بكين تفوز دون أن تقاتل.
عراقجي قبل ترامب في الصين وحسابات اللحظة الإيرانية.
تقدير موقف: مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: تطرح زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في الخامس من مايو 2026، قبل أسبوع واحد من القمة المرتقبة بين الرئيسين ترامب وشي جين بينغ، أسئلة بالغة الدلالة حول طبيعة الموقف الصيني من الصراع الإيراني–الأمريكي ومآلاته. وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة في ضوء تقارير متداولة عن اقتراب الطرفين الأمريكي والإيراني من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، مما يجعل بكين لاعباً محورياً في لحظة مفصلية. فالصين التي تنتهج حياداً محسوباً لا تزال موضع قلق متبادل: طهران ترى حيادها غير كافٍ، وواشنطن تعتبره منحازاً لإيران.
المعطيات:
– السياق الدبلوماسي للزيارة:
وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في الخامس من مايو 2026 في أول زيارة له إلى الصين منذ اندلاع الصراع، حاملاً رسائل سياسية في لحظة بالغة الحساسية. والتقى بنظيره الصيني وانغ يي في السادس من مايو، حيث تمحورت المباحثات حول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، مع تركيز واضح على ملف مضيق هرمز وأمن الملاحة البحرية. وقد أشاد عراقجي بجهود الصين في خفض التصعيد، فيما أكد الجانب الصيني التزامه بدعم السلام والحوار مع التأكيد على أهمية رفع القيود عن المضيق.
تأتي هذه الزيارة في سياق جولة دبلوماسية إيرانية أوسع؛ إذ سبقتها زيارتا عراقجي إلى عمان لمناقشة الأمن البحري، ثم إلى موسكو للتنسيق مع الحليف الروسي. ويرى المراقبون أن إيران تسعى عبر هذه الجولة إلى تعزيز جبهتها الدبلوماسية واستثمار نفوذ الصين قبيل قمة ترامب–شي المقررة في الرابع عشر والخامس عشر من مايو 2026.
– احتمالات الاتفاق الأمريكي–الإيراني:
في هذا السياق، تتصاعد التقارير المتداولة عن قرب التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران لوقف إطلاق النار. وتُشير المصادر المطّلعة إلى أن مسار التفاوض يمر عبر قنوات متعددة، من بينها القناة العُمانية التي تحتل موقعاً محورياً في الوساطة. وتكتسب هذه المعطيات أهمية مضاعفة في ضوء تزامنها مع زيارة عراقجي لبكين وقمة ترامب–شي المرتقبة، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تسعى إيران إلى توظيف الورقة الصينية لتعزيز موقفها التفاوضي، أم أن بكين هي من تحرّك الخيوط لترتيب مشهد ما بعد وقف النار بما يخدم مصالحها الاستراتيجية؟
التحليل:
– الصين بين طهران وواشنطن: ربح بلا قتال.
يُجسّد الموقف الصيني معادلة براغماتية بامتياز يُعبّر عنها مستشار السياسة الخارجية في وزارة الخارجية الصينية وو شينيو بعبارة لافتة: “الولايات المتحدة تحارب دون أن تفوز، والصين تفوز دون أن تقاتل.” فمنذ اندلاع الصراع، حرصت بكين على الإبقاء على مسافة متساوية في خطابها، مُدينةً الحصار الأمريكي ومطالِبةً بفتح المضيق في آنٍ معاً، في استراتيجية تُتيح لها تعزيز نفوذها التفاوضي في قمة ترامب–شي دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.
ويكشف مستشار وزارة الخارجية الصينية أن بكين كانت في بداية الصراع قلقة من سيناريو تغيير النظام في طهران، والإتيان بنظام موالٍ للغرب يُقفل إيران أمام المصالح الصينية. غير أن فشل واشنطن في تحقيق حسم عسكري سريع أزال هذا الهاجس، وأفضى إلى تحوّل في الحسابات الصينية؛ إذ باتت بكين مرتاحة لواقع يُضعف الموقف الأمريكي التفاوضي دون أن تتكبّد هي أي ثمن.
– قلق طهران من الشريك الأكبر:
تستشعر طهران تحولاً في المزاج الصيني، لا سيما بعد تصريحات السفير فو كونغ التي طالبت إيران صراحةً برفع القيود عن هرمز قبل أيام من طرح مشروع قرار أممي يُلزمها بذلك. ويرى خبراء في الشأن الإيراني أن طهران تخشى أن تُضحي الصين بها لصالح مصالحها الاقتصادية الأوسع مع الولايات المتحدة والخليج.
وتكمن جوهر الإشكالية في عدم التوازن البنيوي في هذه الشراكة؛ فالصين تشتري النفط الإيراني بأسعار مخفّضة مستفيدةً من العقوبات، لكنها تتجنب الدعم الكامل لطهران تفادياً لأي تصعيد مع واشنطن. وقد سبق لوزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف أن حذّر من مخاطر الاعتماد الزائد على الصين، مشيراً إلى أن بكين قد تتخلى عن طهران إذا تعارض ذلك مع مصالحها الكبرى.
وفي المقابل، تنظر إيران إلى الصراع الدائر من زاوية مختلفة؛ إذ ترى أن الحرب التي تُشنّ عليها تستهدف في جوهرها إضعاف الموقع الاستراتيجي الصيني في المنافسة مع الولايات المتحدة، وأن دعم بكين لها في المحافل الدولية هو مصلحة صينية قبل أن يكون تضامناً مع طهران.
– الصين واحتمالات الاتفاق الأمريكي–الإيراني:
في ضوء التقارير المتصاعدة عن قرب التوصل إلى اتفاق لوقف النار، يبرز السؤال المحوري: ما الدور الذي ستؤديه الصين في هذا المسار؟ ثمة قراءتان محتملتان. الأولى أن بكين تسعى إلى أن تكون شريكةً فاعلة في أي ترتيب سياسي مقبل، مستثمرةً علاقاتها مع الطرفين لتعزيز نفوذها إقليمياً في مرحلة ما بعد الصراع. والثانية أن الصين ستقبل بأي اتفاق يُعيد فتح مضيق هرمز ويُنهي تهديد أسعار الطاقة العالمية، بصرف النظر عن شروطه السياسية، لأن مصلحتها الاقتصادية تسبق أي اعتبار آخر. وتُرجّح المعطيات الراهنة أن القراءة الثانية هي الأقرب إلى الواقع، وهو ما يُقلق طهران أكثر مما يُطمئنها.
وتلاحظ واشنطن بدورها أن المواقف الصينية لم ترقَ إلى مستوى الاعتراض الاستراتيجي على الحرب، مما أوحى باستعداد بكين للتعايش مع أي نظام إيراني جديد بشرط عدم انهيار الدولة الإيرانية وبقاء المصالح الصينية محفوظة. وهذا المعطى بالذات هو ما يُشكّل ورقة ضغط حقيقية في يد واشنطن في مفاوضاتها مع بكين.
الخلاصة والاستنتاجات:
تكشف قراءة المعطيات عن جملة من الاستنتاجات الجوهرية.
**تعكس زيارة عراقجي استراتيجية إيرانية للحفاظ على التوازن الدبلوماسي وتوظيف الورقة الصينية في اللحظة التفاوضية الأكثر حساسية، غير أن المواقف الصينية الأخيرة التي تطالب برفع القيود عن هرمز تكشف بوضوح حدود هذا التحالف.
**تقوم الاستراتيجية الصينية على انتهاز فرصة الصراع لتعزيز النفوذ دون تورط مباشر، وترتيب الأوراق استعداداً لقمة ترامب–شي بما يُمكّنها من الربح في مواجهتين في آنٍ معاً: الحفاظ على علاقتها مع طهران، والتفاوض من موقع قوة مع واشنطن.
**في حال التوصل إلى اتفاق أمريكي–إيراني لوقف النار، ستكون الصين الرابح الأكبر استراتيجياً؛ إذ ستنتهي التهديدات لأسواق الطاقة، وتتعزز أوراقها أمام واشنطن، وتحافظ على حضورها في إيران مهما كانت شروط الاتفاق.
**تظل المخاوف الإيرانية من الشريك الصيني قائمة ومتصاعدة؛ فالشراكة غير متوازنة بنيوياً، والصين تضع مصالحها الاقتصادية العالمية في المقام الأول، مما يجعل الرهان الإيراني على بكين رهاناً محفوفاً بمخاطر التخلي في اللحظات الحاسمة.