بريطانيا تصبو إلى علاقات استراتيجية مع الصين: أي انقلاب في سياسة لندن الخارجية؟

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

تقديم: تثير زيارة رئيس وزراء بريطانيا إلى الصين وطموحاتها الاستراتيجية، أسئلة بشأن الخيارات الجديدة للندن التي لطالما اعتبرت سياساتها مرآة لسياسات واشنطن في الضفة الأخرى من الأطلسي. ورغم الطابع الاقتصادي الذي تروّج له لندن للزيارة، غير أن توقيتها في ظل جدل مع واشنطن يضع للتحول البريطاني أبعادا لافتة.

في المعطيات:
-في 29 يناير 2026، عقد الزعيم الصيني شي جين بينغ مع ضيفه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر اجتماعا مطولا دام حوالي 3 ساعات، شمل محادثات ثنائية وغداء.
-أعلن الجانبان تقدما جيدا في خفض الرسوم الجمركية على الويسكي الاسكتلندي، والاتفاق على السفر بدون تأشيرة للمواطنين البريطانيين إلى الصين لمدة تصل إلى 30 يوما. وأعلنت شركة أسترازينيكا البريطانية عن استثمار بقيمة 15 مليار دولار في الصين.
-في 28 يناير 2026، وصل ستارمر إلى بكين على رأس وفد يضم نحو 60 ممثلا عن الأعمال والثقافة، بما في ذلك ( HSBC وGSK وJaguar Land Rover. ( وتستمر الزيارة من 28 إلى 31 يناير، مع زيارة شنغهاي.
-عشية الزيارة قال ستارمر بأن بريطانيا لا يمكنها “تجاهل” الصين اقتصاديا (ثاني أكبر اقتصاد، أكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة) وأنها لن تضطر للاختيار بين واشنطن وبكين.
-يتحدث المعلقون عن أن العلاقات البريطانية-الصينية شهدت تقلبات حادة منذ “العصر الذهبي” في عهد رئيس الوزراء الأسبق ديفيد كاميرون، إلى “عصر الجليد” تحت حكومات المحافظين.

شملت التوترات الرئيسية:
1- حظر معدات هواوي في الـ 5G بناء على ضغوط أمريكية (ترامب في الولاية الأولى).
2- اتهامات بالتجسس الصيني.
3- قمع هونغ كونغ وقضايا حقوق الإنسان.
4- وهجمات إلكترونية.

-يرى مراقبون أنه بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت البلاد أكثر تبعية للولايات المتحدة في السياسة تجاه الصين، وأن حكومة العمال بقيادة ستارمر تسعى لـ”إعادة ضبط” براغماتي، مع التركيز على الاقتصاد دون تجاهل الأمن.
– في الوثائق التي تصدرها بريطانيا بشأن الأمن الاستراتيجي اعتبرت لندن دائما خلال السنوات السابقة بأن روسيا هي العدو الأول للبلاد، لكن بسبب الضغوط الأمريكية، أدخلت لندن على وثائقها الصين كعامل خطر على الأمن.

-تقول مصادر بريطانية مراقبة إنه بتحريض من الرئيس الأمريكي دونالد أثناء ولايته الأولى أقفلت لندن أية إمكانية للتراجع عن نتائج استفتاء بريكست لعام 2016 الذي مال لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي بنسبة ضئيلة.
– عوّلت حكومات حزب المحافظين على وعود ترامب بتعويض بريطانيا من خلال اتفاق تجارة واسع مع الولايات المتحدة، وهو أمر لم يتحقق إلا بشكل مقيد ومحدود مع حكومة ستارمر الحالية.

– ترى مصادر دبلوماسية أنه رغم حرص ستارمر على مراعاة ترامب والقبول بشروطه إنقاذا للاتفاق التجاري، إلا أن إدارة ترامب في الولاية الحالية أظهرت استخفافا بالحكومة العمالية وتهكما عليها من قبل مقربين من ترامب، منهم نائبه جيه دي فانس وصديقه رجل الأعمال إيلون ماسك.

-تضيف المصادر أن استخفاف ترامب بأداء الجنود البريطانيين في أفغانستان مؤخرا، والخلاف مع واشنطن بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا وعدم أخذ رؤية لندن بعين الاعتبار، أقنع لندن أن واشنطن لم تعد الحليف الموثوق الذي كانت عليه، خصوصا مع بريطانيا، منذ الحرب العالمية الثانية.

-يرى خبراء أن الأزمة الاقتصادية البريطانية تدفع لندن إلى توسيع وتنويع علاقاتها الدولية بما في ذلك مع الصين، على الرغم مما قد يثيره الأمر من امتعاض في واشنطن. فالصين تمثل سوقا هائلا للصادرات البريطانية (السيارات الفاخرة، الأدوية، الخدمات المالية، الويسكي).

-يضيف هؤلاء أن كلام ستارمر عن “علاقة استراتيجية طويلة الأمد” مع الصين هو انقلاب في السياسة الخارجية البريطانية يُخرج الصين من تصنيف الخصومة والهاجس الأمني، كما يخرج بريطانيا من الاصطفاف الآلي مع الولايات المتحدة في صراعها الاستراتيجي مع الصين.
– يعتبر هؤلاء أن خطاب ستارمر يعكس عودة لندن إلى الواقعية البريطانية التقليدية (pragmatic engagement) بعد سنوات من النهج الأيديولوجي الأكثر حدة في عهد المحافظين.

-تركز جهات بحث مرموقة في لندن، أن ستارمر أراد من وجود 60 رئيس شركة بريطانية في وفده التأكيد على الطابع الاقتصادي للزيارة وما ستثمره من اتفاقات، بما يبدد أي مخاوف من إبرام تفاهمات سياسية أو أمنية.
-تضيف هذه المصادر أن الصين غير معنية بتحالفات سياسية مع بريطانيا والبلدان الأوروبية في الوقت الراهن، كما لا يضيرها ما يصدر عن ستارمر وقبله زعماء أوروبيين من تأكيدهم تناول مسائل حقوق الإنسان في الصين أثناء المحادثات.
-تؤكد مصادر صينية مراقبة أن بكين مهتمة بتوسيع حضورها داخل القارة الأوروبية اقتصاديا، ومهتمة باستغلال حالة النفور الحاصلة بين إدارة ترامب ودول غربية كما حال الاتفاق الأخير مع كندا.

-تسعى بريطانيا لزيادة الصادرات (الويسكي، السيارات، الأدوية) ، وجذب استثمارات صينية، وتعاون في تغير المناخ والاستقرار العالمي، فيما تريد الصين تعزيز الثقة السياسية وفتح أسواق أوروبية.
-تقول مصادر أوروبية إن زيارة ستارمر تأتي من ضمن موجة زيارات أوروبية إلى بكين (مثل فرنسا، ألمانيا، إيطاليا)، حيث تسعى دول أوروبية لإعادة توازن علاقاتها مع الصين كشريك تجاري رئيسي، وسط فتور متزايد مع واشنطن بسبب سياسات ترامب “أمريكا أولا” والتهديدات الجمركية.

خلاصة:
**تعكس زيارة رئيس وزراء بريطانيا إلى بكين وسعيه إلى إقامة علاقات استراتيجية طويلة الأمد مع الصين تطورا لافتا في رؤية لندن لطبيعة تعاملها مع بكين.
**تخرج لندن من نهج عقائدي، مرتبط بواشنطن اعتمدته حكومات المحافظين، باتجاه واقعية براغماتية متخلصة من الرؤية الأمريكية الاستراتيجية للصين.
**تدفع الأزمة الاقتصادية بريطانيا لتوسيع وتنويع علاقاتها والانفتاح على سوق الصين الكبير لمنتجاتها واستثماراتها.
**يأتي “خيار الصين” بعد تراجع في العلاقة الخاصة التي لطالما ربطت لندن بواشنطن، وتوتر علاقات الحكومة العمالية بالرئيس ترامب وإدارته.
**الرسوم الجمركية الأميركية، وموقف ترامب من حرب أوكرانيا، ونأي واشنطن بالنفس عن التزامات الأمن الأوروبي، وموقفها من غرينلاند، وعدم استفادة بريطانيا من تميز تجاري أمريكي موعود عوامل دفعت لندن نحو بكين.
**يأتي الحراك البريطاني صوب الصين بعد توجه دول غربية أخرى مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا باتجاه الصين.
**من غير المرجح أن يشكل التقارب الصين بديلا حقيقيا للولايات المتحدة. فالعلاقة مع واشنطن ليست مجرد شراكة اقتصادية، بل تحالف استراتيجي وأمني عميق، يرتكز على حلف “الناتو” والتعاون الاستخباراتي، والتقارب القيمي.
**تشابك العلاقات الاقتصادية الطموحة مع الصين يخرج بريطانيا منطقيا من دائرة الخصومة مع الصين، كما يبعد لندن عن حالة الدعم الآلي لخيارات واشنطن المعادية لبكين.
**يمثل “التحول” البريطاني وقبله الأوروبي باتجاه الصين تحذيرا لواشنطن من الأعراض الجانبية لسياستها غير الودية مع الحلفاء الغربيين، ما قد يدفع واشنطن إلى إجراء التصحيح الملائم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.