بعد موقف أردوغان.. لبنان يتحرك صوب أنقرة.

ورقة سياسات

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – بيروت

ملخص تنفيذي:

-أنقرة تعتبر بيروت ومدنًا عربية أخرى جزءًا من أمن تركيا القومي، ما يعزز موقع لبنان في الأولويات الاستراتيجية التركية.

-يهم تركيا مدّ نفوذها نحو لبنان بعد سوريا لتعزيز إطلالتها على البحر المتوسط.

-تأخذ تركيا في سياساتها حيال لبنان بالاعتبار مصالح أطراف أخرى، لا سيما السعودية والولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل.

-يعوّل لبنان على تركيا لرفض اقتراح ترامب بتدخل سوريا في لبنان ضد حزب الله، وتسهيل علاقات بيروت ودمشق.

-رغم ملف الخلاف بشأن ترسيم لبنان حدوده البحرية مع قبرص، يستطيع البلدان تجاوز الملف وتطوير علاقات أمنية ودفاعية واقتصادية وجيوسياسية مشتركة.

تقديم:

في أعقاب تصريحات للرئيس التركي اعتبر فيها بيروت ومدنًا عربية أخرى جزءًا من أمن تركيا الاستراتيجية، بعثت بيروت بنائب رئيس الحكومة نحو أنقرة في زيارة تطرح أسئلة بشأن طبيعة علاقات لبنان وتركيا لا سيما في ملفات خلافية مسكوت عنها، إضافة إلى موقف أنقرة من تحديات أمام حكومة لبنان مرتبطة بحرب إيران، وتحولات سوريا، والحرب الإسرائيلية ضد حزب الله. تطرح المسألة وجوه سياسة تركيا صوب لبنان في ظل حساسية قد تكبح ذهاب أنقرة بعيدًا في مدّ نفوذها صوب لبنان.

– بيروت تتوجه إلى أنقرة:
في 17 يونيو 2026، زار نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري العاصمة التركية أنقرة، حيث استقبله نائب الرئيس التركي جودت يلماز في المجمع الرئاسي. ناقش الجانبان تعزيز التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد والطاقة والدفاع، بالإضافة إلى التضامن الإقليمي ضد السياسات التوسعية الإسرائيلية. أكد يلماز أن “تعزيز التضامن الإقليمي ضد سياسات إسرائيل التوسعية يحمل أهمية كبيرة”، وشدّد على أن أي اعتداء على سيادة لبنان أو وحدة أراضيه يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي. كما أعرب عن التزام تركيا بدعم أمن لبنان واستقراره وتنميته الاقتصادية، مع الإشارة إلى استمرار المساعدات الإنسانية عبر وكالة التعاون والتنسيق التركية (تيكا) وإدارة الكوارث والطوارئ (آفاد) والهلال الأحمر التركي.

جاءت الزيارة في سياق حساس للغاية في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان رغم وقف إطلاق نار هش، ووجود تفاهمات أميركية-إيرانية لإنهاء الأعمال العدائية، إضافة إلى التحولات الكبرى في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع على رأس الحكومة الجديدة. وقد أعلنت وسائل إعلام لبنانية عن الزيارة بصفتها خطوة لمناقشة الملفات المشتركة وبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية في مرحلة ما بعد الحرب. بعد الزيارة، برزت تحليلات تركية تؤكد رغبة أنقرة في لعب دور أكبر في استقرار المنطقة، بينما رأى مراقبون لبنانيون فيها فرصة لجذب دعم اقتصادي وأمني ملموس لإعادة الإعمار وتعزيز سيادة الدولة.

قبل أسبوع تقريبًا من الزيارة، في 10 يونيو 2026، أدلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتصريحات مهمة أمام نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي، قال فيها إن “أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت”. ووصف دمشق وبيروت بأنهما “شقيقتان لإسطنبول”، محذرًا من أن الهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان وصلت إلى مرحلة تهدد تركيا نفسها، وأن أنقرة “لن تسمح بفرض أمر واقع في بلدان أشقائنا”. هذه التصريحات تعكس رؤية تركية استراتيجية عميقة ترى في لبنان جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل السياسية والأمنية أيضًا. فلبنان بالنسبة لتركيا ليس مجرد جار، بل ساحة نفوذ محتملة ومنطقة عازلة ضد التهديدات الإيرانية عبر وكلائها، وفي الوقت نفسه فرصة اقتصادية ودبلوماسية في شرق المتوسط.

– خلاف بشأن قبرص:

من أبرز الملفات الخلافية التي تتقاطع مع العلاقات التركية-اللبنانية ملف ترسيم الحدود البحرية مع قبرص. في 26 نوفمبر 2025، وقّع لبنان وقبرص اتفاقية لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة، وهي خطوة طال انتظارها وفتحت الباب أمام استكشاف حقول الغاز البحرية وتعزيز التعاون الطاقي. لكن هذه الاتفاقية أثارت غضب تركيا بشكل واضح، حيث اعتبرت أنقرة أن الاتفاق ينتهك حقوق القبارصة الأتراك ويتجاهل وجودهم كشريك أساسي في الجزيرة.

ويقوم موقف تركيا على واقع أنها لا تعترف باتفاقيات المنطقة الاقتصادية الخالصة التي وقّعتها جمهورية قبرص مع دول أخرى (مصر وإسرائيل ولبنان)، معتبرة أن الجمهورية القبرصية لا تمثل الجزيرة ككل في ظل الانقسام القائم. وقد حاولت تركيا في الماضي استخدام نفوذها لعرقلة مثل هذه الاتفاقيات، وردّت على توقيع 2025 بإدانة صريحة.

ويضع هذا الملف لبنان في موقف دقيق بين الضغوط القبرصية-الأوروبية من جهة، والموقف التركي من جهة أخرى، التي ترفض اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار بشكل كامل وتفضل مبدأ “الإنصاف” في ترسيم الحدود. ووفقًا لذلك قد ترى تركيا في الاتفاق اللبناني-القبرصي تعزيزًا للموقف اليوناني في شرق المتوسط، مما يؤثر سلبًا على مطالبها الخاصة بالتنقيب عن الغاز. ومع ذلك، لم يؤدِ هذا الخلاف إلى تجميد العلاقات الثنائية مع بيروت، إذ تستمر أنقرة في السعي لتعاون اقتصادي وأمني مع لبنان، ربما كوسيلة لموازنة النفوذ الأوروبي أو لفتح قنوات بديلة في مجال الطاقة.

– بيروت بين دمشق وحزب الله:
تكتسب تركيا أهمية استثنائية كداعم رئيسي للحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع. وتستطيع أنقرة تسهيل الحوار بين بيروت ودمشق حول ملفات الحدود، الأمن المشترك، التجارة، وإعادة اللاجئين. وكان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام زار دمشق في مايو 2026 لبحث هذه الملفات، فيما لعبت تركيا دورًا في تشجيع مثل هذا التنسيق لمنع أي فراغ أمني قد يستغل من قبل جهات معادية. كما تسعى تركيا والسعودية معًا إلى تنسيق لبناني-سوري يعزز الاستقرار ويقلل من النفوذ الإيراني في المنطقة.

من جهة أخرى ترى تركيا في حزب الله فاعلًا سياسيًا يمكن أن يشارك في الحياة اللبنانية ضمن إطار الدولة، لكنها تنتقد بشدة دوره العسكري خارج سيطرة المؤسسات الشرعية وتورطه السابق في الحرب السورية ضد المعارضة التي كانت تدعمها أنقرة. وتدعم تركيا حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وتعزيز دور الجيش كمؤسسة وطنية وحيدة. ومع ذلك، تحافظ أنقرة على سياسة براغماتية تتمثل في إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما في ذلك محاولات الوساطة في أبريل 2026 لترتيب تفاهم أميركي-لبناني بشأن الحزب.

تركيا والموقف من تهديد حكومة سلام

ففي سياق التوترات الداخلية اللبنانية، أطلق قادة في حزب الله (بمن فيهم نعيم قاسم ومحمود قماطي) تصريحات وتهديدات ضمنية أو صريحة بإسقاط حكومة نواف سلام، خاصة بعد قرار الحكومة بحظر الأنشطة العسكرية للحزب ودفعها نحو مفاوضات مع إسرائيل أو إصلاحات سيادية. اعتبرت واشنطن هذه الدعوات “متهورة” وتهديدًا للاستقرار، بينما ردت الحكومة اللبنانية برفض جرّ البلاد إلى مغامرات جديدة.

ويعتقد مراقبون أتراك أن الموقف الرسمي التركي داعم للشرعية الدستورية، وترفض أنقرة أي محاولة من قبل ميليشيا مسلحة لإسقاط حكومة منتخبة دستورياً، معتبرة ذلك تدخلاً غير مقبول في الشؤون الداخلية وتقويضًا لسيادة الدولة. كما يؤكدون أن تركيا تدعم تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية ومسار الإصلاح الذي يتبناه نواف سلام. ويضيف المراقبون أن أنقرة تفضل الحلول السياسية والدبلوماسية على أي تصعيد داخلي قد يؤدي إلى فوضى أو حرب أهلية جديدة.

ويرى خبراء في الشؤون التركية أن موقف حكومة أردوغان تجاه لبنان وحكومته ومؤسساته ينسجم مع سياستها العامة في المنطقة، حيث تفضل الاستقرار والحكومات القوية القادرة على فرض سيادتها على الأراضي كلها، بدلاً من استمرار “دولة داخل الدولة”.

– تركيا ولبنان: الحسابات والحساسيات.
تقيس أنقرة حساباتها في لبنان وفق واقع جيوسياسي تسعى أن تداري بسبب حساسيات اندفاعاتها صوب لبنان وفق الخريطة التالية:

1. تتبنى تركيا موقفًا معارضًا قويًا لسياسات بنيامين نتنياهو التوسعية، وتدين الاعتداءات على لبنان كـ”سياسات إبادة جماعية وعقاب جماعي”.
2. تدرك تركيا واقع التنافس التاريخي الإقليمي على قيادة المنطقة لا سيما في واجهاته السنية.
3. تتقاطع تركيا والسعودية في معارضة النفوذ الإيراني وتتشاطران في رباعية تجمعهما مع مصر وباكستان والتي بدأت تظهر أعراضها منذ مارس 2026 في أعقاب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
4. تأخذ بالاعتبار نفوذ ومصالح الولايات المتحدة مدركة لأهمية موقع أنقرة داخل حلف الناتو.
5. تسعى أنقرة إلى تعزيز نفوذ اقتصادي وسياسي في المشرق، لا سيما في سوريا من دون الاصطدام المباشر مع واشنطن، مع الحفاظ على قنوات مع مختلف الأطراف.
وفق هذه السمات فإن تركيا تتوخى الحيطة والحذر والإقدام والانكفاء في سياساتها اللبنانية وفق المتاح والمتعثر بالنظر إلى مصالح أطراف أخرى في لبنان.

وقد اهتم المراقبون بما سيكون عليه موقف سوريا حين كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يونيو 2026، أنه اقترح على إسرائيل ترك مهمة التعامل مع حزب الله لسوريا بقيادة أحمد الشرع. وفيما أبدت دمشق تحفظًا واضحًا، بينما رفضت أوساط لبنانية الفكرة، فإن المراقبين يعتبرون أن تركيا، كحليف وثيق للشرع، ترى التدخل السوري المباشر محفوفًا بالمخاطر الكبيرة على استقرار سوريا الجديدة، وتفضل الحلول اللبنانية الداخلية عبر تعزيز الدولة والجيش، مع التنسيق الإقليمي الدبلوماسي.

– نواف سلام في أنقرة:
تعتبر مصادر لبنانية أن بيروت تعمل على تعزيز روابطها مع تركيا في مجال الأمن والدفاع مع ما يعنيه ذلك من تعاون على مستوى تدريب عناصر الجيش اللبناني، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم مساعدات في مكافحة الإرهاب.

وتضيف المصادر تعويل بيروت على أنقرة في قطاعات الاستثمار والاقتصاد لا سيما في مشاريع إعادة إعمار البنى التحتية، وزيادة التبادل التجاري، وضخ استثمارات في السياحة والصناعة والطاقة. وتعوّل بيروت على ما تملكه تركيا من خبرة كبيرة في إعادة الإعمار بعد الكوارث لرفد لبنان بالدعم الإنساني والتنموي.

وتُعد الزيارة التي سيقوم بها رئيس الحكومة نواف سلام إلى تركيا هذه فرصة استراتيجية لتعميق الشراكة. وتهدف الزيارة إلى تحقيق عناوين رئيسية أهمها:

1- توقيع اتفاقيات اقتصادية واستثمارية لدعم إعادة الإعمار.

2- مناقشة التنسيق الأمني والسياسي مع سوريا.

3- تعزيز موقف لبنان في المفاوضات الإقليمية.

4- جذب الدعم التركي ضد أي تهديدات إسرائيلية متجددة.

5- بحث دور تركيا في ترتيبات ما بعد الحرب وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية.

6- السعي لتجاوز الخلافات مثل ملف قبرص من خلال التركيز على المصالح المشتركة.

خلاصة واستنتاجات:

**يعوّل لبنان على اهتمام تركيا بموقع لبنان داخل الخارطة الأمنية التركية لتعزيز العلاقات والارتقاء بها إلى المستوى المناسب لما رأى أردوغان في أهمية بيروت ومدن أخرى لأمن بلاده.

**تعتبر تركيا أن لبنان جزء من أمن تركيا الاستراتيجي ومن مصلحة أنقرة أن يكون لها نفوذ في لبنان يكون امتدادًا لنفوذها في سوريا صوب البحر المتوسط.

**يهم لبنان الاستقواء بتركيا الدولة العضو في الناتو في سياق رد أخطار إسرائيل عن لبنان (وسوريا) وأن تدعم موقف بيروت في مفاوضاتها مع إسرائيل.

**رغم خلاف تركيا ولبنان في ملف ترسيم حدود لبنان البحرية مع قبرص، فإن الأسباب التركية المتعلقة بالنزاع التاريخي التركي مع اليونان وقبرص ليست عائقًا لتطوير علاقات بيروت وأنقرة.

**يهم أنقرة تشجيع الوصل بين بيروت ودمشق وتطوير التنسيق بينهما، فيما يهم بيروت أن يكون لأنقرة موقف من دعوات ترامب للشرع بالتدخل في لبنان ضد حزب الله.

**تأخذ تركيا في سياساتها في لبنان مصالح دول أخرى في مقدمها السعودية على النحو الذي لا يكون سببًا في إفساد علاقات أنقرة والرياض.

**يجد لبنان في أنقرة شريكًا قادرًا على تقديم دعم عملي في مرحلة حرجة ويعتمد النجاح على قدرة الطرفين على إدارة الملفات الخلافية بحكمة وبراغماتية، وتحويل التحديات إلى فرص للتعاون في الاقتصاد والأمن والطاقة.

**يرجح أن حكومة أردوغان ستدعم حكومة نواف سلام ضد الدعوات الصادرة عن حزب الله لإجراء تغيير حكومي يتناسب مع موازين قوى ما بعد مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية قد يشمل الإطاحة بالحكومة نفسها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.