بين بورتسودان و«تأسيس»: صراع الشرعية وحدود القبول الإقليمي
ذوالنون سليمان؛ مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف
تمهيد:
تأتي التحركات السياسية والدبلوماسية الأخيرة لرئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان في سياق سعي حكومة بورتسودان إلى إعادة تثبيت موقعها الإقليمي والدولي بوصفها الممثل الشرعي للدولة السودانية، في ظل حرب مفتوحة أعادت تعريف مفاهيم الشرعية، والسيادة، والقبول الإقليمي. ويتزامن هذا الحراك مع تراجع قدرة الكيانات الموازية، وعلى رأسها حكومة «تأسيس» المرتبطة بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، على فرض نفسها طرفاً مقبولاً إقليمياً أو دولياً، رغم محاولات بناء سردية سياسية بديلة.
التحليل:
أولاً: تفوق بورتسودان في معركة الشرعية
مقارنة بحكومة «تأسيس»، أظهرت حكومة بورتسودان نشاطاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً مكّنها من تحقيق تفوق واضح في معركة الشرعية. يستند هذا التفوق إلى ثلاثة عناصر رئيسية:
1. التحكم بمؤسسات الدولة: احتفاظ الجيش بدولاب الدولة والأجهزة السيادية مكّن بورتسودان من تقديم حد أدنى من الخدمات، وترسيخ صورة “الدولة القائمة” في مقابل كيان موازٍ بلا أدوات حكم فعلية.
2. الانسجام مع المقاربة الدولية: تتوافق سردية بورتسودان مع الرؤية الإقليمية والدولية التي تعطي أولوية للحفاظ على بنية الدولة القديمة كشرط للاستقرار ومنع الانهيار الشامل.
3. تمثيل المصالح الإقليمية: قدرة الحكومة على التفاعل مع ملفات الأمن، والتجارة، والبحر الأحمر، جعلتها قناة عملية للتواصل الدولي، مقارنة بكيانات تفتقر للاعتراف المؤسسي.
ثانياً: دلالات الانفتاح على قطر وتركيا
تعكس زيارة البرهان إلى الدوحة، وتصريحاته الإيجابية تجاه أنقرة، توجهاً نحو تنويع شبكة الحلفاء وتوسيع قاعدة الدعم خارج الإطار التقليدي. فالدعوة إلى توسيع “الآلية الرباعية” لتشمل قطر وتركيا تهدف إلى:
• كسر احتكار الوساطة من أطراف محددة.
• إدخال فاعلين يمتلكون قنوات تأثير على أطراف الصراع.
• تعزيز موقع الجيش التفاوضي من خلال حلفاء غير متورطين مباشرة في دعم قوات الدعم السريع.
ثالثاً: الموقف من قوات الدعم السريع وحدود التسوية
يقدّم البرهان مقاربة مزدوجة: خطاب يؤكد التمسك بالسلام، يقابله تشديد صارم على رفض أي تسوية تقوم على إعادة دمج قوات الدعم السريع كقوة مستقلة,هذا الموقف يهدف إلى:
• تثبيت الجيش كـ الفاعل الشرعي الوحيد الحامل للسلاح.
• نزع أي مساواة سياسية أو قانونية بين الدولة والجماعات المسلحة.
• فرض شروط تسوية تنطلق من هزيمة الدعم السريع أو تفكيكه، لا من الشراكة معه.
رابعاً: البعد الدولي – البحر الأحمر قبل الخرطوم
تكتسب زيارة الوفد البريطاني إلى بورتسودان دلالة تتجاوز الملف السوداني الداخلي. فتركيبة الوفد العسكرية تشير إلى قراءة أمنية بريطانية–دولية تضع أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية في صدارة الأولويات. ويندرج هذا الاهتمام ضمن تصور أوسع يرى السودان:
• خط دفاع متقدماً عن الملاحة الدولية.
• ساحة لا يمكن تركها لانهيار مؤسسي أو فراغ أمني.
• عاملاً مؤثراً في أمن سلاسل الإمداد العالمية.
خامساً: موقف منظمة الإيغاد وحدود القبول الإقليمي
تتخذ منظمة الإيغاد موقفاً حذرا يميل إلى شرعية الدولة لا شرعية الأمر الواقع المسلح. فرغم دعوتها المتكررة لوقف إطلاق النار والحوار الشامل، ترفض الإيغاد عملياً الاعتراف بأي كيانات موازية لا تستند إلى مؤسسات الدولة أو توافق وطني واسع.
هذا الموقف يضع حكومة «تأسيس» في خانة القبول المحدود، ويعزز من موقع بورتسودان باعتبارها الشريك الإقليمي الممكن، حتى لدى أطراف تختلف مع خياراتها العسكرية.
الخلاصات:
• زيارات البرهان الخارجية تأتي ضمن استراتيجية واعية لتعزيز الشرعية السياسية والعسكرية لحكومة بورتسودان، وربطها مباشرة بمصالح الأمن الإقليمي والدولي.
• تعتمد بورتسودان مقاربة مزدوجة: تعظيم الدعم الخارجي بالتوازي مع الضغط العسكري لفرض الجيش كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.
• تسعى الحكومة إلى توسيع آلية الوساطة الدولية وتحويلها إلى منصة لحلفاء داعمين لرؤية “الدولة الواحدة والسلاح الواحد”.
• ضعف الأداء التنفيذي والسياسي لحكومة «تأسيس» يقلّص فرص قبولها إقليمياً، ويجعلها عرضة للمساءلة الشعبية وفق ميثاقها التأسيسي.
• تنظر الأوساط الدولية إلى السودان بوصفه قضية أمن إقليمي وتجاري بقدر ما هو أزمة داخلية، وتربط أي دعم سياسي أو إنساني مستقبلي بشرط تماسك الدولة على ساحل البحر الأحمر ومنع تحوله إلى فراغ أمني.