بشعارات المساواة والديمقراطية الاجتماعية:

صعود نجم الإيطالية المستقلة سيلفيا ساليس

محمد مشارقة، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم : يشكّل صعود سيلفيا ساليس في إيطاليا مؤشراً دالاً على تحوّل في بنية العمل السياسي الأوروبي، حيث تتقدم شخصيات جديدة من خارج الوسط السياسي التقليدي الإيطالي، تربط بين الأولويات الاجتماعية الداخلية والتموضع الحقوقي في القضايا الدولية. فإلى جانب خطابها المرتكز على العدالة الاجتماعية والمساوة وتحسين شروط الحياة اليومية، برزت ساليس بمواقف واضحة ضد الحرب على غزة، مستخدمة توصيفات حادة، وبانخراطها في الفضاء الأوروبي الداعم لأوكرانيا في مواجهة “الغزو الروسي”.

لا تقتصر أهمية هذه الظاهرة على فوزها في الانتخابات المحلية في مقاطعة جنوة، بل تمتد إلى كونها تعكس محاولة لإعادة بناء المعارضة الإيطالية على أساس تحالفات عريضة وأجندة معيشية–اجتماعية، في مقابل تراجع فاعلية الأحزاب التقليدية. كما أنها تمثل نموذجاً لقيادة ناشئة تتقدم خارج الأطر الحزبية الصلبة، معتمدة على القدرة على الجمع بين قوى متباينة من يسار الوسط ضمن مشروع سياسي واحد.

التحليل:

أولاً: شخصية سياسية خارج البنية الحزبية التقليدية:

لم تكن سيلفيا ساليس يوما ابنة تنظيم حزبي كلاسيكي بالمعنى الإيطالي التقليدي، بل قادمة من المجال الرياضي والمؤسساتي. فقد كانت لاعبة أولمبية، ثم انتقلت بعد اعتزالها إلى الإدارة الرياضية، وصولاً إلى منصب نائبة رئيس اللجنة الأولمبية الإيطالية.
سياسياً، دخلت المعترك الانتخابي مباشرة من بوابة بلدية جنوة في 2025، مرشحةً مستقلة من يسار – الوسط، لا زعيمة حزب قائم ولا وريثة تيار حزبي متجذر. هذه الخلفية تفسر جزءاً من جاذبيتها، فهي تبدو “خارجة عن الطبقة السياسية” نسبياً، لكن من دون أن تكون معادية للمؤسسات أو شعبوية ضد الدولة.
لذلك، فإن موقعها التنظيمي مختلف عن حالتي بيتر ماغيار في هنغاريا أو ظاهرة ممداني في نيويورك، او أصلانة – كوربين في بريطانيا. ساليس لا تقود، حتى الآن، حزباً خاصاً بها، ولا تملك ماكينة وطنية مستقلة خارج التحالفات. هي أقرب إلى مرشحة توحيدية بنتها ائتلافات حزبية ومدنية متعددة، مع قائمة شخصية تحمل اسمها، أكثر من كونها مؤسسة “حركة” مستقلة ذات بُعد وطني متكامل. وهذه نقطة مهمة: قوتها الحالية نابعة من قدرتها على جمع المتناقضين داخل معسكر واحد، لا من امتلاكها تنظيماً فوق الأحزاب أو بديلاً عنها.

ثانياً: العدالة الاجتماعية كمرتكز للخطاب السياسي:

في الشأن الاجتماعي والاقتصادي، تقدم ساليس نفسها بوضوح كسياسية “تقدمية” تؤمن بإمكانية الجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وقد قالت صراحة إنها “مرشحة تقدمية تؤمن بقوة بأن التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية يمكن أن يتعايشا”، في نقد مباشر لحكومة ميلوني التي اعتبرت أنها أخفقت في تحقيق الاثنين معاً. هذا التموضع لا يضعها في إطار اليسار الراديكالي، بل في خط اجتماعي-تقدمي إصلاحي يحاول الجمع بين النمو، والعدالة، وتحسين الخدمات العامة.
يوضح برنامجها البلدي في جنوة هذه الرؤية بصورة أكثر. فالوثيقة الرسمية للترشيح ) 2025-2030 (تنطلق من مبادئ المساواة، والكرامة الإنسانية، وحرية المبادرة الاقتصادية ضمن حدود الدستور، ورفض التمييز، ومكافحة الريع والمضاربة، وتربط ذلك بأهداف عملية تشمل “العمل الجيد”، والمدينة الشاملة، وجودة الحياة، والسكن المستدام، والنقل العام، والبحث العلمي والطلاب، والمشاركة والحقوق. كما تركز على التشغيل المستقر واللائق، وإعادة التصنيع المستدام، ودعم القطاعات الرقمية والطاقة والخدمات المبتكرة، ومكافحة العمل الأسود، وتوسيع التدريب، وتخفيف أزمة الإيجارات، وجعل المدينة أكثر جاذبية للشباب والطلاب والباحثين.

هذا يعني أن ساليس لا تطرح نفسها كـ”يسار احتجاجي” بقدر ما تطرح نفسها كـ:” يسار محلي” يركز على القضايا الاجتماعية. ومن هنا تأتي فائدتها ليسار الوسط الإيطالي المثقل بالصراعات والانشقاقات. فهي أقل أيديولوجية من بعض رموزه، وأكثر قابلية للتسويق الانتخابي عند الناخب الوسطي، من دون أن تتخلى عن مفردات العدالة الاجتماعية والحقوق.

ثالثاً: تموضع حقوقي واضح في القضايا الدولية:

حتى الان، لا يمكن الحديث عن ساليس باعتبارها شخصية سياسة على المستوى الوطني، وسجلها المعلن في مجال السياسة الخارجية أضيق من سجلها الاجتماعي-البلدي. لكن يمكن رصد خيطين ثابتين:
– تبنيها خطاب “السلام ودبلوماسية المدن”. فالوثيقة الرسمية لولاية جنوة تنص على أن البلدية تريد “الترويج لالتزام قوي بالسلام ودبلوماسية المدن” والمساهمة في شبكات التعاون والحوار الدولي ومنع النزاعات. هذا لا يساوي سياسة خارجية وطنية مكتملة.
– حضورها العلني في فعالية التضامن مع أوكرانيا في الذكرى الثالثة للحرب في فبراير 2025 في جنوة. الشاهد هنا ليس نصاً تفصيلياً لها حول الناتو أو التسلح أو بنية الأمن الأوروبي، بل انخراطها في فعالية شعارها ” أوكرانيا لا تُباع بل تُدافع”، بما يوحي بتموضع متعاطف مع أوكرانيا ضد الغزو الروسي، ومنسجم مع الخط الأوروبي العام للوسط-اليسار الإيطالي أكثر مما هو تموضع حيادي أو انعزالي.
– أما موقفها من القضية الفلسطينية، فهي أوضح وأكثر صراحة. فقد شاركت في فعاليات تضامن مع غزة في جنوة، وتحدثت علناً بعبارات قوية مثل “فلسطين حرة” و“أوقفوا الإبادة”، وقالت إنها لا تخشى استخدام هذه الكلمات، مع تشديدها في الوقت نفسه على الطابع السلمي للاحتجاج وضرورة عدم إعطاء ذرائع للذين يهاجمون المظاهرات. كما أعلنت لاحقاً أنها “فخورة بساحات غزة” في مواجهة هجوم اليمين عليها، وشاركت في الفعاليات الشعبية المؤيدة للممرات الإنسانية إلى غزة. هذا يضعها بوضوح في موقع أكثر نقداً لإسرائيل بكثير من موقع ميلوني، وأقرب إلى المزاج الأوروبي البلدي-التقدمي المتضامن مع الفلسطينيين.

رابعاً: المستقبل وإشكالية الانتقال من المحلي إلى المركزي:

لا تقود ساليس حتى اليوم حزباً سياسياً مستقلاً، بل تعتمد على تحالف واسع يضم قوى الوسط واليسار، إضافة إلى مكونات مدنية. ويقوم هذا النموذج على:
• تجميع قوى متباينة ضمن إطار انتخابي واحد.
• تقليل الطابع الأيديولوجي للصراع الداخلي.
• التركيز على القضايا ذات الأولوية العالية للناخبين.
بهذا المعنى يمكن ترجيح بعض التقديرات التي تقول بان ساليس بدأت في تعبيد طريقها كاحتمال سياسي على المستوى الوطني، مع تزايد الحديث عن إمكانية منافستها لجورجيا ميلوني. غير أن هذا الطموح لا يزال مشروطاً بعاملين رئيسيين:
• وجود توافق داخل معسكر المعارضة حول ترشيحها.
• نجاحها في تقديم نموذج حكم محلي قابل للتعميم.
هذا يضعها في مرحلة انتقالية بين الرمزية السياسية الصاعدة والمشروع الوطني المكتمل.

الخلاصات:
• تعكس ظاهرة سيلفيا ساليس تحوّلاً في السياسة الأوروبية نحو قيادات تربط بين العدالة الاجتماعية والمواقف الحقوقية الدولية، خصوصاً في قضايا مثل غزة وأوكرانيا.
• يكشف صعودها أن الأجندة المعيشية أصبحت المدخل الأساسي للشرعية السياسية، متقدمة على الانقسامات الأيديولوجية التقليدية.
• يؤكد نموذجها التنظيمي أن بناء تحالفات عريضة بات بديلاً عملياً عن الأطر الحزبية المغلقة، لكنه يظل عرضة لهشاشة التوافقات الداخلية.
• تشير التقديرات إلى أن قدرتها على التحول إلى بديل وطني تعتمد على نجاحها في تحويل الإنجاز المحلي إلى نموذج سياسي قابل للتعميم، وعلى قدرة المعارضة على التوحد خلفها.
• تعكس التجربة اتجاهاً أوسع في أوروبا يتمثل في صعود جيل سياسي جديد يركز على الاقتصاد والحقوق معاً، ويعيد تعريف العلاقة بين السياسة الداخلية والمواقف الدولية، بعيداً عن الاستقطابات الأيديولوجية التقليدية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.