بعد نزيف قاعدته داخل الأوساط الاسلامية والكردية اردوغان يخوض معركة صعبة ضد أحزاب المعارضة

ملخص تنفيذي:

بعد تفاقم الازمة الاقتصادية وتراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية في تركيا، وهبوط مؤشر شعبية حزب العدالة والتنمية المستمر منذ خمسة أشهر، بدأت ماكينة الحزب في اعتماد استراتيجية سياسية جديدة، عقب إعلان شخصيات أساسية وازنة في الحزب الحاكم تأسيس أحزاب إسلامية منشقة. تكمن خطورة المنشقين ليس في القدرة على تشكيل بديل للعدالة والتنمية، وانما في قدرتها على انهاء تفرد حزب اوروغان ولسنوات طويلة في ادعاء تمثيل الشريحة المتدينة والتعبيرعن الهوية المسلمة في المجتمع التركي، ومصدر القلق الاخر هو اهتمام الجمهور الشاب وشرائح من الأقليات بالزعيمين المنشقين، أحمد داود أوغلو وعلى باباجان، في مواقع التواصل الاجتماعي.
استراتيجية الحزب الجديدة ” للتعافي والانتعاش” بعد فترة وصفت بانها سنوات الكسل والخمول والركون الى نشوة الانتصار في الانتخابات النيابية وتمرير التعديل الدستوري حول صلاحيات الرئيس ، تتركز على ‘اعادة ترميم علاقة حزب العدالة والتنمية مع المجتمع وقاعدته الشعبية، بعدة محاور ، الاول ، بسياسة خارجية توسعية تستهدف قواعد الأحزاب القومية المعارضة التي تحلم بمجد امبراطوري غابر، والثاني ويستهدف تقسيم الأحزاب المعارضة وتعميق الثغرات فيما بينها ووضع العراقيل القانونية امام مشاركتها في الانتخابات.والثالث ، بسياسة داخلية لمواجهة الضائقة الاقتصادية للطبقات الفقيرة التي تسببها وباء الكورونا ، بزيادة المعونات الاجتماعية للفقراء ، وتخفيض سعر الفائدة على القروض البنكية بصورة غير مسبوقة للطبقة الوسطى ، رغم نصائح مدير البنك المركزي وخبراء الاقتصاد من ان الحوافز بزيادة الإقراض هي سياسة فاشلة وغير مجدية في هذه الازمة .

وضع المعارضة:

حزبا الديمقراطية والتقدم والمستقبل الوافدان الجديدان للساحة الحزبية. الاول بقيادة باباجان -أحد الأعضاء المؤسسين لحزب العدالة والتنمية وشغل منصبي وزير الاقتصاد والخارجية ونائب رئيس الوزراء- ومعه عدد كبير من القيادات السابقة البارزة، أهمهم: وزير الداخلية الأسبق بشير أطالاي، ووزير العدل الأسبق سعد الله أرغين، والقيادي الأسبق حسين تشييلك، ويدعمهم من بعيد الرئيس السابق عبد الله غول ، والثاني بزعامة وزير الخارجية الأسبق والاكاديمي البارز صاحب نظرية صفر مشاكل مع الجوار ، وتمكن حتى الان من انشاء فروع له في تسع محافظات تركية وضم قادة ورجال اعمال بارزين من حزب العدالة والتنمية . من الواضح ان هذا الانشقاق يعد الأبرز في تاريخ الحزب الحاكم منذ العام 2002، مع تزايد الانتقادات لطريقة إدارة اردوغان لشؤون الحزب والتي توصف بالتسلط وقمع الآراء المختلفة، ولا يستبعد مراقبون للشأن التركي ان يشهد الحزب مزيدا من الانسحابات من اوساطه القيادية تحديدا وبعض الوزراء والبرلمانيين. ولهذا عمل حزب العدالة والتنمية في استراتيجيته الجديدة على ان اجراء تعديلات على قانون الانتخابات، يضع عقبات جديدة امام الحزبين الجديدين ومنعهما من دخول الانتخابات القادمة بعد عامين، إذ يتحتم على الحزب المشارك في الانتخابات أن يكون قد عقد مؤتمرا وشكل هيكلا حزبيا في نصف الأقاليم التركية، أو أن يكون لديه بالفعل مجموعة من 20 نائبا على الأقل في البرلمان، وهي معايير لا تتوفر في الحزبين الجديدين بعد. كما اتخذت الحكومة التركية في الشهر الماضي خطوة أخرى لتمرير مشروع قانون يهدف إلى إدخال ثلاثة عتبات انتخابية منفصلة على المستويات المحلية والوطنية في سبيل عرقلة وصول الأحزاب المنشقة حديثا الى البرلمان ، وعدم إجازة انتقال البرلمانيين الى أحزاب جديدة لتمكينها من تجاوز عقبة العشرة بالمئة ، كما حصل من تحويل حزب الشعب الجمهوري سبعة عشر برلمانيا لحزب الخير لتمكينه من دخول البرلمان ، وبالتالي تجنب خسارة فائض اصواته لصالح الكتلة الأكبر ، وهو الامر الذي يخشاه اردوغان من أن يحصل ذات الشيء مع الأحزاب المنشقة عن العدالة والتنمية

بحسب آخر استطلاعات للرأي فإن حزبي الديمقراطية والتقدم والمستقبل يسيران في مسار تصاعدي، لكن لايزال من المبكر جدا أن يتمكنا من تحقيق عتبة الدخول للبرلمان (لم يتجاوزا نسبة 3 بالمئة بحسب اخر استطلاعات الرأي) . وعلى الرغم من الهبوط المستمر في شعبية حزب العدالة والتنمية في الأشهر الخمسة الماضية، الا ان هذا التراجع في الشعبية لا يكاد يذكر، حيث انخفض عدد أعضاء حزب العدالة والتنمية خلال العام الجاري والماضي، بمقدار 788 ألفا و131 عضوًا، وأصبح عدد أعضائه 9 ملايين و931 ألفًا و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفًا و234 عضوًا، بحسب المصادر الرسمية. ولايزال “تحالف الشعب ” الذي يضم العدالة والتنمية مع الحركة القومية قويا، بل يمكن القول إنه أمتن من أي وقت مضى مع التحركات العسكرية الخارجية للرئيس التركي وسياسات التضييق ضد الأكراد وأثرها الايجابي على شعبيته في الأوساط القومية. ويراهن اردوغان وتحالفه، ان تسهم التدخلات التركية في العراق وسوريا وليبيا وشرق المتوسط في زيادة شعبية التحالف لدى القاعدة القومية التقليدية. ومن المؤشرات الدالة على ان سياسة العداء للأكراد وحقوقهم القومية والعدوانية التركية التوسعية تجتذب أهواء القوميين، ان حزب “الصلاح ” او “الخير” بزعامة ميرال أكشينار، هو الخاسر الأكبر، حيث يتعرض الحزب منذ مطلع العام لاستنزاف في قاعدته الشعبية من القوميين لصالح حزب الحركة القومية المتحالف مع أردوغان .

من الواضح أن الاستراتيجية القادمة للرئيس التركي تركز على الأصوات القومية واليمينيين الأتراك، بعد النزيف الذي تتعرض له قاعدته داخل الأوساط الاسلامية والكردية.

نقطة ضعف المعارضة التركية، هي حزب الشعوب الديمقراطي اليساري ذو الأغلبية الكردية والذي يقبع زعيمة صلاح الدين ديميرتاش في السجن منذ أربع سنوات، وهو الحلقة المركزية لاستراتيجية لهجوم اردوغان على المعارضة لإضعافها. فقد تحول عن سياساته باستمالة الشارع الكردي التي لم تعد تجدي نفعا مع حملات الاعتقال والتضييق وعزل رؤساء البلديات الكردية بطرق تعسفية والحملات العسكرية في المناطق الكردية، والواضح أنه متجه نحو كسب الأصوات القومية اليمينية على حساب خسارة الأصوات الكردية.

يعمل اردوغان على تجريم حزب الشعوب الديمقراطية المتحالف مع الأحزاب المعارضة الأخرى بوصمه بسمة دعم الإرهاب (المقصود حزب العمال الكردستاني بزعامة عبد الله اوجلان)، والمفارقة ان الصاق تهمة الإرهاب بحزب الشعوب تم مباشرة بعد إعلان ديميرتاش الرئيس السابق له ، رفضه الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي.

حتى اللحظة تسعى أحزاب المعارضة للحفاظ على “تحالف الأمة ” المكون من أربعة أحزاب، متماسكاً مع إمكانية قبول أعضاء جدد حتى انتخابات 2023. ولذلك دعا رئيس حزب الشعب الجمهوري “كمال قلجدار أوغلو” لتحالف كبير يضم حزب الشعب الجمهوري وحزب الصلاح ، السعادة ، الشعوب الديمقراطي إلى جانب حزبي المستقبل والديمقراطية والتقدم المنشقين الجدد من حزب العدالة والتنمية.
تحتاج المعارضة، الى 50% على الأقل من الأصوات في الانتخابات المقبلة، ولهذا يعتبر ابعاد حزب الشعوب ذو الأغلبية الكردية عن الساحة السياسية ضربة كبيرة للمعارضة، وتدرس أحزاب المعارضة استراتيجية جديدة لتعزيز التحالف القائم، وإيجاد البدائل في حال صدور قرار قطعي بتجريم والصاق تهمة الإرهاب بحزب الغالبية الكردية، ثالث أكبر الاحزاب التركية تمثيلا في البرلمان.

وحتى الان لا يبدو واضحا كيف يمكن تجاوز الاجراءات القانونية التي يستدف بها اردوغان حزب الشعوب الديمقراطي، ولا الكيفية التي يمكن بها تناول الازمة الكردية، خاصة وان المكون الرئيس في تحالف الامة هو حزب الشعب الجمهوري الذي اقام كل مجده الفكري والسياسي تاريخيا على قمع الطموحات القومية للأكراد الذين يشكلون نحو عشرين بالمئة من سكان البلاد.

يتطلع المراقبون الى حزبي المستقبل والديمقراطية والتقدم، لسد الثغرة الكبرى التي قد تفتح في جدار المعارضة باستهداف حزب الشعوب واخراجه من الحياة السياسية، خاصة وان حزب العدالة والتنمية حصل من الكتلة الانتخابية للأكراد بتعدادهم من 15-20 مليون نسمة ما يقارب الأربعين بالمئة من الأصوات ، لكن الظروف اختلفت منذ العام 2015، حيث تراجع الحزب الحاكم عن كل برامجه للتنمية في المناطق الكردية واتبع سياسة عدوانية وقمعية ضد الاكراد .

من جهته شدّد داود أوغلو، في كلمته الافتتاحية لمؤتمر الحزب، على أهمية الحق في التعليم باللغة الأم، بيد أنه لم يذكر بشكل صريح اللغة الكردية. غير أن أجندة حزبه تنتقد الافتقار إلى الديمقراطية بشكل عام بما يفاقم للمشكلة الكردية.
اما باباجان، فقد ذكر في مقابلة صحفية ( Karar) في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 ) ، أن التخلف الاجتماعي-الاقتصادي كان أحد المشاكل الأساسية . وقال إن القضية الكردية ستكون من الاهتمامات ذات الأولوية بالنسبة له. ومن بين أولئك الذين يعملون الآن مع باباجان، بعض الوزراء السابقين الذين شاركوا بفعالية في جهود حزب العدالة والتنمية لمعالجة القضية الكردية في الماضي، وهما سعد الله إرغين وبشير أتالاي.

الشباب، بيضة قبان الانتخابات القادمة

في استطلاع اجراه معهد “غيزيجي أراشتيرما مركزي” في اثنتي عشرة محافظة تركية وضعت الشباب الذين اسمتهم “الجيل زِد” تحت المجهر. الهدف الرئيسي من هذا الاستطلاع هو الحصول على معلومات حول قناعاتهم الدينية ونظرتهم إلى العالم واختياراتهم الانتخابية.
يقول مدير المعهد مراد غيزيجي متنبِّئًا: “هذا الجيل سيكون الفاعل الرئيسي في الانتخابات البرلمانية المقبلة في عام 2023”. ويضيف أنَّ الناخبين الشباب سيشكِّلون نحو اثني عشر في المائة من مجموع الناخبين، ويمكنهم بالتالي أن يفرضوا على الانتخابات قضاياهم – التي تتمثَّل قبل كلِّ شيء في “العدل” و”تحسين مستوى الدخل”.

وبدأت الادبيات السياسية التركية والعالمية تتحدث عما يسمى ب ” الجيل زد ” الذي تجرأ وأشعل وسائل التواصل الاجتماعي بشعار ” لن تحصل على صوتي ” بعد تقديم موعد الامتحانات شهرا كاملا لأسباب وصفت بانها لأغراض سياسية واقتصادية تخدم حكومة الحزب الحاكم. وتشير بعض التقديرات ان عدد الذين ولدوا بعد العام الفين ويحق لهم الاقتراع في الانتخابات القادمة يصل الى نحو سبعة ملايين ناخب، وتقول تقديرات أخرى، ان أبناء الفئة العمرية المولودين بين عامي 1995 و2010 – يصل عددهم الى نحو ثلاثة عشر مليون شاب تركي. وتتوقع التقديرات ان تلعب هذه الفئة العمرية دورًا حاسمًا في الانتخابات المقبلة. لأنَّ الكثيرين منهم سيحصلون قريبًا ولأوَّل مرة على حقّ التصويت ويشكِّلون في الوقت نفسه قوة تصويت من الصعب التكهن باتجاهاتها في الوقت الراهن. وتوصف عادة بانها تمثل الجيل الغاضب الذي لا ينتمي غالبا لاي من الأحزاب السياسية. وتضع غالبية الاحزاب في الحكم والمعارضة استراتيجيات جديدة لاجتذاب هذه الفئة الانتخابية القادمة بعد ان تحولت الى صوت مسموع في وسائل الاعلام الجديد وعبرت عن رأيها بقوة في قضايا تخص البيئة وتحويل بعض الساحات الى حدائق عامة او قوة احتجاج رئيسية في الشارع على القضايا الاجتماعية والمطلبية والمعيشية، وقد تنبه حزب الديمقراطية والتقدم بقيادة علي باباجيان لهذه الشريحة في مؤتمراته التأسيسية متوجها لها بصورة خاصة، ومراهنا على استقطابها في السنتين القادمتين.

خلاصة:

– ليس من الواضح كيف ستتعامل الحكومة مع المتغيرات المستجدة على الساحة الحزبية، وما هي فرص نجاح حزب العدالة والتنمية في استراتيجيته الجديدة لتفتيت المعارضة واستعادة ثقة الشارع، الذي تتفاقم أزمته المعيشية والبطالة يوما بعد يوم، مع ازمة وباء كورونا. فاستخدام قوة الحكومة وسطوتها لتجريم المعارضة وانهاكها بالملاحقات القانونية، سلاح ذو حدين ويهدد صورة الديمقراطية التي يتغنى بها اردوغان. لكن اللعبة التقليدية الأخطر هي التصعيد العسكري الخارجي باعتباره أداة سياسية للضغط الداخلي، والتي من شأنها اسكات المعارضة وتامين التفاف شعبي حول الدولة في حالة الحرب “لتامين مصالحها القومية الاستراتيجية “.
ولهذا من غير المؤكد ما إذا كانت الانتخابات، كأداة تغيير سياسي، ستلعب دوراً أساسيا في إحداث تحول جوهري، بسبب الشحن القومي والشعبوي الذي يمارسه الحزب الحاكم وزعيمه اوردغان.

– التوغلات العسكرية التوسعية التركية في سوريا والعراق وشرق المتوسط وليبيا، تواجه عقبات جوهرية مع العديد من الأطراف الدولية والإقليمية، وهناك تحذيرات داخل النخبة السياسية التركية من أن هذا النهج سيساهم في عزلة تركيا ويوسع مروحة العداء حولها.

– امام هذه الصورة المتشائمة ، والازمة السياسية الماثلة للعيان ، لا يستبعد المراقبون ان يلجأ اردوغان الى الوسائل غير الدستورية من اجل الحفاظ على السلطة بالقوة ، فقد تلاعب في جهاز القضاء والمحكمة الدستورية ، واحال عشرات الالاف من ضباط وجنود الجيش الى التقاعد او الاعتقال بحجة انتمائهم لدولة فتح الله غولين الموازية ، ولهذا أعاد هيكلة الجيش والامن من الموالين له شخصيا ولحزب العدالة والتنمية ، ليس هذا وحسب بل تقدم اردوغان الشهر الماضي بمشروع قانون للبرلمان يطلب منح صلاحيات شرطية لأكثر من 20،000 عنصر مما يسمى ”حراس الأحياء“ وهو ميليشيا موالية خارج مؤسسات الجيش والشرطة النظامية، يشبهها المحللون بقوات الباسيج في إيران.

– تعيش المعارضة حالة من الضعف والانشقاقات والشكوك المتبادلة بين أطرافها، فالبعض يدعو الى انتخابات مبكرة لاستغلال فرصة فشل الحزب الحاكم في إدارة الازمة الاقتصادية، فيما يتمسك حزب الشعب الجمهوري، والحزبين المنشقين من العدالة والتنمية بالموعد الدستوري للانتخابات بعد عامين، من اجل تنظيم الصفوف وتعزيز التحالف بين أطراف المعارضة. تراهن المعارضة التركية على نتائج الانتخابات الأمريكية في نوفمبر القادم، وتعتبر أن وصول الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض، يخدم المعارضة، ويحد من غلواء الرئيس اردوغان وسياساته ويضاعف الضغوط عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.