئة إيجابية حاضنة، حتى من قبل حزب الله. وفي هذا السياق، كان القيادي في حزب الله نواف الموسوي قد رحّب، في تعليق له على زيارة مبعوث بري إلى السعودية، بهذه الخطوة، مذكّراً بأن الأمين العام للحزب نعيم قاسم كان قد دعا في يونيو 2025 إلى “فتح صفحة جديدة” مع الرياض.

التحليل:
تعكس التحركات السعودية الأخيرة في لبنان انتقالاً من موقع المتابعة إلى موقع التدخل المنظّم بهدف ضبط مسار التفاوض ومنع انزلاقه إلى مسارات غير محسوبة داخلياً أو إقليمياً. ويبدو أن الرياض تسعى إلى إنتاج مظلة سياسية لبنانية موحّدة تقيّد هامش التفاوض وتمنع استخدامه كأداة لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية على حساب مؤسسات الدولة أو ضمن مقايضات إقليمية واسعة. كما يكشف الانخراط السعودي المتعدد المستويات عن محاولة لإعادة تموضع المملكة كفاعل توازني بين الضغوط الأميركية والإيرانية، عبر الجمع بين دعم المسار التفاوضي من حيث المبدأ، ووضع خطوط حمراء تتعلق بالسيادة ورفض التطبيع المجاني.

في الوقت نفسه، يشير الانفتاح السعودي المدروس على مختلف القوى اللبنانية، بما فيها القريبة من حزب الله، إلى إدراك واقعي لتعقيدات البنية السياسية اللبنانية، وسعي إلى احتواء هذه التعقيدات بدل الصدام معها. ويعزز ذلك خيار عدم القطيعة مع إيران، بما يتيح للرياض هامش حركة أوسع في إدارة التوازنات، ويمنح مبادرتها قابلية أكبر للقبول الداخلي. وفي المحصلة، يمكن قراءة هذا التحرك بوصفه محاولة سعودية لفرض “إطار ضابط” للتفاوض، يحوّله من مسار ضاغط ومفتوح إلى عملية محدودة ومقننة، تخدم هدف تثبيت الاستقرار ومنع الانهيار، دون الانزلاق إلى تسويات كبرى تتجاوز القدرة اللبنانية أو السقف العربي.

خلاصة:
**تتحرك السعودية بشكل عاجل، لتهدئة الداخل اللبناني، ومنع الانقسامات، وتجنّب الصدامات الأهلية التي قد يسببها تعارض المواقف بشأن المفاوضات المباشرة بين لبتان وإسرائيل.
**تدفع الرياض رؤساء لبنان للتواصل والتوصل إلى قواسم مشتركة تطمئن كافة الجماعات اللبنانية بشأن مسار المفاوضات وقواعدها.
**يركّز السعي السعودي على تمييز العلاقة مع الرئيس نبيه بري لما له من نفوذ لدى الطائفة الشيعية ولدى حليفه حزب الله، بغية تهدئة الجمهور الشيعي من فكرة التفاوض.
**تؤكد معلومات دعم السعودية لاتفاق الطائف وتقويض أي محاولة لتغيير النظام السياسي، مع بحثها مسائل تتعلق بإعادة توزيع السلطات، بما يمكن أن يشكل مداخل لمقايضة لتسليم الحزب سلاحه بموافقة طهران.
**تقوم الجهود السعودية على استمرار للتواصل بين الرياض وطهران على الرغم من الاعتداءات الإيرانية على السعودية في الحرب الراهنة.
**قوبلت الجهود السعودية بترحيب من قبل حزب الله الذي ذكّر بأن أمينه العام كان دعا إلى “فتح صفحة جديدة” مع السعودية.
**تدعم السعودية مبادرة الرئيس عون للتفاوض المباشر مع إسرائيل على أن تقتصر أهدافه على ترتيبات أمنية وأن لا يتجاوز المبادرة العربية للسلام.
**تستند التحركات السعودية على قيام رباعية تشملها وتركيا ومصر وباكستان، تهدف؟ إضافة إلى دعم وساطة إسلام أباد في حرب إيران، إلى مواجهة الطموحات الإسرائيلية في المنطقة، بما يشمل عدم استفراد لبنان في مفاوضاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.