انفجار ميناء رجائي: أجندة إسرائيل وحسابات إيران

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

ورقة سياسات

ملخص تنفيذي:

• تتشابه ظروف وعناصر وعوامل انفجار الميناء في إيران وانفجار مرفأ بيروت قبله بخمس سنوات.
• منابر غير رسمية إيرانية سارعت لاتهام إسرائيل بسبب سابقة بيروت وتوفّر أسباب ودوافع إسرائيلية على علاقة بالمفاوضات.
• قواعد اشتباك وضعها ترامب قد لا تمنع إسرائيل من تنفيذ عملية “غير عسكرية” تضرب هدفا لا علاقة له بالبرنامج الإيراني.
• أسباب إيرانية ستمنع طهران من توجيه اتهام، حتى سياسي، لإسرائيل يشبه تجنّب حزب الله اتهام إسرائيل بارتكاب انفجار مرفأ بيروت.
• قد يقوي التورّط الإسرائيلي المحتمل أوراق واشنطن لدفع طهران للسرعة في إبرام اتفاق من شأنه تقييد قدرة إسرائيل على ارتكاب مزيد من العمليات داخل إيران.
• قد تهدف إسرائيل من خلال عمليتها إلى فتح مفاوضات سياسية تتناول موقف إيران من إسرائيل وأدوارها مع الأذرع التابعة.

تقديم:

آثار الانفجار الضخم الذي وقع في ميناء رجائي، في مدينة بندر عباس، جنوب إيران، في 26 أبريل 2026، أسئلة قلقة وسيناريوهات متضاربة، خصوصا وأنه تزامن مع الجلسة الثالثة للمفاوضات الأميركية الإيرانية التي عقدت في العاصمة العُمانية مسقط. وفيما تكاثرت الافتراضات بشأن ظروف الانفجار ما بين احتمالاته الجنائية وغير الجنائية، فإن إعلان المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، بأن “إعلان سبب حادثة ميناء رجائي سيستغرق وقتاً”، وصدور نفيّ إسرائيلي أوردته صحيفة “معاريف” لأي تورّط في الحادثة فتح المجال لتحليلات بشأن مرامي استهداف إسرائيل المفترض لهذا الموقع الاقتصادي الاستراتيجي وعلاقة ذلك بالمفاوضات في مسقط وغيرها، ومعاني وتداعيات وخلفيات الحدث على مسار المفاوضات والدول المعنيّة بها.

رجائي-بيروت: التشابه والتماثل

على الرغم من أن الحوادث الصناعية ظاهرة متكررة في إيران، غير أن تعليقات المراقبين في إيران تدافعت بعد دقائق من نشر صور لانفجار ميناء رجائي لتجدَ تشابها مع انفجار مرفأ بيروت الذي حدث في 4 أغسطس 2020. ووجد الخبراء المختصون بالشؤون العسكرية تشابها في مستوى عصف الانفجار وما أنتجه من ألوان تكشف أنها صادرة عن احتراق مواد كيماوية. وفيما قالت التقارير الإيرانية وتضاربت معلوماتها بشأن تلك المواد داخل مستودعات الأمونيوم أو الكبريت أو أي مواد أخرى، فإنه تضارب يشبه ذلك الذي صدر في بيروت قبل 5 أعوام في محاولة لتفسير قوة الانفجار وتفاصيله. ولم يجد المحللون صعوبة في استنتاج إمكانية أن يكون الانفجار في بندر عباس نتج عن نفس ظروف انفجار مرفأ بيروت، وأن يتمّّ عبر تكرار نفس الأسلوب بما يمكن الميل نحو الاشتباه بنفس الجهة المنفذة.
يعتبر المراقبون أن احتمال أن يكون الانفجار ناتج عن حادث عرضي أمر ممكن، وهو أمر لطالما تمّ الترويج له في الروايات المتعددة لانفجار مرفأ بيروت، بحيث ركّزت التحقيقات الرسمية على احتمال أن يكون الانفجار قد نتج عن عمليات تلحيم عادية لأحد أبواب أحد العنابر أدت إلى إطلاق شرارات سببت حريقا متدرجاً طال العنبر الذي يحتوي على مخزون نيترات الأمونيوم. غير أن الرواية بقيت غير مكتملة، حظيت بغطاء سياسي لقوى متنفّذة، في الحكم وخارجه، كانت عملت على محاولة إقفال الملف وسوقه خارج نقاش الاحتمال الجنائي.
ويرجّح مراقبون أن لا تذهب السلطات الإيرانية إلى تقديم رواية دقيقة نهائية حاسمة بشأن ظروف انفجار ميناء رجائي لأسباب موضوعية تتعلق بالمدة الطويلة التي تستغرقها تحقيقات حوادث من هذا النوع في العالم والتي تستغرق عدّة سنوات بالنظر إلى سوابق دولية في هذا الصدد.
وعلى الرغم من أن كثيرا من الغموض اكتنف تحقيقات مرفأ بيروت على المستويين الداخلي والدولي، وعلى الرغم من أجندات سياسية عطّلت مسار التحقيق، فإن فتح الملف من جديد في لبنان واستئناف عمل قاضي التحقيق بعد تغيير طرأ على النظام السياسي إثر انتخاب جوزيف عون رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، يركّز على المسؤوليات في عدم التعامل الصحيح مع تقارير وجود مواد متفجرة دخلت المرفأ في ظروف مشبوهة أكثر من الكشف عن الجهة التي تقف وراء عملية التفجير.

اتهام غير رسمي: إسرائيل وراء الانفجار
منذ الساعات الأولى للانفجار وجهت المنابر الإيرانية المراقبة أصابع الاتهام إلى إسرائيل من دون انتظار الرواية الرسمية الإيرانية. وعلى عكس أجواء الساعات الأولى لانفجار مرفأ بيروت التي لم يصدر عنها هذا اليقين شبه الكامل بوقوف إسرائيل وراء انفجار كاد يطيح بالعاصمة بيروت برمتها، فإن الاستنتاج الإيراني غير الرسمي في اتهام إسرائيل كان سريعا. ويقوم الاتهام ضد إسرائيل واحتمال إيران تجاهله على العوامل التالية:

1- توقيت الحدث وتزامنه مع الجدل الإسرائيلي بشأن المفاوضات الأميركية الإيرانية يرجح مصلحة إسرائيلية في التشويش على المفاوضات.
2– الاستناد إلى سابقة مرفأ بيروت وتقدم روايات لبنانية ودولية وإسرائيلية بشأن احتمال تورّط إسرائيل باستهداف مستودع متفجرات (نيترات الأمونيوم) تابع لحزب الله والنظام السوري السابق في مرفأ بيروت يجعل من احتمالات تورّط إسرائيل في ارتكاب عمل مماثل أمرا مرجّحاً.
3- وفق محللين فإن أسبابا إيرانية وقفت وراء عدم قيام حزب الله باتهام إسرائيل بالوقوف وراء انفجار مرفأ بيروت. وقد كان مستغربا أن لا يعمد الحزب إلى توجيه اتهام، ولو سياسي، إلى إسرائيل حتى لو لم تتوفّر أدلة ومعطيات جازمة بتورّط إسرائيل. حتى أن الحزب دفع التحقيقات باتجاه استنتاج رواية الحادث العرضي وإبعاد الشبهة الجنائية عنه.
4- تقاطعت الأسباب الإيرانية مع أسباب دولية حجبت أي حقائق متقدمة صادرة عن لجان تحقيق فرنسية وبريطانية وغيرها اهتمت بالحادث كما الادعاء بغياب الأقمار الاصطناعية عن أجواء بيروت في يوم الحادث إلا تلك التي ستعيد فرنسا الكشف عنها في تحقيقات ستسلّم قريبا إلى قاضي التحقيق. ما قد يرجّح مصالح إيرانية دولية على تجاوز الجانب الجنائي لانفجار ميناء رجائي أيضا.

حوافز إسرائيل وحساباتها:

يعتبر المراقبون أن لإسرائيل الأسباب والدوافع والإمكانات لتكون وراء عملية تفجير ميناء رجائي في بندر عباس بسبب عوامل كثيرة منها:

1- أظهر إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 8 أبريل 2025، عن بدء المفاوضات مع إيران في حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عزما أميركيا على فرض هذا الخيار على إسرائيل وضبط دعواتها لاستخدام الخيار العسكري لضرب البرنامج النووي، بما يفتح احتمال لجوء إسرائيل إلى أساليب غير عسكرية ومباشرة في التأثير على ملف إيران.
2-تصريح ترامب إلى مجلة “تايم” الأميركية؟ في 22 أبريل 2025، بأنه لم يمنع إسرائيل من القيام بضربات ضد المفاعلات النووية الإيرانية، “لكنني لم أجعل الأمر مريحا لهم. في نهاية المطاف كنت سأترك القرار لهم، لكنني قلت إنني أفضل التوصل إلى اتفاق بدلا من إلقاء القنابل”. ولئن لا يمنح موقف ترامب ضوءا أخضر لتدخل عسكري إسرائيلي، لكن صيغة الموقف لا تردع إسرائيل عن القيام بعمليات أمنية داخل إيران شبيهة بعمليات سابقة طالت مسؤولين في البرنامج النووي، مفاعلاته وأرشيفه.
3- غموض العملية وعدم قدرة التحقيقات، كما حال تحقيقات لبنان، على تقديم أدلة حسيّة على تورط إسرائيل المباشر يجنّب إسرائيل أي حرج أمام الإدارة الأميركية، ناهيك، من عدم تعارض “حادث” الانفجار مع موقف ترامب.
4- استهدفت العملية موقعا استراتيجيا اقتصاديا كبيرا لإيران على مقربة من قواعد عسكرية تابعة للحرس الثوري، لكنها لم تستهدف مفاعلا نوويا أو موقعا على علاقة بالبرنامج النووي الإيراني الذي تجري المفاوضات بشأنه.
5-على الرغم من أن تقارير أميركية إعلامية رجّحت وقوف إسرائيل وراء الحدث، وعلى الرغم من أن أركان إدارة ترامب قد يدركون احتمال تورّط إسرائيل، وعلى الرغم من أن الأمر قد يعتبر استفزازا يقوم به نتنياهو لترامب، غير أن المبرر الإسرائيلي سيجد بيئة حاضنة وحامية لدى النخب السياسية وخصوصا داخل الحزب الجمهوري وداخل إدارة ترامب نفسها.
6-يعتبر محللون أن إسرائيل تعتبر أن الجانب الأميركي قد يكون مستفيدا من هذه الرسالة الإسرائيلية لدفع إيران للذهاب باتجاه الاتفاق مع الولايات المتحدة بإيقاع أسرع، لما يمكن لهذا الاتفاق أن يوفّره من بيئة أميركية دولية راعية تستفيد منها إيران.
7- تذكّر إسرائيل عبر رسالتها أنها يجب أن تكون جزءا من روحية الاتفاق العتيد، وأنها عامل أساسي لتوجيهه باتجاه إزالة أي خطر وجودي تسببه إيران وبرنامجها النووي والبرامج الأخرى المصاحبة، لا سيما الصاروخية الباليستية.
8- تطرح الرسالة الإسرائيلية إشكالية أمام الطرفين الأميركي والإيراني تقوم على أن أي اتفاق تقنيّ بشأن البرنامج النووي مهما كان قويّا لن يتضمن أي بند يمنع إسرائيل من مواصلة عملياتها الأمنية داخل إيران، خصوصا تلك التي لا تستهدف البرنامج النووي، ما من شأنه فرض الحاجة إلى فتح الملف السياسي المتعلّق بموقف إيران من إسرائيل، بما في ذلك علاقتها مع “محور المقاومة” ونفوذها في المنطقة.

هل تتهم إيران إسرائيل؟

في ظل السياق الظرفي الذي تمرّ به إيران منذ تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة وقبولها العودة إلى طاولة المفاوضات وتجاوز مواقف سابقة أطلقها المرشد الأعلى، علي خامنئي، برفض أي مفاوضات مع الولايات المتحدة، ومع إدارة ترامب بالذات، فإنه من المرجّح أن لا توجه طهران أي اتهام رسمي لإسرائيل بالوقوف وراء انفجار ميناء رجائي بسبب عوامل متعدّدة منها:

1-إن أي اتهام ضد إسرائيل، حتى لو كان سياسيا إعلاميا شعبويا لا يستند على أدلة ومعطيّات يلزمها بالردّ أو بالوعد بالردّ في ظل خطاب إسرائيلي داخل الولايات المتحدة بشأن مخاوف إسرائيل من أخطار إيران وأذرعها في المنطقة.
2-تودّ طهران عدم الدخول في جدل يؤثر على مزاج ترامب الداعي إلى إبرام اتفاق مع إيران من أجل ازدهار المنطقة وصولا إلى إعلانه الاستعداد لإجراء لقاء مع المرشد او الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان من أجل تحقيق ذلك.
3-تودّ طهران من خلال عدم اتهام إسرائيل بأن لا يؤثر ذلك على سيّر المفاوضات مع الولايات المتحدة والتي تود إسرائيل وقفها أو عرقلتها أو التأثير على آلياتها وأهدافها.
4-تسعى إيران إلى عدم إعطاء ذريعة لإسرائيل لدى الإدارة الأميركية لحرف المفاوضات عن مسارها الحالي “الواقعي”، وفق تقييم وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، والذي ينحصر بالبرنامج النووي فقط وعدم اتساعه إلى برنامج الصواريخ الباليستية ودور إيران في شبكة “الأذرع” في المنطقة.

خلاصة واستنتاجات:

1-سارعت منابر إيران الرسمية إلى اتهام إسرائيل بالوقوف وراء انفجار ميناء رجائي بالنظر إلى توقيته مع المفاوضات الأميركية الإيرانية وتحفّظات نتنياهو على مسارها وأهدافها.
2-استنتجت هذه المنابر تشابها بين الانفجار وذلك الذي ضرب مرفأ بيروت عام 2020 والذي يعتقد أن إسرائيل وقفت وراءه.
3-يعتبر استهداف إسرائيل المحتمل للميناء عملية غير عسكرية، وقد تنفّذ بشكل غير مباشر من خلال عملاء، ويضرب موقعا لا علاقة مباشرة لع بالبرنامج النووي التي تتفاوض واشنطن بشأنه.
4-يعتقد أن تورّط إسرائيل المحتمل هدفه التأثير على مستوى أهداف أي اتفاق والدفع به إلى الحدود القصوى، والتذكير بأنه لا ينهي عملياتها الأمنية داخل إيران، ما يستبطن ضرورة فتح نقاش سياسي بشأن ملف دور إيران ضد إسرائيل.
5-لا يعتقد أن تورّط إسرائيل المحتمل ستستفزّ ترامب بالنظر إلى التزامها بقواعد اشتباك لم يمنعها الرئيس الأميركي، كما أن إسرائيل ستجد لها بيئة متفهمّة حاضنة داخل الحزب الجمهوري وإدارة ترامب.
5-يرجّح ألا تتهم إيران إسرائيل لحاجتها إلى عدم توقف المفاوضات مع الولايات المتحدة وعدم حرفها عن مسارها المتعلّق حصريا بالبرنامج النووي وعدم توريط نفسها بتعهد بالردّ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.