بونت لاند الصومالية :  لا تسعى لإنشاء  دولة

علي هندي

بونت لاند الصومالية :  لا تسعى لإنشاء  دولة

علي هندي

ملخص تنفيذي

بونت لاند او “ارض البنط” كما كان يطلق عليها سابقا هو اسم المنطقة التي تقع شمال شرق الصومال، ويحدها من الغرب أرض الصومال ومن الشمال خليج عدن، ومن الجنوب الشرقي المحيط الهندي بينما تحدها إثيوبيا من الجنوب الغربي وولاية جلمدغ في الصومال من الجنوب.  تقدر مساحة بونت لاند ب 212 الف كيلومتر مربع حيث تشكل ثلث مساحة الصومال، تتوزع في خمسة  أقاليم، هي: (سول، ونغال، وسناع، ومدغ، وإقليم الشرق)، ويقدرعدد سكانها وفق احصائيات غير دقيقة باربعة ملايين،  وتتخذ من مدينة جروي عاصمة ادرية لها.

تشكل قبيلتي دولبهنتي و ورسنجلي غالبية سكان بونت لاند وهما فرعان من قبلية الهارتي والتي تشكل مع قبيلة الدارود اهم فرعين من فروع  قبيلة المجرتين، ونظرا لعوامل تعود لفترة ماقبل الحرب الاهلية الصومالية كما سنري ، اختارت مجموعة من افراد  دولبهنتي و ورسنجلي العمل للخروج من هيمنة قبيلة الدارود، التاسيس لسلطة مستقلة على اراضي لاخر سلطنة للمجرتين، والتي اصبحت الهوية الجامعة لسكان بونت لاند. وكغالبية الصوماليين  يدينون بالإسلام السني على المذهب الشافعي المهيمن في منطقة القرن الإفريقي، ويتكلمون اللغة الصومالية إلى جانب اللغتين العربية والإنجليزية.

 

سلطة بونت لاند السياسية

في عام 1992 بعد نهاية حكم سياد بري باتت البلاد على أبواب حرب أهلية. قاد عبدالله يوسف جبهة الانقاذ الصومالية في مواجهات مع حركة الاتحاد الاسلامية المتطرفة التي كانت تتخذ من مدينة بوساسو الساحلية مقرا لها، وفي عام 1998، انتخبه مجلس اعيان القبائل ليكون رئيسا لاقليم بونت لاند، ولكنه خلع من قبل جامع علي جامع في عام 2000، بعد ان قدمت حكومة عبدالقاسم صلاد دعمها لجامع علي ردا على رفض عبدالله يوسف الاعتراف بنتائج مؤتمر عرتا الذي اتي بصلاد للحكم.

عاد عبدالله يوسف للحكم عام 2001، اثر اتفاق مع الشيخ شريف في مقديشو ،أعاد جبهة الانقاذ الي مسرح الاحداث، وفي عام 2005 وصل الي الحكم محمد موسي حرسي من حزب اوروكا دينكا، وشهدت فترة حكمه للاقليم ظهور ازمة القرصانة التي وضعت بونت لاند على خارطة الاخبار في العالم، وفي عام 2009 وصل الي الحكم عبدالرحمن فارول مؤسس حزب هورسيد في نوفمبر 2012 وشهدت فتره حكمه ازمة في العلاقات مع مقديشو، اما خلفه عبدي والي محمد جاس فقد حاول التقارب مع مقديشو ليكسبها الي صفه في صراعه مع ارض الصومال، اما الرئيس الحالي فهو من خلفية اكاديمية واظهرت سياساته سعيا نحو تصفير الخلافات مع الحكومة الفيدرالية وارض الصومال.

 

اسباب ومحطات التقاطع مع مقديشو

 

يعود تاريخ تهميش قبائل الورسنجلي و دولبهنتي اللتان تشكلان فرع الهرتي في قبيلة الدارود وهي من القبائل الكبرى في جنوب الصومال، الى فترة حكم الرئيس السابق سياد بري، الذي اسس لاستئثار قبيلة الدارود بمعظم مقدرات الدولة مما دفع إبقاء الهرتي خارج عباءة قبيلة المجرتين وخارج السلطة في مقديشو. ونتيجة لذلك حدث الشرخ الذي اخذ في الاتساع ليشكل النواة التي اسست لقيام سلطة مستقلة في بونت لاند على ايدي نخب من قبيلة الهارتي. وعلى الرغم أن ساسة بونتلاند منذ التأسيس واصلوا التأكيد  على أن سلطتهم  جزء من الصومال وأنهم  سيعملون على إعادة سلطتهم إلى الصومال الموحد، بخلاف المطلب الانفصالي الذي يصر عليه حكام الشطر الشمالي والذي يعرف بأرض الصومال.

ولم يشفع انفتاح ساسة بونت لاند تمسكهم بمشروع الدولة الصومالية، في اقناع حكومة مقديشو الى تبني سياسة مرونة تجهاههم، ذلك عائد الى مخاوف مقديشو من ان يتسبب امتلاك مناطق بونت لاند لمخزون نفطي كبير- حسب التقديرات التي نشرت –  الي اغراء بونت لاند في البحث عن بدائل لمشروع الدولة الصومالية الموحدة.واي كانت الاسباب فان النتيجة كانت انحسار فرص التقارب بما يتيح الاستفادة من موارد هذا الاقليم، ولهذا يمكن القول ان التوتر وعدم الاستقرار بين الاقليم والحكومة المركزية ظل عاملا حاسما في عدم استغلال الارد الطبيعية ومنها النفط بصورة تفيد التنمية والاستقرار .

يذكران  الهدف من تأسيس بونتلاند آنذاك، كان إيجاد نظام غير منفصل عن الصومال يتولّى إدارة الأقاليم الذي تنتمي إليها القبائل الرئيسية الى حين قيام دولة موحدة وعادلة لجميع المكونات القبلية  .و يري الباحث الصومالي ادم حسين “ان بونت لاند فتحت الابواب امام اعادة دور المجتمع الساحلي الصومالي الذي اختفي عندما استاثرت نخب المجتمع الرعوي بالسطة.

كانت بونت لاند ملجأ لكثير من أبناء المناطق الفارين من ويلات الحروب الأهلية المشتعلة في مختلف أنحاء الصومال، ولم تسهم حالة التوتر مع مقديشو في الاتفاق حول افضل السبل لاعادة اللاجئين او توطينهم في اماكن مختلفة من الصومال، الي ان تم توقيع اتفاقية الحادي عشر من مارس عام 2013 مع الحكومة الفيدرالية والذي اعطي املا في ان يتم تسوية ملفات عالقة بين الطرفين ومن ضمنها ملف محاربة التطرف. ونصت بنود الاتفاق على مايلي:

  • تبادل المعلومات الاستخبارية وتاهيل الكوادر الامنية لمحاربة الارهاب، الي جانب العمل نحو انشاء جيش موحد مكون من جميع ابناء الاقاليم.
  • التعاون في المجال الاقتصادي مما يعزز فرص الطرفين في الاستفادة من الشراكات الدولية، الي جانب توحيد التعرفة الجمركية
  • اعتراف الحكومة الفيدرالية بالنظم والقوانين المطبقة في بونت لاند، ويشمل ذلك قبول القوانين المنظمة للانتخابات وطريقة تسييرها
  • اعادة ممتلكات المهجرين قسرا وتعويهم

على الرغم من  تلك الاتفاقية، لايزال الخلاف حول امور جوهرية  قائما، وتشكل النقاط التالية اهم المسائل التي لم يتم حسمها بعد:

  • انعدام الرغبة لدي المركز في ان يكون لبونت لاند مشاركة حقيقية فى المناصب الدستورية خاصة منصبى الرئاسة ورئاسة الحكومة .
  • الاسلوب المتبع في توزيع المساعدات الخارجية المقدمة للشعب الصومالي .
  • انعدام اليات تمكن بونت لاند من المشاركة في إتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالتعديلات الدستورية وألإنتخابات
  • وجوب الاعتراف بالحكم الفيدارلي وعدم محاولة تقويضه .

 

  • التزام بونت لاند بالصلاحيات الممنوحة للاقليم والعودة للحكومة الاتحادية عند ابرام عقود منح صلاحيات التنقيب الذهب والبترول للشركات.

 

الصراع الحدودي مع ارض الصومال

في عام 2002 بداء  صراع  مع ارض الصومال على مناطق حدودية هي ساناج وسول وعين، ترتب عليها دخول الطرفان في صراع مسلح عام 2018، اثر اتهم الدولبهنتي ( احد فروع قبيلة الهارتي)  قوات ارض الصومال باستباحة اراضيهم التي تعتبرها اراضي تابعة لها وفق التقسيم  الاستعماري القديم. يذكر ان تلك المناطق كانت تابعة لمناطق الاستعمار البريطاني ، فيما تقيم سلطة بونت لاند التابعة للاستعمار الايطالي حجتها على الحق التاريخي لقبيلة الهارتي على تلك الاراضي. وتقع هذه المناطق في السلسلة الجبلية التي تمتد على طول الحدود مع ارض الصومال لتنتهي عند الساحل المطل على خليج عدن، وهذا الموقع الاستراتيجي للمنطقة هو احد اسباب الصراع  الي جانب مايتردد عن امتلاكها لكميات كبيرة من الذهب.  وسمحت حكومة الرئيس السابق محمد والي جاس لقوات الكولونيل سعيد عري باستخدام المناطق الحدودية بما فيها تلك المتنازع عليها كقواعد تنطلق منها في حربها ضد قوات ارض الصومال.  ويقود الكولونيل عري وهو ضابط في الجيش مقاومة ضد حكومة موسي بيحي التي يتهمها باستهداف قبيلة الجرحشس، وبالرغم من تمركز بعد عناصر القوة التي كونها الكولونيل عري في داخل ارض الصومال، لازالت عناصر اخري تنشط من ارضي بونت لاند، ومن المؤكد ان يتاثر ملف المفاوضات بين الحكومة الفيدارلية وارض الصومال بحالة العداء بين السلطتين، فمشاركة بونت لاند في المفاوضات التي تهدف لايجاد مخرج لشكل الدولة في الصومال مسائلة جوهرية لضمان تحقيق تقدم ايجابي في المفاوضات.

 

حركة الشباب وداعش وتبادل المواقع في بونت لاند

 

وفرت بعض مناطق بونت لاند مخبأ لبعض مجموعات حركة الشباب السلفية الجهادية ، حيث استخدمت الحركة السلسلة الجبلية في منطقة غلغال ومنطقة ساناج كملجأ من هجمات قوات الاقليم ، الى ان تمكنت وحدة من قوات بونت لاند من طرد معظم عناصر الحركة في نهاية عام  2014 ، ولكن وسائل اعلامية صومالية واثيوبية تناولت مؤخرا تسجيلات صوتية وصور قالت انها لعناصر من تنظيم داعش يجرون تدريبات في مناطق جبلية ادعت التسجيلات انها تقع في بونت لاند، كما حملت التسجيلات تهديدات باستهداف اثيوبيا.

ويخشى ان يكون التنظيم قد نجح في استقطاب العناصر الشبابية التي كانت نشطة في عمليات القرصنة، والتي لم يتم دمجها في الاجهزة الامنية او اعادة تاهيلها، وفي ظل ماتشهده الحالة الامنية للسواحل الصومالية من نقص في الامكانيات، فان المخاوف من عودة عمليات القرصنة وبوتيرة أكبر امرا لايمكن اغفاله.

 

 

خلاصة

يدرك ساسة بونت لاند ان الافق بدأ يضيق امام فرص الحصول على شكل من اشكال الادراة المستقلة عن مقديشو. خاصة وأن عمل حكومة الصومال برئاسة عبد الله فرماجو لاعادة تاهيل الدولة الصومالية بدأ يلقي تجاوبا اقليميا ودوليا. ساعد في ذلك توقيع اتفاق السلام وانهاء الحرب بين  ارتريا واثيوبيا ، الامر الذي جعل الصومال في منأى عن الاستقطابات والتجاذبات الإقليمية التي سعرت صراعاته وحروبه الاهلية .لكن الصراع الخليجي أعاد بونت لاند الى دائرة الضوء بعد توقيع الاقيم عقدا استثماريا  مع شركة “موانئ دبي” العالمية في أبريل 2017  لإدارة وتطوير ميناء بوصاصو  لمدة 30 عاما، لعاد دورة الشكوك والصراع مع حكومة مقديشو التي تقيم علاقات متطورة مع قطر وتركيا الخصوم الالداء للامارات العربية المتحدة والسعودية ، ورغم أهمية العقود التجارية مع الامارات والتي تصل الى نحو ٣٣٠ مليون دولار لا يؤمن للإقليم القدرة على الاستقلال والبعد عن هيمنة المركز. ولهذا عاد الناظم الوحيد للعلاقة بين مقديشو وبونت لاند محكوما في ملف وحيد هو المصالح الأمنية المشتركة والاتفاقات المنظمة لهذا .

في كل الأحوال ، تبدو الإصلاحات الداخلية وتصفير المشاكل مع الجوار التي بدأها الدكتور ابي احمد في اثيوبيا ، ستكون عاملا مؤثرا في القرن الافريقي والصومال على وجه التحديد ، ومما سيكون له الأثر في تطبيع العلاقات وفرض لغة الحوار بدل الحروب ، ان اديس ابابا أنجزت تفاهمات جوهرية مع حركة اوغادين من القومية الصومالية الاثيوبية ، أعلنت على إثرها انها تخلت عن العمل المسلح والدخول في في الخيار السياسي السلمي ، وهو ما اوجد ارتياحا في مقديشو وبقية الأقاليم ذات الحكم الذاتي ، ولعل تحييد اديس ابابا واسمرة عن التدخل في النزاعات الصومالية الداخلية وهو ما حصل خلال العقدين الماضيين ، يفتح المجال لبدء حوار مثمر وبناء بين الحكومة المركزية والمناطق التي تقع خارج السيطرة في دويلة ارض الصومال وبونت لاند وجوبا لاند  .

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.