بكين تحذّر طهران: كيف تتطور مواقف الصين من الحرب؟ تقدير موقف
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم
انتهجت الصين في بداية الحرب مواقف دبلوماسية تدعو إلى الحوار مع دعم منضبط لإيران، غير أن بكين باتت تتحرك باتجاه أكثر نشاطاً وحيوية؛ سواء في الانخراط بجهود إنهاء الحرب، أو في التلويح بالبحث عن بدائل للطاقة تستغني بها عن مضيق هرمز، وصولاً إلى ما يُحكى عن تحذير وجّهته بكين لطهران من أي اتفاق يُدخل الولايات المتحدة إلى قطاع الطاقة الإيراني.
– المعطيات:
• في 23 أبريل 2026، نقلت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن مصادر دبلوماسية أن الصين منخرطة خلف الكواليس في الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة، وتسعى للتعاون مع قادة الحرس الثوري بهدف تليين مواقفهم. وبحسب المصادر ذاتها، حذّرت بكين من أنها ستوسّع نطاق البحث عن مصادر بديلة للنفط والغاز إن استمر حصار مضيق هرمز، وستعلّق اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران المبرمة عام 2021 والتي تبلغ قيمتها المحتملة 400 مليار دولار. وأضافت الصحيفة أن الصين حذّرت القيادة الإيرانية من مغبة التوصل إلى اتفاق يسمح للأمريكيين بالحصول على موطئ قدم في قطاع النفط الإيراني، مشيرةً إلى أن هذا القلق نابع من مقترح إيراني قُدّم إلى واشنطن حتى قبل اندلاع الحرب، يقضي بدخول شركات أمريكية إلى قطاع النفط وإعادة تأهيله وتطويره مقابل عوائد مجزية، وهو مقترح طُرح أيضاً على طاولة المفاوضات في الأسابيع الأخيرة مشروطاً بالإفراج عن الأموال المجمّدة ورفع العقوبات.
• في 20 أبريل 2026، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى وقف إطلاق نار فوري وشامل في الشرق الأوسط، وإعادة فتح مضيق هرمز معتبراً ذلك مصلحة مشتركة للدول الإقليمية والمجتمع الدولي. وفي 14 أبريل، حذّرت بكين من حصار أمريكي للمضيق ووصفته المتحدث باسم وزارة الخارجية بأنه “خطر وغير مسؤول”. وفي 13 أبريل، أعلن وزير الدفاع دونغ جون أن بلاده تملك اتفاقيات تجارية وطاقة مع إيران وتتوقع عدم التدخل في شؤونها، مؤكداً أن المضيق مفتوح للصين.
• في مارس 2026، أدانت المتحدثة ماو نينغ الضربات الأمريكية الإسرائيلية بشدة، واعتبرت مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي انتهاكاً خطيراً للسيادة الإيرانية ومخالفاً للقانون الدولي، مطالبةً بوقف فوري للعمليات العسكرية والعودة إلى الحوار. وفي المرحلة ذاتها، أجرى وزير الخارجية وانغ يي اتصالات مكثفة مع نظرائه في روسيا وإيران وعُمان وفرنسا وإسرائيل والسعودية والإمارات، مؤكداً أن الحرب لا يجب أن تحدث ولا تفيد أحداً. كما أرسلت بكين مبعوثاً خاصاً إلى المنطقة، ودعمت وساطة باكستان، وأجرت محادثات مع إيران لضمان مرور ناقلات النفط والغاز القطري عبر المضيق.
• في فبراير 2026، مع بدء “عملية الغضب الملحمي” في الثامن والعشرين من الشهر، جاء الرد الصيني محدوداً في البداية مع تركيز على الدعوة إلى ضبط النفس والحوار. وعشية اندلاع الحرب في 24 فبراير، أعربت وزارة الخارجية عن أملها في حل الخلافات سلمياً. وبعد الضربات، أدانت بكين الاستخدام غير المصرح به للقوة، لكنها لم تقدم دعماً عسكرياً مباشراً، محافظةً على سياسة عدم التدخل مع الإبقاء على الشراكة الاستراتيجية مع طهران.
ثانياً: التحليل
تتمحور استراتيجية الصين حول الدبلوماسية البنّاءة دون تورط عسكري؛ إذ تدعم بكين إيران دبلوماسياً من خلال إدانة الضربات والدفاع عن السيادة ومعارضة تغيير النظام، بينما تنفي أي دعم عسكري مباشر، وهو ما يتقاطع مع ما ادّعاه ترامب من وجود اتفاق مع الرئيس شي بينغ يقضي بعدم إرسال أسلحة إلى إيران.
والريبة الصينية الأعمق تتعلق باحتمال قبول طهران شروطاً أمريكية تمنح واشنطن تسهيلات في قطاع النفط، مما يهدد الحصة الصينية التي تجاوزت 80% من صادرات النفط الإيراني عام 2025، فضلاً عن تهديد اتفاقية الشراكة الاستراتيجية لعام 2021. وعليه، تجمع بكين بين تحذير طهران من هذا المسار وتليين مواقف الحرس الثوري خلف الكواليس لتجنب التصعيد الذي يعطّل الملاحة في المضيق.
وتكشف الصورة الأشمل عن تقاطع جزئي بين المصالح الصينية والأمريكية في الرغبة باستقرار الملاحة وتجنب أزمة طاقة عالمية، وهو ما عكسه طلب ترامب من بكين المساعدة في إعادة فتح هرمز. غير أن التناقض الجوهري يبقى قائماً؛ فالصين ترفض القوة الأحادية وانتهاك السيادة، بينما ترى واشنطن في الحرب أداةً للضغط على إيران. ولا يضير الصين في المحصلة انشغال الولايات المتحدة بحرب تستنزف مواردها العسكرية والدبلوماسية، شريطة ألا تخرج عن السيطرة وتهدد المصالح الاستراتيجية الصينية بصورة جدية.
تملك بكين لتأثير على مآلات الحرب جملةً من الأدوات المتشابكة: فعلى الصعيد الاقتصادي، يمنحها شراؤها ما بين 80 و90% من النفط الإيراني نفوذاً هائلاً للضغط على طهران عبر التهديد بتعليق الشراكة أو البحث عن بدائل، كما يمكنها تهديد واشنطن بتعطيل سلاسل التوريد أو الرد على التعريفات. وعلى الصعيد الدبلوماسي، تتوافر لها أدوات التأثير على الوساطة الباكستانية والموقف من قرارات مجلس الأمن وملف مخزون اليورانيوم الإيراني المخصّب. أما على الصعيد الاستراتيجي، فيمكنها توظيف الشراكة مع روسيا لتقديم دعم غير مباشر لإيران، بما في ذلك تعزيز منظومات الرادار، دون تورط مباشر. وعلى صعيد الطاقة، تملك ورقة التلويح بتنويع مصادرها بالتعاون مع روسيا بما يقلل الاعتماد على هرمز تدريجياً.
خلاصة:
**يتطور موقف الصين من الصمت النسبي في بداية الحرب نحو دور وسيط نشط، مع الحفاظ على توازن دقيق يُبقيها بعيدة عن الانخراط المباشر في الصراع. وتدعم بكين سيادة إيران دون المخاطرة بمصالحها الاقتصادية أو علاقاتها مع واشنطن، في رؤية طويلة الأمد تستهدف تعزيز نفوذها كقوة عالمية مسؤولة.
** المفارقة اللافتة تكمن في أن الصين التي تدعو إلى إنهاء الحرب وتدافع عن شراكتها مع إيران، تخشى في الوقت ذاته سلاماً يُمكّن الولايات المتحدة من دخول استراتيجي إلى أسواق إيران لا سيما في قطاع الطاقة.
**هكذا تجمع الاستراتيجية الصينية بين الدعم الدبلوماسي المحدود لطهران، والقلق الاقتصادي الشديد من اضطرابات هرمز، والرغبة في الحفاظ على توازن مع واشنطن، والتحذير من أي اتفاق يُفتح فيه الباب أمام الشركات الأمريكية في النفط الإيراني.