تأجيل اجتماع صلالة الخليجي الإيراني: الوقائع والخلفيات والتوقعات

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:

تقديم:
على الرغم من تصاعد التوتر السياسي والعسكري بين واشنطن وطهران، وعلى الرغم من سيطرة جماعة الحوثي الحليفة لإيران في اليمن على مناطق ساحلية قريبة من باب المندب، أُعلن لقاء وزاري خليجي إيراني في صلالة ثم أُرجئ قبل ساعات من موعده. فما هي حيثيات الدعوة، ثم التأجيل وخلفياته وأسبابه؟

في المعطيات:
– في 14 سبتمبر 2026، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التقرير عن طلب السعودية عدم عقد اجتماع صلالة في الوقت الراهن صحيح، وأن الفرصة ضاعت مؤقتاً، وأن التفاهم الإيراني العماني بشأن المسار البحري اكتمل، وسيُبحث مع مسقط أسلوب إعلانه أو تسجيله.
– نقلت “أكسيوس” و”سي إن إن” أن الرياض قدمت تعديلات على المقترح الإيراني العماني خشية أن تكرّس الصياغة وضعاً جديداً غير مقبول في المضيق.
– في 13 سبتمبر 2026، أعلن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي تأجيل الاجتماع الإقليمي المقرر في صلالة “حرصاً على التوافق”، وأكدت الخارجية العمانية أن الإرجاء يهدف إلى تهيئة ظروف حوار بنّاء من دون تحديد موعد جديد.
– في 13 سبتمبر 2026، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الاجتماع كان سيعرض خرائط المسار الجديد وبياناً مشتركاً إيرانياً عمانياً، وإن البحرين غائبة، وأن الحضور المتوقع خمس دول خليجية مع العراق وإيران، مؤكداً أن التفاهم لا يعني إعادة فتح المضيق.
– في 12 سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية البحرينية أنها لن تشارك في اجتماع صلالة، ولن تكون طرفاً في أي اجتماع جماعي يضم إيران قبل عودة العلاقات الدبلوماسية، معتبرة أن الحوار لا يقوم على تجاوز الاعتداءات على بنيتها التحتية وأعيانها المدنية، ومجددة رفضها الرسوم والتصاريح والإدارة الأحادية.
– في 11 سبتمبر 2026، كشفت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن وزراء خارجية دول مجلس التعاون يعتزمون لقاء عراقجي يوم الاثنين 14 سبتمبر في مدينة صلالة العمانية.
– وصفت التقارير اللقاء بأنه مبادرة عمانية تقودها مسقط مع طهران لحشد تأييد خليجي لاتفاق مؤقت يدير حركة السفن عبر المضيق.
– في 10 سبتمبر 2026، أعلنت وكالة “تسنيم” الإيرانية أن القوة البحرية للحرس الثوري أصابت زورقاً أمريكياً مسيّراً من طراز “سيل درون إكسبلورر” عند مدخل المضيق، ونشرت مقطع فيديو قالت إنه يوثّق تدميره.
– سبق الإعلان استهداف سفن وناقلات قالت طهران إنها دخلت منطقة مقيّدة من دون إذن.
– في اليوم نفسه، قالت مصادر حكومية يمنية إن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا ومينائها على البحر الأحمر، وتقدموا جنوباً نحو ذوباب على مقربة من مضيق باب المندب.
– في 9 سبتمبر 2026، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي إن إيران ستعلن منطقة محظورة تبدأ من خط الحصار الأمريكي وتمتد إلى أجزاء من الخليج، وتُدرج أي سفينة تدخلها على قائمة عقوبات.
– قال بقائي إن المحادثات مع عمان بلغت مراحل نهائية بشأن ممر مؤقت يوثّق لدى المنظمة البحرية الدولية.

تحليل الأسباب:
يدرج مراقبون عوامل عدة لعقد الاجتماع وإلغائه، أهمها:
1. استضافة عمان اللقاء يعود لكونها الدولة الساحلية الأخرى على المضيق، ولأنها تتوسط منذ أسابيع في رسم الممر المؤقت.
2. دفعت إيران إلى الاجتماع لأنها تريد غطاءً خليجياً تستخدمه للضغط على واشنطن لرفع الحصار عن موانئها.
3. شجعت مسقط الرياض على الحضور لأن غياب السعودية يفرغ اللقاء من وزنه، خصوصاً أن السعودية والإمارات أبقتا قنوات اتصال مفتوحة مع طهران رغم الهجمات على منشآتهما وناقلاتهما.
4. كشفت مقاطعة البحرين في 12 سبتمبر أن الحساسية الأمنية قادرة على كسر الغطاء الجماعي قبل انعقاد الجلسة.
5. تريد الدوحة فتح الممر لأنها تعتمد عليه في تصدير الغاز، لكن ذلك لم يحل دون انهيار التوافق الوزاري.

ويضيف المحللون أن الموقف الخليجي يتوحد حول رفض الرسوم الإلزامية، ورفض الإدارة الأحادية الإيرانية، ورفض تحويل المضيق إلى ورقة ضغط. ويتفرق حول درجة المرونة. فتقبل عمان مساراً مؤقتاً يمر في المياه الإيرانية، بينما أصرت بقية العواصم على أن يبقى أي نص مؤقتاً، وأن يُستعاد حق المرور العابر كما ينص القانون الدولي.

أظهرت التعديلات السعودية أن الرياض لا ترفض الجلوس مع إيران، لكنها ترفض منح طهران اعترافاً دائماً بالسيطرة عبر صياغة تتحول إلى أمر واقع.

لا يُقرأ التأجيل إلا على خلفية صراع طهران–واشنطن، وفق السمات التالية:
1. أرادت طهران ومسقط استخدام التأييد الخليجي لدفع الإدارة الأمريكية إلى تخفيف الحصار البحري.
2. تريد واشنطن مضيقاً مفتوحاً بلا رسوم وبلا إذن إيراني.
3. راقب البيت الأبيض المسار خشية أن يتحول إلى شرعنة، وقد تقصّد ترامب الاستخفاف بالاجتماع.
4. استمرار التبادل العسكري في المضيق أكد أن الحوار الخليجي لا يسير بمعزل عن الصراع الأمريكي الإيراني.
تلاحظ مصادر خليجية أن الاقتناع بجدية الحوار لم يكتمل أصلاً. فقد أعلنت طهران منطقة محظورة وربطت فتح المضيق بشروط، فيما تريد العواصم عبور السفن من دون إطار يكرّس سلطة الحرس على المسارات.
تراجع احتمال الاتفاق المحدود حين بدا أن طهران تريد من الوزراء الاعتراف بإدارتها، أو استخدام اللقاء لمقايضة واشنطن، لا مجرد ممر مؤقت بلا رسوم وبلا هيئة سيادية إيرانية.

تلاحظ المصادر أن سيطرة الحوثيين على المخا غيرت موازين القوة قبل موعد صلالة على الشكل التالي:
1. يمنح التقدم الساحلي طهران ورقة ثانية على باب المندب بعد هرمز.
2. يرفع كلفة التعطيل على صادرات الخليج التي تسلك البحر الأحمر بعد تعثر هرمز.
3. يضعف الثقة في أي تعهد إيراني بحماية الملاحة، لأن الجماعة تتقدم بأسلحة وتوجيه ينسب إلى الحرس.
4. يساعد التطور إيران في التفاوض لأنه يوسع ضغطها على الأسواق.

خلاصة:
– يعكس مسار صلالة حاجة اقتصادية ملحة أكثر مما يعكس تقارباً سياسياً، ما يفسّر صعوبة عقده وسهولة إلغائه.
– ترعى عمان الاجتماع لتثبيت دورها كدولة ساحلية وسيطة، ولكسب غطاء جماعي لتفاهماتها مع إيران، فاختارت التأجيل حين غاب التوافق.
– كانت إيران تبحث في الاجتماع عن شرعية إقليمية من خلال حضور وزراء الخليج لتسويقه كاعتراف بدورها في إدارة المضيق.
– واشنطن حاضرة في القاعة من دون أن تُدعى إليها. أي تأييد خليجي للترتيب العماني الإيراني كان سيُستخدم للضغط على الحصار الأمريكي، وأي تشدد خليجي يحمي شروط واشنطن في حرية المرور.
– تعني الاتصالات السعودية الإيرانية المتكررة إدارةً للتصعيد ومنع استفراد طهران بعمان، وقد ترجمت الرياض ذلك بطلب إرجاء وبتعديلات تمنع تكريس أمر واقع.
– استهداف الزورق الأمريكي المسيّر قبل أيام من الموعد أثبت أن طهران تفاوض تحت النار، وأن الميدان البحري بقي أداة ضغط على طاولة صلالة حتى بعد رفعها.
– يقوّي سقوط المخا ورقة إيران ويمنحها نفوذاً إضافياً على باب المندب، ويجعل العواصم الخليجية أكثر حذراً من أي تعهد إيراني بحماية الملاحة.
– الاجتماع بقي تمريناً تجريبياً ضعيف الاحتمالات، سهل الإلغاء، من دون إسقاط المسار العماني الإيراني الثنائي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.