بعد حرب إيران: قراءة فيما تريده الرياض من بكين
تقدير موقف:
د. محمد قواص، مركز تقدم للسيات – لندن
المعطيات:
– الزيارة الرسمية: في 1 يونيو 2026، أنهى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان زيارة رسمية إلى الصين استمرت يومين، التقى خلالها نظيره الصيني وانغ يي ونائب الرئيس الصيني هان تشنغ في بكين.
– نوقشت خلالها جهود خفض التوترات وتعزيز الأمن والاستقرار، إضافة إلى التعاون الاقتصادي في قطاعات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا وسلاسل التوريد.:
– وصف الأمير فيصل الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين بأنها “وصلت إلى مستوى غير مسبوق”، ودعا إلى تعزيز التعاون متعدد الأطراف لدعم السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي.
– أكد وانغ يي أن الصين تنظر إلى السعودية كـ”شريك استراتيجي يعامل بعضه بعضاً على قدم المساواة ويحترم ويثق ويسعى للتعاون المربح للجانبين”، مشدداً على التوجيه الاستراتيجي من القيادة العليا في البلدين.
– جاءت الزيارة بعد أسبوعين من توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو 2026، وسط توترات ملحوظة في العلاقات السعودية-الأميركية.
– أكدت التصريحات السعودية والصينية على أهمية أمن الملاحة في مضيق هرمز والممرات المائية الدولية، ودعم أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.
– يذكر ان حجم التبادل التجاري الثنائي بلغ 107.5 مليار دولار عام 2024، والصين هي أكبر مشترٍ منفرد للنفط السعودي (نحو 47.9 مليار دولار من الصادرات النفطية في 2024).
– أُبرمت صفقة بقيمة 5 مليارات دولار لإنشاء خط إنتاج لطائرات “وينغ لونغ-3” القتالية بدون طيار في جدة، بالشراكة بين شركة صناعة الطيران الصينية (AVIC) والهيئة العامة للصناعات العسكرية السعودية، بطاقة إنتاجية تصل إلى 48 طائرة سنوياً، مع نقل تكنولوجيا وتصنيع محلي.
– تؤكد الصين على الدوام التزامها بمبدأ “عدم التدخل”، ولا تقدم ضمانات أمنية رسمية، ولا تنشر قوات أو قواعد عسكرية، وتتجنب أي خطوة قد تستفز واشنطن أو إسرائيل بشكل مباشر.
التحليل:
يأتي التوجه السعودي نحو تعميق العلاقة مع الصين في سياق تحوّل استراتيجي ناتج عن إعادة تقييم جذرية للعلاقة مع واشنطن، بعد أن كشفت الحرب مع إيران عن محدودية الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة، رغم حجم الإنفاق السعودي الهائل على الأسلحة الأميركية. فالضربات الإيرانية التي طالت منشآت سعودية حساسة، والتي تمت رغم وجود أنظمة دفاع أميركية متقدمة في المنطقة، أثبتت أن الغطاء الأمني الأميركي لم يعد كافياً بمفرده، خاصة في ظل تشققات ظهرت على مستوى العلاقة الشخصية بين الرئيس ترامب وولي العهد، ورفض الرياض تلبية بعض الطلبات العملياتية الأميركية خلال الحرب، مثل استخدام القواعد والمجال الجوي لعمليات في مضيق هرمز.
دفع هذا الواقع الرياض إلى التسريع في تنويع شراكاتها، ليس بهدف التخلي عن واشنطن، بل لبناء شبكة أمان متعددة الأطراف تمنحها هامشاً من المناورة في منطقة بات أمنها الإقليمي أكثر تقلباً.
وفي هذا السياق، تبرز الصين كخيار مكمّل استراتيجي، تستند جاذبيته إلى عوامل متعددة، أبرزها النفوذ الاقتصادي الكبير الذي تمتلكه بكين على إيران باعتبارها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، وهو ما يمنح الرياض أداة غير مباشرة لإدارة علاقتها مع طهران بطريقة أكثر براغماتية بعد الحرب، خصوصاً أن الصين أثبتت مصداقيتها كوسيط محايد نسبياً في المنطقة عبر رعايتها اتفاق بكين عام 2023 الذي استأنف بموجبه العلاقات السعودية-الإيرانية. ومن هنا، تسعى السعودية إلى توظيف هذا النفوذ الصيني لتسهيل حوار إقليمي أوسع، إذ تتحدث المصادر عن سعي الرياض لاستضافة محادثات مصالحة بين دول الخليج وإيران، في خطوة تعكس رغبة المملكة في تحويل العلاقة مع طهران من مواجهة عسكرية إلى إدارة سياسية براغماتية.
على الصعيد الاقتصادي والتنموي، تشكل الصين شريكاً محورياً في تسريع رؤية السعودية 2030، إذ أصبحت بكين أكبر شريك تجاري للمملكة بحجم تبادل تجاري تجاوز 107 مليارات دولار عام 2024، والمشتري الأكبر للنفط الخام السعودي. وبما يتجاوز الطاقة، فإن التعاون يمتد إلى نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي في قطاعات دفاعية حساسة، كما تجسد ذلك في صفقة إنشاء خط إنتاج لطائرات “وينغ لونغ-3” القتالية بدون طيار في جدة، والتي تتيح للسعودية تعزيز قدراتها غير المتكافئة التي أثبتت فعاليتها في الحروب الحديثة، وذلك بتكلفة أقل وسرعة أكبر مقارنة بالصفقات الأميركية، مما يكمل التخصص الأميركي في الأنظمة المتقدمة والتدريب والدعم اللوجستي، دون أن يحل محله.
أما من الجانب الصيني، فإن تعزيز العلاقة مع السعودية يخدم أهدافاً استراتيجية واضحة، تبدأ بضمان أمن إمدادات الطاقة التي تشكل النفط السعودي نسبة كبيرة منها، وتوسيع الأسواق والاستثمارات في إطار مبادرة الحزام والطريق، وصولاً إلى تعزيز النفوذ الدبلوماسي الصيني كوسيط موثوق دون تحمّل تكاليف عسكرية أو التورط في صراعات مباشرة، مع الحرص الدائم على تجنب أي خطوة قد تستفز واشنطن أو إسرائيل، والالتزام بمبدأ عدم التدخل الذي تعلنه بكين باستمرار. غير أن هذا الدور الصيني يظل محدوداً في جوهره، لأنه لا يتضمن ضمانات أمنية رسمية، ولا نشر قوات أو إقامة قواعد عسكرية، مما يبقيه في إطار المكمّل السياسي والاقتصادي، وليس البديل الاستراتيجي عن الوجود الأميركي في الخليج.
وهكذا، فإن ما تقرأه الرياض اليوم هو أن الاعتماد على قوة واحدة لم يعد خياراً سليماً في منطقة تشهد تحولات كبرى، وأن الصين، رغم حدود دورها الأمني، تقدم خياراً عملياً يتيح للمملكة تنويع حلفائها وأدواتها، وإدارة علاقتها مع إيران بوساطة ذات مصداقية، وتعزيز قدراتها الدفاعية بشراكة تكنولوجية وتصنيعية، كل ذلك دون أن يعني ذلك تخلياً عن العلاقة التاريخية مع واشنطن، بل بناءً لشبكة علاقات أكثر تعقيداً وتوازناً، تمنح الرياض هامشاً أوسع في لعبة القوى الإقليمية والدولية.
الخلاصات
1. تقرأ الرياض علاقتها مع واشنطن على أنها غير كافية وحدها بعد الحرب، بينما ترى في طهران شريكاً محتملاً يمكن التعامل معه عبر وسطاء أقوياء مثل الصين، التي أثبتت مصداقيتها عام 2023.
2. تقدم الصين للسعودية في الحد الأدنى دعماً دبلوماسياً ووساطة سياسية، واستثمارات اقتصادية تعزز القدرات الدفاعية غير المباشرة.
3. بإمكان السعودية استخدام النفوذ الاقتصادي الصيني على إيران لتسهيل مساعي حوار وتقارب بين إيران من جهة والسعودية ودول الخليج من جهة ثانية.
4. بإمكان الصين أن تبرم مع السعودية صفقات أسلحة متقدمة وإنتاج مشترك، لا سيما في قطاع الطائرات بدون طيار، كما توفر بكين تنسيقاً دبلوماسياً في المحافل الدولية مع الرياض.
5. لا تقدم الصين ضمانات أمنية رسمية، ولا تنشر قوات أو قواعد عسكرية، وتلتزم بمبدأ “عدم التدخل”، وتتجنب أي خطوة قد تستفز واشنطن أو إسرائيل بشكل مباشر.
6. العلاقة السعودية مع الصين لا تعني التخلي عن واشنطن، بل بناء شبكة أمان متعددة الأطراف في منطقة أصبح فيها الأمن الإقليمي أكثر تقلباً.
7. تدرك الرياض أن الاعتماد على قوة واحدة لم يعد خياراً سليماً، والصين تقدم خياراً عملياً ومكملاً في هذه المرحلة الحساسة.