بلفور-ستارمر: بريطانيا بين وعدين
ورقة سياسات
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
-اعتراف الحكومة العمالية البريطانية حاء بعد تلويح حكومة المحافظين بهذا الخيار ما يعني أنه قرار بريطاني ناضج.
-تستجيب الحكومة لضغوط داخلية شعبية وبرلمانية ولضغوط داخل حزب العمال نفسه.
-يتوخى القرار حفاظ بريطانيا على انسجام مع فرنسا وأوروبا، رغم حرص لندن على أوثق العلاقات مع واشنطن.
-تخشى بريطانيا من إغضاب العالم العربي لا سيما السعودية التي تقود جهودا للدفاع عن “حل الدولتين” وتسعى من خلال الاعتراف الحفاظ على مصالحها في المنطقة.
تقديم:
يشكّل إعلان بريطانيا الاعتراف بالدولة الفلسطينية تطوّرا جذريا يختلف عما ذهبت إليه دول أخرى، لا سيما أوروبية، في هذا الاتجاه. فما هي الحيثيات التي وقفت وراء الدولة صاحبة “وعد بلفور” الصادر عام 1917 والذي أسّس لإنشاء إسرائيل، ولماذا في هذا التوقيت، وأي دوافع داخلية ومصالح خارجية أملت القرار، وما تداعيات الحدث على الولايات المتحدة التي لطالما وصفت علاقاتها مع بريطانيا بالتاريخية و “الخاصة”؟
حثيات الاعتراف ودوافعه:
أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في 21 سبتمبر 2025، عن اعتراف المملكة المتحدة بالدولة الفلسطينية. جاء الإعلان عشية بدء أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة المفترض، وفق “مؤتمر حلّ الدولتين” الذي تترأسه السعودية وفرنسا، أن يشهد انضمام دول أخرى إلى دعوة المؤتمر للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وقد تزامن الاعتراف البريطاني مع إعلان كل من استراليا وكندا عن نفس القرار، علما أن الدولتين تابعتان للتاج الملكي البريطاني.
قدم ستارمر نصّ خطاب إعلان الاعتراف بالدولة الفلسطينية مراعيا مجموعة من العوامل والمحددات أهمها:
1-سياسة بريطانيا الخارجية، لا سيما في الشرق الأوسط.
2-سياسة بريطانيا مع أوروبا عامة والاتحاد الأوروبي خاصة، ومع فرنسا بالذات.
3-علاقة بريطانيا الخاصة مع الولايات المتحدة بعد أيام على زيارة “ملكية” للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البلاد.
4-موقع بريطانيا التاريخي في مسار إنشاء دولة فلسطين.
5-الضغوط الداخلية التي تتعرّض لها الحكومة البريطانية جراء الضغط الشعبي والأهلي والنقابي.
5-الضغوط الداخلية في حزب العمال الحاكم لا سيما من قبل الجناح اليساري وشخصياته الوازنة.
وقد كشف ستارمر في نصّ خطابه عن مجموعة من الدوافع والأسباب والثوابت والمبادئ التي أملت اتخاذ القرار في هذا التوقيت وفق ما يلي:
1-العمل على إبقاء إمكانية السلام وحل الدولتين قائمًا في الشرق الأوسط.
2-الحرص على إسرائيل آمنة ومستقرة إلى جانب دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات سيادة بقيادة سلطة فلسطينية مصلحة.
3- اعتبار أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم خالٍ من العنف والمعاناة للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.
4-الاعتراف بدولة فلسطين قرار تاريخي يعكس حق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
الاعتراف جزء من التزام حكومة ستارمر الانتخابي.
5-المملكة المتحدة تنضم إلى أكثر من 150 دولة تعترف بفلسطين، بالتعاون مع حلفاء مثل كندا وأستراليا.
6-الاعتراف جزء من خطة لدعم السلام، تشمل إصلاح السلطة الفلسطينية، وقف إطلاق النار في غزة، والمفاوضات لحل الدولتين.
7-الاعتراف هو وشروطه يأتيان متّسقين مع البرنامج الانتخابي لحزب العمال.
8-الاعتراف ليس مكافأة لحماس، التي لن يكون لها دور في مستقبل فلسطين.
9-تتواكب مع الاعتراف:
•دعوة لإطلاق سراح الرهائن فورا.
•حظر حماس.
•فرض عقوبات عليها، وتخطيط لعقوبات إضافية على قادتها.
•دعوة لرفع القيود على حدود غزة للسماح بتدفق إنساني كبير.
•المطالبة بإنهاء الموت والدمار في غزة.
10-الاعتراف خطوة لإعادة إحياء الأمل في حل الدولتين ومنع تلاشي هذا الأمل.
مسار الاعتراف ومراحله:
كانت بريطانيا قد لوّحت بخيار الاعتراف بالدولة الفلسطينية في مطلع عام 2024 وفق ما كان أعلن وزير الخارجية في حكومة المحافظين آنذاك، ديفيد كاميرون. وكان حزب العمال الذي فاز في الانتخابات التشريعية في يوليو 2024 قد استنتج خسارته لمقاعد عدّة بسبب إعراض الكتلة الناخبة المؤيدة للفلسطينيين عن التصويت للحزب.
وقد ظهرت أولى علامات التوجه البريطاني إلى درس ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية إثر “زيارة دولة” أجراها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لندن، دعا فيها الحكومة البريطانية، في 10 يوليو 2025، إلى اعتراف مشترك بدولة فلسطين، بينما دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى “التركيز” على التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة.
وقد رد ستارمر حينها أن “السياسة الراسخة” لحزب العمال وحكومته هي “الاعتراف بفلسطين كجزء من العملية”، مضيفا أن “التركيز الآن يجب أن ينصب على تأمين وقف إطلاق النار الذي يسمح للمسار السياسي بأن يحل مكان المعارك ويسمح بوصول المساعدات الإنسانية والافراج عن الرهائن”.
غير أن ستارمر، وبعد ساعات من قمّة جمعته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إسكتلندا، وبعد استدعائه لأبرز وزراء حكومته، أعلن، في 29 يوليو 2025، عن توجه حكومته إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية بمناسبة انعقاد أعمال الجمعية للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، إلا إذا أقدمت الحكومة الإسرائيلية على:
1-إجراءات لوقف الحرب في غزّة.
2-إجراءات للانخراط في مسار لتحقيق السلم.
وكان واضحا اختلاف الطابع البريطاني المتمهّل للاعتراف بالدولة الفلسطينية وربطه بمطالب لإسرائيل، عن الطابع الفرنسي المباشر والحاسم في إعلان العزم على الاعتراف على هامش قمة الأمم المتحدة.
غير أن تفاقم الوضع الإنساني في غزّة، وإصدار إسرائيل، من خلال منابر مختلفة، أهمها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر، مواقف رافضة لفكرة قيام دولة فلسطينية واعتبارها خطرا على أمن إسرائيل، دفعا ستارمر للإعلان رسميا عن اعتراف بلاده بالدولة الفلسطينية بعد 3 أيام من “زيارة دولة” قام بها ترامب إلى بريطانيا.
حسابات ومصالح لندن:
من المستبعد أن يكون قرار لندن جاء نتيجة صحوة بريطانية أخلاقية فقط، بل أن مصالح متعددة الأبعاد، خارجية وداخلية دفعت ستارمر وحكومته إلى تبني خيار الاعتراف بالدولة الفلسطينية على الرغم من انقسام في الرأي بشأن ذلك داخل النخب السياسية والرأي العام البريطاني. ويمكن رصد لائحة مصالح أهمها:
1-يهدف القرار إلى ترميم الوحدة الداخلية لحزب العمال والتي تصدّعت منذ ورشة “تطهير” قادها ستارمر نفسه وأبعدت زعيم الحزب السابق جيريمي كوربن بتهمة معاداة السامية وتأييد “حماس”.
2-يستجيب ستارمر لضغوط داخلية تعبّر عن رأي عام مؤيد لإقامة دولة فلسطينية. وقد شهدت شوارع لندن والمدن البريطانية بعد “طوفان الأقصى” مظاهرات منهجية لم تتوقف تأييدا لغزّة واستنكارا للحرب التي تخاض هناك منذ اكتوبر 2023.
3-يلبي ستارمر نداء ورد في رسالة وجهها 221 نائبا في مجلس العموم ينتمون إلى 9 أحزاب، بما فيها العمال والمحافظون، يطالب من الحكومة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
4-من مصلحة بريطانيا أن تلتحق بورشة في هذا الاتجاه تقودها السعودية وفرنسا للمحافظة على دورها كدولة أوروبية نووية عضو دائم في مجلس الأمن في قيادة العمل الدولي لوقف حرب غزّة وحماية “حلّ الدولتين”.
5-من مصلحة بريطانيا أن تكون قريبة من فرنسا وشريكة لها داخل الاتحاد الأوروبي، ما يحسّن علاقات البلدين المتجاورين، كما يدعم موقع بريطانيا داخل النادي الأوروبي في قضايا الأمن والاقتصاد رغم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
6-من مصلحة بريطانيا أن تحافظ على نفوذها ومصالحها وتجارتها وشراكاتها في العالم العربي من خلال الانضمام إلى المزاج العام في المنطقة الداعم لحقوق الفلسطينيين.
7-تتطلب مصالح بريطانيا الحيوية في منطقة الخليج العربي أن تصغي لندن لجهود الرياض في إقامة تحالف للدفاع عن حلّ الدولتين ومطالبتها بقيام دولة فلسطينية. فلا يمكن لبريطانيا تطوير شراكاتها مع السعودية ودول الخليج في حال بقيت بعيدة عن مسار التحقت به حوالي 150 دولة في العالم.
خلاصة واستنتاجات:
**تأخر قرار بريطانيا الاعتراف بالدولة الفلسطينية أكثر من قرن بعد إصدارها وعد بفور المؤسس لنشأة إسرائيل.
**سبق لحكومة المحافظين السابقة أن لوّحت بالإقدام على الاعتراف بالدولة الفلسطينية من دون تنفيذ ذلك، ما يجعل من اعتراف الحكومة العمالية الحالية جزء من مسار سياسي بريطاني عام.
**يلبي الاعتراف مطالب داخل بريطانيا وحتى داخل حزب العمال من شأنها تدعيم وحدة الحزب والاستجابة لمزاح بريطاني بهذا الاتجاه.
**تكمن أهمية اعتراف بريطانيا في أنها حليف استراتيجي تاريخي للولايات المتحدة ولطالما كانت سياستها الخارجية، لا سيما في الشرق الأوسط، الوجه الآخر للسياسة الأميركية.
**تكمن الأهمية أيضا في أن الإعلان الأولي لستارمر عن عزمه الاعتراف بالدولة الفلسطينية جاء في يوليو 2025 بعد ساعات من لقاء ترامب في إسكتلندا، وأن الاعتراف الرسمي جاء بعد ايام من لقائه به أثناء زيارته “الملكية” إلى البلاد في سبتمبر من نفس العام.
**رغم رفض واشنطن لقرار لندن، غير أن أسئلة تطرح بشأن موقف ترامب الذي تشاور معه ستارمر في يوليو وسبتمبر 2025 من دون أن يبدي ترامب موقفا مستنكرا او غاضبا من توجهات لندن.
**قد تكون خطوة لندن، بصفتها حليفا حميما لواشنطن، دافعا إضافيا لتحوّل في توجه صناع القرار في واشنطن، لا سيما بعد حديث ترامب عن تراجع دعم إسرائيل في الكونغرس، وظهور جيل أميركي رافض لدعم إسرائيل لأسباب أيديولوجية يسارا وانعزالية يمينا.
**تكن أهمية اعتراف بريطانيا بتأثيرها في دول الكومنولث على منوال ما قررته كندا واستراليا مثلا.
**يؤسس قرار بريطانيا بالالتحاق بحوالي 150 في العالم اعترفت بالدولة الفلسطينية وبالتحالف مع دول داخل المنظومة الغربية، بتشقق تاريخي غير مسبوق في دعم المنظومة الغربية لإسرائيل.
**اعتراف بريطانيا بالذات يدعم مزاجا غربيا لطالما كان داعما لإسرائيل بالتصدي لسعي نتنياهو لإنكار الدولة الفلسطينية وإجهاض “حل الدولتين”.
**قرار بريطانيا يقرّبها من فرنسا والاتحاد الأوروبي ويخدم مصالحها مع أوروبا على رغم حرصها على علاقات خاصة مع الولايات المتحدة.
**قرار بريطانيا ينسجم مع جهود السعودية للدفاع عن حل الدولتين، وهو أداة حفاظ بريطانيا على شراكاتها مع السعودية ودول الخليج والعالم العربي.