تحذيرات لبيد من خسارة الانتخابات أمام نتنياهو:

تقدير موقف

أزمة المعارضة وحدود التغيير في إسرائيل:

أمير مخول، مركز تقدم للسياسات

تقديم: في اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه بتاريخ 16 شباط/فبراير، فاجأ يائير لبيد، رئيس المعارضة ورئيس حزب “يش عتيد”، أعضاء كتلته وأقطاب المعارضة بتأكيده أن فوز المعارضة، أو ما يُعرف بـ”التيار الليبرالي”، في الانتخابات المقبلة ليس مضموناً. وقد حذّر نواب حزبه وقادة المعارضة من خطر الخسارة إذا لم يعودوا جميعاً إلى رشدهم ويتوقفوا عن العمل ضد بعضهم البعض. واستناداً إلى استطلاعات رأي داخلية ودراسات معمّقة لم تُنشر نتائجها علناً، وصفها بأنها “مقلقة”، أكد لبيد أنه “حتى لو بذلنا كل ما في وسعنا، فليس من المؤكد أننا سنفوز، لكننا على الأقل منحنا أنفسنا فرصة”.
تعكس هذه التصريحات إدراكاً متزايداً داخل المعارضة الإسرائيلية لحجم الأزمة البنيوية التي تواجهها، ليس فقط على مستوى التوازن الانتخابي مع كتلة نتنياهو، بل أيضاً على مستوى غياب المشروع السياسي الموحد، وتآكل الثقة بين مكوناتها، وتراجع قدرتها على إقناع الجمهور بأنها تمثل بديلاً سياسياً حقيقياً. وفي هذا السياق، تكتسب تحذيرات لبيد أهمية خاصة، كونها تصدر عن زعيم المعارضة الرسمي، وتستند إلى معطيات استطلاعية داخلية تعكس اتجاهات عميقة في المزاج السياسي الإسرائيلي.

التحليل:
تبدو تقديرات لبيد معقولة وواقعية في نظر العديد من المراقبين، لا سيما أنها تستند إلى استطلاعات داخلية ودراسات معمّقة لا تكتفي بالاتجاهات العامة، بل تحاول تحليل المتغيرات الجيلية والجغرافية والسكانية والهوياتية المختلفة. كما تتضمن تصريحاته اعترافاً ضمنياً بالمأزق الجوهري الذي تعيشه المعارضة. ووفقاً له، ستكون الانتخابات المقبلة “الأصعب والأكثر حرجاً على الإطلاق”. ويرى أن السبيل للفوز يكمن في إقناع ناخبيه “بنسبة 100% أننا لن نستسلم ولن ننضم إلى حكومة نتنياهو أخرى، وأننا لن نشكل حكومة مع المتشددين دينياً الذين سيواصلون الابتزاز والتهرب”. لكنه يستدرك بأن وحدة المعارضة، حتى لو تحققت بالكامل، لا تضمن الفوز.

المعطيات تشير الى انه بخلاف غادي أيزنكوت، ونفتالي بينيت، وبيني غانتس، يلتزم لبيد خطابياً بعدم الجلوس في حكومة برئاسة نتنياهو، ولا مع الأحزاب الحريدية، التي يعاديها بوضوح، سواء تحت مسمى عدم خدمتهم في الجيش أو في سياق العلاقة بين الدين والدولة. ومع ذلك، فإن موقف لبيد لا يختلف جوهرياً عن موقف نفتالي بينيت، الذي يُعد المرشح الأقوى، وفقاً للاستطلاعات، لمنافسة نتنياهو. وفي الوقت نفسه، ينساق معظم قادة المعارضة وراء نهج نتنياهو واليمين المتطرف في نزع الشرعية عن التمثيل السياسي العربي الفلسطيني كشريك سياسي، في انعكاس واضح للهيمنة المتزايدة للخطاب القومي–اليميني في النظام السياسي الإسرائيلي. ومن المرجح أن تخضع هذه المواقف لاختبار عملي بعد الانتخابات، تبعاً لموازين القوى الفعلية.
في هذا السياق، تكتسب احتمالية إعادة تشكيل القائمة العربية المشتركة أهمية استراتيجية، إذ يمكن أن تشكل عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل الاصطفاف السياسي. وتشير الاستطلاعات إلى أن المعارضة قد تحصل على نحو 58 مقعداً، مقابل نحو 52 مقعداً للائتلاف، فيما يمكن للقائمة العربية المشتركة، إذا تشكلت، أن تحصل على ما بين 12 و15 مقعداً. وسيؤدي ذلك إلى خفض تمثيل الليكود وحلفائه إلى أقل من 50 مقعداً، ما قد يمنع نتنياهو من تشكيل حكومة. ومع ذلك، يراهن نتنياهو على أن حصول كتلته على أكثر من 52 مقعداً سيمنحه القدرة على البقاء رئيساً لحكومة تصريف أعمال، ومنع المعارضة من تشكيل حكومة بديلة، في ظل رفض سياسي واسع للاعتماد على الأحزاب العربية كشركاء في الحكم.

على مستوى اليمين، تستند قوة تيار الصهيونية الدينية أساساً إلى جمهور المستوطنين، رغم أن وزنه السكاني الفعلي لا يعكس حجمه السياسي الحالي. ويعود ذلك إلى نتائج الانتخابات السابقة والتحالف بين سموتريتش وبن غفير. وتشير الاستطلاعات إلى أن قوة بن غفير قد تصل إلى ما بين 9 و10 مقاعد، معظمها من داخل الخط الأخضر. وفي المقابل، يسعى نتنياهو إلى منع انهيار هذا التيار، عبر تشجيع الاندماج الانتخابي أو الدفع نحو تغيير قيادته.

في المقابل، تعاني المعارضة من أزمة بنيوية عميقة، تتمثل في انقسامها الداخلي، وضعف الثقة بين مكوناتها، والتباين الأيديولوجي بينها. فبعض قادتها، مثل نفتالي بينيت وأفيغدور ليبرمان، يقعون فعلياً إلى يمين نتنياهو في العديد من القضايا. كما أن المعارضة لا تختلف جوهرياً عن الحكومة في القضايا الأمنية والاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بإيران، أو بالعقيدة العسكرية الإسرائيلية، التي تتجه نحو تعزيز القدرات الهجومية، كما عبّر عن ذلك رئيس الأركان إيال زامير.
ويعكس هذا الواقع تحولاً أعمق في النظام السياسي الإسرائيلي، يتمثل في تراجع شبه كامل لفكرة الحل السياسي مع الفلسطينيين، وصعود إجماع واسع حول إدارة الصراع بدلاً من حله. ويؤدي هذا التراجع إلى تقليص الفروقات الجوهرية بين الحكومة والمعارضة، خاصة في ظل التماهي العام مع السياسات الأمنية والعسكرية. ويشكل حزب “الديمقراطيين” برئاسة يائير غولان استثناءً نسبياً، لكنه لا يزال محدود التأثير.

أدى غياب مشروع سياسي بديل إلى تعزيز ظاهرة “التصويت الاستراتيجي”، حيث يتجه بعض ناخبي المعارضة إلى دعم شخصيات يمينية مثل نفتالي بينيت، باعتباره الخيار الأكثر قدرة على إسقاط نتنياهو، رغم تقاربه الأيديولوجي معه. ويعكس هذا التوجه حالة من اليأس من قدرة المعارضة التقليدية على إحداث تغيير سياسي فعلي.

الخلاصات والتقديرات:
**تعكس تصريحات لبيد إدراكاً متزايداً داخل المعارضة لعمق أزمتها البنيوية، في ظل صعود الاتجاه اليميني في المجتمع الإسرائيلي، وتراجع قدرة المعارضة على تقديم مشروع سياسي بديل، خاصة في القضية الفلسطينية.
**لا توجد ضمانة بفوز المعارضة في الانتخابات المقبلة، رغم احتفاظها بفرص واقعية، خاصة إذا نجحت في تحقيق درجة من الوحدة السياسية والتنظيمية.
** يشكل التمثيل السياسي العربي عاملاً حاسماً في تحديد نتائج الانتخابات، لكن استمرار نزع الشرعية عنه من قبل معظم الأحزاب الصهيونية يحدّ من قدرته على التأثير في تشكيل الحكومة.
**لا تزال احتمالية بقاء نتنياهو في الحكم مرتفعة، سواء عبر تشكيل حكومة جديدة، أو عبر البقاء على رأس حكومة تصريف أعمال، مستفيداً من انقسام المعارضة ورفضها التعاون مع الأحزاب العربية.
**يمثل نفتالي بينيت أحد أبرز المستفيدين من أزمة المعارضة، وقد يشكل بديلاً محتملاً لنتنياهو ضمن إعادة تشكيل المعسكر اليميني، وليس عبر انتصار المعارضة التقليدية.
**يعكس التراجع شبه الكامل لفكرة الحل السياسي مع الفلسطينيين تحولاً بنيوياً في النظام السياسي الإسرائيلي، يتمثل في انتقال التنافس السياسي من التباين الأيديولوجي إلى التنافس على القيادة داخل إطار سياسي يميني عام.
** يبقى توقيت الانتخابات، وإمكانية استبعاد الأحزاب العربية، وطبيعة الاصطفافات السياسية، عوامل حاسمة في تحديد مستقبل النظام السياسي الإسرائيلي، واحتمالات استمرار حكم نتنياهو أو انتقال السلطة إلى قيادة يمينية بديلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.