انقضاء المهلة الأمريكية لإيران وأزمة المصداقية: قراءة غربية في التداعيات.
حمزة علي، مركز تقدم للسياسات
تقدير موقف:
تقديم: تقديم: عند الساعة الثامنة مساءً بتوقيت الساحل الشرقي الأمريكي اليوم الثلاثاء 7 أبريل 2026، تنقضي آخر مهلة فرضها الرئيس دونالد ترامب على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز. المشهد بات طقساً مألوفاً: تهديدات متكررة بتدمير محطات الطاقة والجسور الإيرانية، ثم مهل متعاقبة تُمدد دون تنفيذ. لكن ما تكشفه التحليلات الرئيسية في واشنطن بوست والغارديان ونيويورك تايمز وبي بي سي يتجاوز مجرد إخفاق في تنفيذ التهديدات إلى أزمة بنيوية في المصداقية الأمريكية ذاتها. قرأت إيران المهل على أنها أدوات ضغط مرنة لا إنذارات حقيقية، فتصرفت وفق ذلك. ورفض الحلفاء الانضمام للحرب لغياب خطة استراتيجية متماسكة. السؤال المحوري لم يعد ما إذا كانت التهديدات ستُنفذ، بل ما إذا كان العالم لا يزال قادراً على قراءة السياسة الأمريكية كنظام قابل للفهم والتوقع.
القراءة:
انقضت آخر مهلة في سلسلة من المهل التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على إيران. كان المشهد شبه طقوس متكررة: الرئيس يهدد بتدمير محطات الطاقة والجسور الإيرانية إذا لم تعد طهران فتح مضيق هرمز، ثم تنقضي المهلة، ثم تُمدد. السؤال الذي يطرحه المحللون الآن مباشر: مع انقضاء المهلة وغياب أي صفقة في الأفق، إلى أين تتجه هذه الحرب؟ وما التداعيات الحقيقية لهذا المشهد المتكرر؟
تستند هذه الورقة إلى قراءة تحليلية لمجموعة من التقييمات الصادرة عن مؤسسات إعلامية وبحثية كبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا، نُشرت جميعها بالتزامن مع انقضاء المهلة في 7 أبريل أو في الأيام التي سبقتها مباشرة. تضمنت هذه التحليلات مقالاً تشخيصياً لفريد زكريا في واشنطن بوست (نهاية مارس)، ومقال هيئة تحرير صحيفة الغارديان (7 أبريل)، وتقريراً تحليلياً لصحيفة نيويورك تايمز (7 أبريل)، إضافة إلى تقييم مراسل بي بي سي لشؤون أمريكا الشمالية (7 أبريل). تتقاطع هذه التحليلات في تشخيص واحد مركزي: أن ما يحدث ليس مجرد أزمة تكتيكية في إدارة الصراع مع إيران، بل أزمة بنيوية في المصداقية الأمريكية ذاتها.
– من المهل الفارغة إلى انهيار المصداقية:
جاء التشخيص الأكثر عمقاً من فريد زكريا في واشنطن بوست. حجته المركزية أن مفهوم المصداقية الأمريكية، أي الفكرة القائلة إن التهديدات والالتزامات الأمريكية تحمل وزناً يمكن التنبؤ به، قد انحل بنيوياً. حسبت إيران، وكان حسابها صحيحاً حتى الآن، أنها قادرة على امتصاص العقاب مع الاستمرار في إلحاق ألم اقتصادي كافٍ بالاقتصاد العالمي لتدوم أطول من مدى انتباه ترامب المتقلب. أمضى ترامب رئاسته في تسليح القوة الأمريكية ضد من يرفضون الامتثال، لكن إيران هي الخصم الأول الذي رفض ببساطة الامتثال دون أن يجد ترامب، حتى الآن، إجابة على ذلك.
مقال هيئة تحرير الغارديان يعمق هذا التحليل بشكل ملحوظ. الضعف الذي تشخصه الصحيفة البريطانية ليس مجرد أن ترامب أطلق تهديدات لم ينفذها، بل إن التهديدات نفسها، في لغتها ونبرتها وعدم تماسكها، قد ألحقت الضرر بالفعل بغض النظر عما إذا كانت ستُنفذ يوماً أم لا. قرأت إيران المهل على أنها مرنة، أي أدوات ضغط وليست إنذارات نهائية. وفي المقابل، قرأ حلفاء أمريكا طابع الارتجال الواضح في اتصالات الإدارة ورفضوا الانضمام للحرب، إذ لم يجدوا خطة استراتيجية متماسكة ولا مبرراً قانونياً يمكنهم الدفاع عنه. يتحمل الاقتصاد العالمي الآن تكاليف صنعتها البلاغة الأمريكية لكن القوة الأمريكية عجزت عن حلها. مضيق هرمز يبقى مغلقاً، وإغلاقه اليومي دليل مرئي على أن الفجوة بين البلاغة الأمريكية والواقع الأمريكي نادراً ما كانت بهذا الاتساع.
حكم بي بي سي كان موجزاً لكنه حاد: رغم القدرة العسكرية الأمريكية الهائلة، بات واضحاً أن إيران، وبقية العالم معها، قد تستنتج أن الولايات المتحدة لا تتفاوض من موقع قوة واضح. وهذا تشخيص خطير لأنه لا يتعلق بالقدرة العسكرية المجردة، بل بالقدرة على تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي وقدرة على الإقناع والردع.
لكن صحيفة نيويورك تايمز تقدم البعد الأكثر خطورة. ما تلتقطه ليس فقط تأثير انهيار المصداقية على إيران تحديداً، بل تأثيره على البنية الكاملة للنظام العالمي. العالم فقد توازنه ولا يستطيع مواكبة تهديدات ترامب المتغيرة باستمرار. نظراؤه، حلفاء وخصوماً، أصابهم الارتباك بسبب سلسلة من التصريحات المتناقضة. عبارة التايمز، “أن العالم لا يستطيع المواكبة”، تشير إلى فشل نظامي في “القابلية للقراءة”. استمدت السياسة الخارجية الأمريكية تاريخياً جزءاً كبيراً من قوتها من إمكانية التنبؤ بها. عندما تنهار هذه القابلية للقراءة، الحلفاء يفقدون القدرة على التخطيط، والخصوم يصبحون أصعب ردعاً، والأسواق تعجز عن تسعير المخاطر.
خلاصات وتقدير:
يخلص مركز تقدم للسياسات إلى أن ما يجري لا يمكن اختزاله في مجرد فشل تكتيكي. ما نشهده تحول بنيوي في طبيعة القوة الأمريكية ومدى فعاليتها. المسألة لم تعد تتعلق بما إذا كانت الولايات المتحدة تملك القدرة العسكرية على تدمير إيران، فهذه قدرة لا جدال فيها، بل بما إذا كانت لا تزال قادرة على تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي حقيقي.
**انقضاء المهلة الرابعة في ثلاثة أسابيع ليس حدثاً منفصلاً، بل عرض لأزمة أعمق. التهديدات المتكررة دون تنفيذ أصبحت نمطاً يُقرأ ويُستوعب من قبل الفاعلين الآخرين. قرأت إيران هذا النمط بدقة: أن المهل مرنة، وأن التهديدات أدوات ضغط لا إنذارات نهائية، وأن الصبر الإيراني في تحمل العقاب الاقتصادي قد يفوق قدرة ترامب على الحفاظ على الزخم السياسي. مضيق هرمز المغلق رسالة يومية إلى العالم بأن طهران قادرة على فرض إرادتها رغم كل التهديدات.
** قرأ الحلفاء الأوروبيون والعرب الموقف الأمريكي بطريقة مختلفة: غياب خطة استراتيجية متماسكة، وارتجال في الخطاب، وتناقض في التصريحات، وعدم وجود مبرر قانوني واضح. لذلك رفضوا الانضمام للحرب. هذا الرفض قراءة استراتيجية لفقدان الثقة في قدرة الإدارة الأمريكية على إدارة الأزمة بعقلانية.
**الخطورة الحقيقية، في تقديرنا، ليست في الصراع مع إيران نفسه، بل في التداعيات الأوسع. انهيار “القابلية للقراءة” في السياسة الخارجية الأمريكية يفقد النظام الدولي أحد مراسيه الأساسية. تاريخياً، استمدت الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من قوتها من القدرة على التنبؤ بسلوكها. هذه القابلية للقراءة هي ما يسمح للحلفاء بالتخطيط طويل المدى، وللخصوم بحساب التكاليف، وللأسواق بتسعير المخاطر بشكل عقلاني.
**التداعيات الإقليمية بالغة الأهمية. الدول العربية، وخاصة دول الخليج، تراقب بقلق عميق. السؤال الذي تطرحه ليس فقط ما إذا كانت أمريكا قادرة على حمايتها من إيران، بل ما إذا كانت قادرة على توفير مظلة أمنية يمكن التعويل عليها. المهل المتكررة التي تُمدد دون تنفيذ تبعث رسالة مقلقة: أن الالتزامات الأمريكية قد تكون، هي أيضاً، قابلة للمراجعة والتعديل بحسب الظرف السياسي الداخلي الأمريكي. هذا الإدراك قد يدفع بعض الدول الإقليمية نحو البحث عن ترتيبات أمنية بديلة أو تفاهمات مباشرة مع إيران.
** على المستوى الدولي الأوسع، فإن انهيار القابلية للقراءة يفتح المجال أمام فاعلين آخرين. الصين وروسيا قد تستثمران هذا الوضع لتعزيز نفوذهما كقوى أكثر استقراراً وأكثر قابلية للتنبؤ في تعاملاتها.
**في تقديرنا، أياً كان ما سيحدث في الأيام القادمة، فإن الضرر البنيوي في المصداقية الأمريكية قد وقع بالفعل. القدرة على الردع لا تُستعاد بضربة عسكرية واحدة، ولا بتصريح رئاسي جديد. إنها تُبنى على مدى طويل من الاتساق بين القول والفعل. هذا البناء يحتاج إلى وقت وجهد ومنطق استراتيجي متماسك، وهي عناصر تبدو غائبة في المشهد الأمريكي الراهن.
الخلاصة: العالم يشهد لحظة فارقة في تحول بنية القوة الدولية. ليست لحظة انهيار القوة الأمريكية، فهذه لا تزال هائلة، بل لحظة فقدان القدرة على تحويل هذه القوة إلى نفوذ سياسي فعال. وفي نظام دولي يقوم على التوقعات والحسابات المتبادلة، فإن فقدان القابلية للقراءة قد يكون، على المدى الطويل، أكثر تدميراً من فقدان القوة المادية ذاتها.