بين موسكو وواشنطن: هل تميل الجزائر إلى الخيار الأميركي؟

تقدير موقف، مركز تقدم للسياسات

تقديم: يرصد المراقبون ظواهر تحوّل تاريخي في علاقات الجزائر مع الولايات المتحدة وسط سعيّ ضبابي في المحافظة على العلاقات التقليدية القديمة للجزائر مع روسيا. ورغم عدم وجود رأي حاسم يجزم في هذا الملف، يرصد الباحثون تراكم خطوات قد يُفهم منها توجه الجزائر إلى تحوّل استراتيجي داخل مشهد دولي في تحوّل.

في المعطيات:

-في 14 سبتمبر 2025، أعلن بيان صادر عن وزارة الدفاع الجزائرية عن رسو المفرزة التابعة للأسطولين الروسيين للبحر الأسود والبلطيق، المكونة من الغواصة “نوفوروسييسك” والقاطرة البحرية للإنقاذ “ياكوف غريبيلسكي”، بميناء الجزائر.
-في 14 سبتمبر أيضا، أعلنت السفارة الأميركية بالجزائر، أن اللواء كلود ك. تيودور الابن، قائد العمليات الخاصة الأميركية في أفريقيا، يقوم بزيارة إلى الجزائر للقاء الفريق مصطفى سماعلي، قائد القوات البرية الجزائرية. تأتي الزيارة في سياق استمرار الزخم الذي عرفته العلاقات العسكرية بين البلدين منذ توقيع الاتفاق الأول من نوعه في 22 يناير 2025 بين رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري، الفريق أول سعيد شنقريحة، والقائد السابق لأفريكوم الجنرال مايكل لانغلي.
-كما ان الزيارة تأتي بعد أخرى رسمية للجزائر، في 27 يوليو 2025، قام بها مسعد بولس، المستشار الرئاسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المكلف بالشؤون الإفريقية والشرق أوسطية.
-قالت تقارير أمنيه إن اتفاق 22 يناير 2025 العسكري بين الجزائر وواشنطن شكّل تحولاً استراتيجياً في ميزان العلاقات بالمنطقة ومن أسباب إنهاء مهمة الشراكة العسكرية الروسية الخاصة في مالي.
-تعتبر مصادر سياسية جزائرية أن الرسو البحري الروسي وزيارة القائد العسكري الأميركي يعبّران عن نجاح الجزائر في انتهاج سياسة خارجية متوازنة بين الشرق والغرب.
-أشارت مصادر أميركية مراقبة إلى أن الأمر يعبّر عن تطوّر في توجهات الإدارة الأميركية منذ بدء ولاية الرئيس دونالد ترامب الحالية باعتماد سياسة أخرى مع بلد يفترض، ومنذ عهد مرحلة الحرب الباردة، أن اصطفافاته قريبة من موسكو.
-تلفت جهات بحث أن الجزائر سعت إلى تطوير علاقاتها مع الصين والانخراط في مجموعة “بريكس”، غير أن المجموعة لم تدرج الجزائر في قائمة الدول التي قبلت عضويتها مثل الإمارات ومصر والسعودية وأثيوبيا وغيرها. وقد حمّلت الجزائر روسيا مسؤولية هذا الإخفاق.
-وفقاً لتقارير متعددة، بدأت الجزائر في تلقي مقاتلات سوخوي Su-35 من روسيا في مارس 2025، حيث تم رصد طائرة واحدة على الأقل في قاعدة عين البيضاء/أم البواقي الجوية عبر صور الأقمار الصناعية.

-قال مراقبون إن الجزائر وموسكو اعتمدتا غموضا بشأن صفقة المقاتلات ما يتيح لتسريبات أن تعتقد بأن هناك أزمة ما في تنفيذها على الرغم من تحسّن علاقات البلدين بعد برودة وتوتر.
-ظهر هذا التوتّر بسبب تعارض مصالح الجزائر الأمنية في منطقة “الساحل” الأفريقي وليبيا مع توسّع النفوذ الروسي وتواجد مؤسسات روسيا الأمنية (الفيلق الأفريقي-فاغنر) في تلك المنطقة.
-اعتبر باحثون أن الجزائر تحتل مكانة جيوسياسية ولا يمكن تمرير أي مقاربة أميركية أمنية أو عسكرية أو سياسية في كل من ليبيا أو الصحراء الغربية أو دول الساحل الأفريقي دون التنسيق مع الجزائر

-ترفض مصادر دبلوماسية المزاعم التي تقول إن الجزائر تصحّح سياسة قديمة وتذهب لتطوير العلاقات مع واشنطن، وترى أن الولايات المتحدة هي التي صححت سياساتها وأن الجزائر لاقتها في هذا التحوّل. أضافت المصادر أن الجزائر مدركة لحاجة الأميركيين للتعاون مع الجزائر لتطوير سياستهم في أفريقيا ومنطقة الساحل، وأن واشنطن تدرك مدى تجربة الجزائر في المنطقة لا سيما في مكافحة الإرهاب.
-رغم استقرار علاقات الجزائر وروسيا، فإن المراقبين يقرون بأن أزمة ثقة بين البلدين تقف وراء تطوّر علاقات الجزائر والولايات المتحدة التي قد تصبح استراتيجية، مقابل تراجع محسوب في أولوية العلاقة التقليدية مع روسيا.
-يلاحظ مراقبون أن منابر جزائرية تعمل على التقليل من أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة، على الرغم من تصريح للسفير الجزائري في واشنطن صبري بوقادوم، في مارس 2025، قال فيه إن شراكة البلدين العسكرية والاقتصادية ستكون فيها “السماء هي الحد”. وتعتبر تلك المنابر أن أسبابا عقائدية على علاقة بموقف الجزائر من المواقف الأميركية في شؤون الشرق الأوسط تمنع توسّع علاقات البلدين.

-يقول خبراء في شؤون شمال أفريقيا إن الجزائر هي التي تسعى لتطوير العلاقات مع واشنطن، وتذكّر بأن الجزائر التي غضبت جراء انضمام المغرب إلى الاتفاقات الإبراهيمية برعاية ترامب في ولايته الأولى واعتبرت الأمر “مؤامرة على الجزائر” وغضبت من اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، هي التي تسعى لتطوير العلاقة مع ترامب في ولايته الحالية.

-رغم استمرار ضبابية موقع شمال أفريقيا في الأولويات الاستراتيجية الأميركية، ترى مصادر أميركية أن واشنطن تتحرك لإيجاد مجالها الاستراتيجي، وسط حديث عن احتمال إقامة عسكرية أميركية في المغرب مقابل تقارير عن محاولة روسيا إقامة قاعدة بحرية لها في ليبيا أو الجزائر.

خلاصة:

**تحاول الجزائر المحافظة على توازن علاقاتها مع الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى وسط ظواهر تطوّر في إيقاع العلاقات الجديدة مع واشنطن.
**التقدير أن الجزائر مستمرة في الاعتماد في ترسانتها العسكرية على صناعة السلاح الروسي، وتحتاج إلى الوقت والقرار لتنويع مصادر أسلحتها من الولايات المتحدة وإن كان الاتفاق العسكري بين البلدين يحضّر لذلك.
**يسجل المراقبون اهتماما جزائريا بتطوير العلاقات مع واشنطن لتشمل شؤون الدفاع والأمن والاقتصاد في مجال المعادن النادرة.
**يذكّر الخبراء أن علاقات الجزائر القديمة مع موسكو لم تمنع من ظهور توتّر بينهما بسبب تناقض مصالحهما في ليبيا والساحل الأفريقي وبسبب ما اعتبرته الجزائر تقاعسا روسيا في ملف انضمامها إلى مجموعة “بريكس”.
**ما زالت أنباء تسلّم الجزائر لمقاتلة SU-25 الروسية غامضة وسط سكوت البلدين بشان مستقبل الصفقة بينهما.
**تروّج مصادر الجزائر أسبابا مبدئية عقائدية ما زالت تحول دون تطوير العلاقات مع واشنطن رغم تصريح سفير الجزائر عن علاقات “تحدها السماء”.
**يرجّح خبراء أن الجزائر هي التي تسعى إلى تطوير العلاقات مع ترامب رغم غضبها من اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ورعايته لاتفاق المغرب وإسرائيل تحت رعايته.
**التقدير أن الجزائر تلتقي مع حاجة واشنطن للتنسيق مع الجزائر في أطار سياسة أميركية جديدة في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل وليبيا.
**ترى مصادر أميركية أن واشنطن تسعى لمنافسة روسيا في العلاقة مع الجزائر كما المنافسة في النفوذ في المنطقة وسط أنباء عن خطط لإقامة قاعدة أميركية في المغرب مقابل احتمالات انشاء قاعدة روسية في ليبيا أو الجزائر.
**يرجح أن أزمة ثقة في علاقات الجزائر وروسيا تدفع الجزائر إلى الاندفاع نحو علاقات متصاعدة مع الولايات المتحدة في الحدود التي تسمح بها حاجات وظروف البلدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.