انسحاب القوات الأميركية من سوريا: القراءة والأهداف
تقدير موقف، مركز تقدم للسياسات- لندن
تقديم: وفق معلومات عن انسحاب القوات الأميركية من بعض قواعدها في سوريا، يناقش المراقبون معاني ذلك الانسحاب وتداعياته على الداخل السوري، كما علاقته بمقاربة واشنطن السياسية والاستراتيجية لنفوذها في المنطقة، لا سيما في مساحة سوريا ولبنان والأردن والعراق، وسط غموض في واشنطن بشأن خططها الشاملة أو تلك الآنية المتعلقة بالصراع مع إيران.
في المعطيات:
-في 18 فبراير 2026، أفادت تقارير متعددة بأن الرئيس دونالد ترامب أمر بسحب كامل للقوات الأميركية المتبقية في سوريا (حوالي 1000 جندي) خلال شهرين، معتبرا أن الوجود العسكري لم يعد ضروريا بعد إعادة تشكيل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط.
– نقل عن مسؤول أميركي أن الانسحاب “انتقال مدروس ومشروط”، مع الاحتفاظ بقدرة الرد السريع على أي تهديدات لداعش.
-في 15 فبراير 2026، أعلنت وزارة الدفاع السورية استلام الجيش السوري قاعدة “الشدادي” في ريف الحسكة بعد انسحاب أميركي كامل، بتنسيق مباشر مع الجانب الأميركي، كجزء من اتفاق الدمج مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وأكدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن هذه الخطوة تأتي ضمن “إعادة تموضع” لتقليص الوجود.
-في 12 فبراير 2026، أعلنت سنتكوم إكمال الانسحاب من قاعدة “التنف” الاستراتيجية (في المنطقة 55 عند الحدود السورية-الأردنية-العراقية) وتسليمها للقوات السورية، مع نقل الجنود إلى الأردن.
-وصفت الخطوة بأنها “تطور تاريخي” يعكس تعزيز العلاقات الأميركية-السورية بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. كما أشارت مصادر إلى إخلاء قاعدة “الزكف” المجاورة في المنطقة ذاتها.
-يتوقع إكمال الانسحاب الكامل بحلول أبريل 2026، ما سيمنح دمشق سيادة كاملة شرق الفرات ويفتح باب استثمارات إقليمية ودولية في النفط والإعمار.
-في 18 أبريل 2025، أعلن البنتاغون خطة لتقليص القوات من حوالي 2000 إلى النصف، مع الإبقاء على وجود محدود في قواعد محددة. وفي منتصف 2025، أخلت القوات الأميركية قواعد عدة في ريفي الحسكة ودير الزور، مثل حقول العمر وكونيكو وتل البيادر.
-يعتقد مراقبون أنه، حتى الآن، يبدو الانسحاب الأميركي من سوريا أقرب إلى إعادة انتشار مؤقت، إذ تحتفظ واشنطن بقواعد عسكرية تسمح لها بالضغط لضمان تطبيق اتفاق دمشق-قسد.
-تضيف المصادر أن الوجود الأميركي أصبح محصورا في محافظة الحسكة عبر ثلاث قواعد نشطة: رميلان (عند آبار النفط)، هيمو (قرب القامشلي)، وقسرك المطلة على طريق M4
-تعتقد جهات بحث أن واشنطن تتجه لإخلاء هذه القواعد الثلاث في مرحلة مقبلة، بتوقيت غير محدد مرتبط بتطورات داخلية سورية، وأن واشنطن اختارت البقاء المؤقت في هذه القواعد للإمساك بالملف السوري بأقل تكلفة.
-تلفت هذه الجهات إلى أن قاعدة قسرك تشرف على طريق M4 الرابط بين شمال شرق سوريا وغربها، مما يمنح واشنطن تحكما نسبيا بالتوازن العسكري أثناء تطبيق الاتفاق.
-تضيف أن بقاء قاعدة رميلان يؤمن مظلة عسكرية للمنطقة النفطية التي تتطلع شركات أميركية للاستثمار فيها، فيما أن قاعدة هيمو مرتبطة بملف داعش، خاصة سجون التنظيم وضمان عدم عودته.
-تعتبر مصادر مراقبة أميركية أن تسارع الانسحاب يوحي أن الوجود الأميركي شارف على الانتهاء، ومع ذلك فإن واشنطن لن تنسحب كليا قبل اكتمال دمج قسد بالدولة السورية وتسليم الصلاحيات لدولة موحدة قادرة على مواجهة التهديدات.
-تعتقد المصادر أن الانسحاب يعطي إشارة إلى أطراف الداخل لا سيما قسد بعدم التعويل على دعم أميركي وتشجيع الاندماج داخل الدولة السورية.
-ترى مصادر سورية مراقبة أن الانسحاب الكامل يمنح دمشق مجالا أوسع وثقة أكبر في إدارة الملفات الأمنية شرق الفرات دون وصاية مباشرة، كما ستكون دمشق تحت الاختبار في قدرتها على ضبط الأمن وإدارة الموارد ومنع عودة التنظيمات المتطرفة.
– ترى مصادر دبلوماسية مراقبة في لندن أن الانسحاب هدف أميركي استراتيجي أساسي لتخفيض التكلفة العسكرية، وهو هدف ترامب منذ ولايته الأولى وكرر السعي إليه في بداية ولايته الحالية، وجاءت التحولات السورية لتخدم هذا الهدف.
-تضيف المصادر ذاتها أن الانسحاب من المناطق التي باتت تحت سيطرة الدولة السورية (التنف إلى دير الزور وصولا إلى ريف الحسكة الجنوبي) يؤكد الشراكة مع دمشق التي أصبحت عضوا في التحالف الدولي، كما أن مهام القواعد الأميركية تحولت من وظيفة عسكرية إلى مراقبة أمنية وإشراف على الدعم لسوريا.
ترى المصادر أن الانسحاب من “التنف” على المثلث الحدودي مع العراق والأردن يكشف ثقة واشنطن بقدرات دمشق على منع اعادة استخدام إيران لممرها من طهران إلى بيروت مرورا بسوريا وعدم استفادة حزب الله من هذا الممر.
-يضع محللون الانسحاب من سوريا في نفس سياق الانسحاب من العراق، بحيث سلمت واشنطن قاعدة عين الأسد للحكومة العراقية في يناير 2026، وقبلها قاعدة الحبانية عام 2020 وصولا إلى تجميع بعض القوات في كردستان.
-يضيف هؤلاء أنه لا يمكن وضع توقيت الانسحاب من سوريا بعد العراق إلا في إطار تخفيف الأهداف التي يمكن أن تتعرض لهجمات ردا على أي ضربات أميركية ضد إيران.
خلاصة:
**يظهر تسلسل الانسحاب الأميركي إعادة حساب استراتيجي مدروس، يعكس أولويات إدارة ترامب في تقليص الالتزامات الخارجية وتركيز الموارد على المنافسة مع الصين وروسيا وإيران.
**الاحتفاظ المؤقت بثلاث قواعد في الحسكة يمنح واشنطن نفوذا ضاغطا يضمن تنفيذ الدمج دون فراغ أمني يعيد داعش، مع حماية مصالح نفطية محتملة.
**يتوقع إكمال الانسحاب الكامل بحلول أبريل 2026، ما سيمنح دمشق سيادة كاملة شرق الفرات ويفتح باب استثمارات إقليمية ودولية في النفط والإعمار.
**مقابل الانسحاب الأميركي تواجه دمشق تحديات تتمثل في القدرة على استيعاب قسد ومنع عودة التنظيمات المتطرفة.
**يعتقد أن الانسحاب يعطي إشارة إلى أطراف الداخل لا سيما قسد بعدم التعويل على دعم أميركي وتشجيع الاندماج داخل الدولة السورية.
**يوفر الانسحاب الأميركي أرضية لتشجيع انسحاب قوات أجنبية أخرى ويحسن موقع دمشق في فرض شروط على أي تواجد عسكري أجنبي.
**لا يغير الانسحاب الأميركي من نفوذ واشنطن في المنطقة وفي ملف سوريا، لا سيما في ملف ترتيب علاقات دمشق وتل أبيب، وإعادة صياغة للتواجد التركي والروسي.
**لا يمكن وضع توقيت الانسحاب من سوريا بعد العراق إلا في إطار تخفيف الأهداف التي يمكن أن تتعرض لهجمات ردا على أي ضربات أميركية ضد إيران.
**يؤكد الانسحاب من “التنف” على المثلث الحدودي مع العراق والأردن على ثقة واشنطن بقدرات دمشق على منع اعادة استخدام إيران لممرها من طهران إلى بيروت وعدم استفادة حزب الله من هذا الممر.