انتخابات ليبيا 2018: غياب للدولة وتجاهل دولي وإقليمي

أحمد سمير *
في سبتمبر 2017 أعلن المبعوث الأممي غسان سلامة خطته لحل الأزمة الليبية، وتتضمن خريطة طريق من ثلاث مراحل: تبدأ بتعديل اتفاق الصخيرات ليوافق عليه الفرقاء الليبيون الذين لم يقبلوا الاتفاق الأصلي، ثم عقد مؤتمر وطني تحت رعاية أممية لفتح الباب أمام الذين استُبعدوا أو همّشوا أنفسهم، والأطراف التي تحجم عن الانضمام إلى العملية السياسية، والمرحلة الثالثة تحل فيها القضايا العالقة مثل دمج الجماعات المسلحة في العملية السياسية والحياة المدنية، ومبادرة لتوحيد الجيش، ومعالجة قضية النازحين (1).
ومؤخرا أكد سلامة خلال مؤتمر صحافي في طرابلس أنه قبل نهاية عام 2018 سيكون هناك استفتاء على الدستور، تتلوه انتخابات رئاسية وبرلمانية، وبذلك تنتهي المرحلة الانتقالية، وفق الخريطة (2).
وشدد سلامة على ضرورة تحقق عدة شروط ضرورية قبل إجراء الانتخابات، وهي اتفاق أكبر عدد ممكن من الليبيين على الانتخابات ومشاركتهم فيها، إلى جانب قانون انتخابات برلمانية وقانون انتخابات رئاسية، والأهم أن “تكون الأحوال الأمنية مقبولة، مواتية لحرية التعبير والتصويت”، ويضاف إلى ذلك توافر الشروط السياسية، و”أهمها على الإطلاق قبول مختلف الأطراف بنتيجة الانتخابات قبل إجرائها” (3).
ولم ينفذ من الشروط التي حددها سلامة حتى الآن سوى واحد من هذه الشروط، وهو تسجيل الناخبين لدى المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا، حيث بلغ عدد الناخبين المسجلين قرابة مليوني ونصف ليبي، ويشير الإقبال الكبير على التسجيل إلى رغبة شعبية في المشاركة في العملية الانتخابية، خصوصا مع تكهنات بخوض شخصيات لها ثقلها مثل خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي للانتخابات، ما قد يكون مؤشرا جيدا على أن خطة المبعوث الدولي تلقى قبولا شعبيا (4).
صراعات الجماعات المسلحة
لكن بعيدا عن الانتخابات المأمولة، لا يبدو الوضع على الأرض موحيًا بأن أمنيات المبعوث الأممي قابلة للتنفيذ، إذ يتصارع على السلطة في ليبيا طرفان: الأول في غرب ليبيا وهو حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا بقيادة فائز السراج، التي تسيطر على العاصمة طرابلس ومصراتة ومدن في غرب ليبيا ومعظم المناطق الساحلية الغربية. والطرف الثاني في شرق ليبيا وهو الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب، والذي تنبثق عنه حكومة مؤقتة برئاسة عبد الله الثني، ويسيطر على مساحات واسعة من شرق ليبيا، وأجزاء من المنطقة الجنوبية.
وكان اتفاق الصخيرات الذي تم توقيعه في المغرب ينص على توحيد الحكومة الليبية تحت مجلس رئاسي مكون من 9 أعضاء يمثلون مختلف مناطق البلاد، وتكون السلطة التشريعية لمجلس النواب المنعقد بطبرق شرقي البلاد، أما المؤتمر الوطني العام المنعقد في طرابلس فسوف يشكل المجلس الأعلى للدولة، وهو مجلس استشاري للحكومة (5).
لكن الاتفاق تعطل بسبب رفض مجلس النواب منح الثقة للحكومة؛ بعد خلافات حول المادة الثامنة التي تنص على أن يكون تعيين جميع القيادات العليا العسكرية والأمنية من اختصاص المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، على أن يكون رئيس المجلس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، إذ يوالي مجلس النواب قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر، بينما تعتبر مجموعات مقربة من حكومة السراج المشير حفتر عدوا لها، وتصر على إسناد قيادة الجيش لآخرين (6).
لكن في الواقع ليس هناك جيش بالمعنى الحقيقي في ليبيا، وبينما يبدو الجيش التابع لحفتر في شرق ليبيا أكثر تماسكا واحترافية، فإنه في الحقيقة مكون من بقايا الجيش الليبي، الضعيف والمفكك أصلا منذ عهد القذافي، تحالفت معه مجموعات مسلحة مختلفة، تشمل هذه المجموعات ميليشيات أحياء ومناطق في الشرق والغرب، مثل ميليشيات مدينتي الزنتان وورشفانة في الغرب، وميليشيات من الشرق مثل “كتيبة أولياء الدم”، التي فقد أفرادها أقرباء لهم في القتال مع الإرهابيين في بنغازي، كما تشمل بعض وحدات الجيش الوطني سلفيين مداخلة مثل كتيبة التوحيد، الذين ينظرون إلى حفتر كولي أمر تجب عليهم طاعته (7).
أما في الغرب فهناك قوى عسكرية منقسمة ومتنافسة يتبع معظمها حكومة الوفاق اسميا، وتحاول حكومة الوفاق أن تمارس عملها في ظل ضغوطات من كل جانب، فهي عاجزة عن بسط سيطرتها حتى ولو اسميا على شرق وجنوب البلاد، ومازالت تواجه صعوبات بالغة في أداء عملها في المناطق الخاضعة لسيطرتها في الغرب، فالوضع الاقتصادي متأزم والأحوال المعيشية للمواطنين متدهورة، والمسلحون التابعون اسميا لحكومة الوفاق لا يلتزمون بقراراتها، ولعل أبرز مثال على ذلك عجز حكومة الوفاق عن إعادة السكان المهجرين من مدينة تاورغاء، رغم إعلانها عن حل الأزمة مطلع فبراير 2018، لكن المسلحين تجاهلوا قرار الحكومة، ومنعوا عودة المواطنين إلى المدينة (8).
ومع ذلك يظل الوضع الأمني غير مستتب في مناطق الطرفين، ففي فبراير 2018 على سبيل المثال، شهدت مدينة بنغازي الواقعة تحت سيطرة حفتر تظاهرات مسلحة لعسكريين من الجيش؛ احتجاجا على قرار حفتر إعفاء ونيس بوخمادة من منصبه كآمر لغرفة العمليات العسكرية في بنغازي 9. وفي الغرب اندلعت في نفس الشهر اشتباكات بين قوات تابعة لحكومة الوفاق الوطني وبين مسلحين، ما أدى إلى قطع الطريق الرابط بين طرابلس وبقية مدن غرب ليبيا (10).
أما في جنوب ليبيا فلا وجود تقريبا للدولة سواء حكومة الشرق أو الغرب، والنفوذ الفعلي لمجموعات قبلية محلية يوالي بعضها أحد الطرفين بينما يسعى بعضها للاستقلال، وتساعد الحدود الجنوبية المفتوحة على دخول السلاح والمرتزقة والمهاجرين. وبينما يبدو الجيش بقيادة حفتر أقرب إلى عدد أكبر من الحلفاء المؤثرين في الجنوب، لكن الوضع الفعلي يخلو من سيطرة أي من الطرفين، ومؤخرا وقع اتفاق دولي للسلام بين قبيلتي “التبو” و”الزوية” اللتين تتقاتلان في مدينة الكفرة الجنوبية منذ عام 2014 (11)، وتجري حاليا محاولات لوقف صراع مستمر في مدينة سبها بين قبائل التبو المؤيدة لحفتر وقبائل أولاد سليمان المؤيدة للوفاق (12).
ورغم محاولات التقريب بين حفتر والسراج، واجتماعهما بضع مرات في عواصم عربية ودولية، إلا أن الوضع لم يتحسن إلا بشكل طفيف، وعاد للتأزم مع إعلان حفتر في ديسمبر 2017 انتهاء صلاحية اتفاق الصخيرات الذي تشكلت بموجبه حكومة السراج (13)، لكن الطرفين رضخا أخيرًا تحت الضغط الدولي، واتفقا على حسم الخلافات بصندوق الانتخابات.
كيف تصبح الانتخابات حقيقة؟
تنص خريطة الطريق التي وضعها غسان سلامة على إجراء حوار مع الجماعات المسلحة لدمجها في العملية السياسية والحياة المدنية، ومبادرة لتوحيد الجيش، وهو ما يبدو اليوم أبعد عن التحقق. بالإضافة إلى معالجة قضية النازحين، وهي قضية مازالت عالقة أيضا رغم إعلان المجلس الرئاسي أنه سيحل قضية نازحي مدينة تاورغاء هذا الشهر، لكن ذلك لم يتحقق. ثم استفتاء على الدستور تتلوه انتخابات رئاسية وبرلمانية، وبذلك تنتهي المرحلة الانتقالية وفق الخريطة.
لكن قبل أن تجرى انتخابات تمهد الطريق لإعادة بناء الدولة، ينبغي النظر إلى خطوات لازمة وضرورية رغم صعوبتها في الظرف الراهن، ولا نبالغ في القول أنها شرط لنجاح عملية الانتقال السياسي:
- أولا وقبل كل شيء ينبغي على المجتمع الدولي التحرك لمنح الأزمة الليبية الاهتمام اللازم لحلها، وتشير الأحداث الماضية إلى أن الضغط الدولي على الفرقاء الليبيين يؤدي لتحقيق اختراقات تحسن الوضع، ويمكن أن يقود الأوروبيون الدفع بهذا الاتجاه؛ باعتبارهم الأكثر تأثرًا بما يجري في الساحة الليبية.
- توحيد القوى العسكرية، وقد يتم هذا تحت قيادة حفتر، مع إضافة مجلس عسكري يضم قيادات من الأطراف الأخرى، واشتراط أن يكون خاضعا للإدارة المدنية بقيادة السراج، أو تعيين قائد للجيش من الضباط العاملين مع حفتر والمنتمين لشرق ليبيا، ويحتاج هذا إلى ممارسة ضغط دولي على حفتر والسراج لحل هذه القضية باعتبارها أولوية.
- دعم حكومة الوفاق لتتحول إلى حكومة قادرة على ممارسة مهامها وتوفير الاحتياجات الأساسية للشعب الليبي، وترسيخ وجودها كحكومة حقيقية مسيطرة وقادرة على ممارسة مهامها على كامل التراب الليبي.
- وضع تعريفات محددة للإرهاب ومن هي القوى الإرهابية، حتى لا يتحول شعار مكافحة الإرهاب إلى عملية لتصفية القوى السياسية المختلفة مع حفتر، إلى جانب تشجيع الإسلاميين على قطع الصلات مع المجموعات الإرهابية، وعزل هذه الجماعات تماما، لتصبح الخطوط الفاصلة بين المعتدلين والمتطرفين واضحة لا لبس فيها.
- الضغط الدولي عبر مجلس الأمن لوقف العلاقات البينية بين الدول وكيانات سياسية أو عسكرية داخل ليبيا، وتوحيد الموقف الدولي ليصبح التعاون فقط وحصريا عبر حكومة السراج.
- تعهدات وضمانات من كل القوى والأطراف المؤثرة في الداخل الليبي على التزامهم بنتائج الانتخابات، وترتيب عقوبات دولية على القوى التي تخل بالتزاماتها.
ليبيا بحاجة إلى دولة ومؤسسات مستقرة قائمة أصلا لتجرى في ظلها الانتخابات، وبدون هذه الدولة فإن الانتخابات الجديدة ستضيف مجلسًا وحكومة آخرين ينافسان المجلسين والحكومتين القائمتين في ليبيا حاليا.
باحث في مركز التقدم العربي للسياسات*
مراجع
- طريق غسان سلامة لحل المعضلة الليبية
https://aawsat.com/home/article/1106741/طريق-غسان-سلامة-لحل-المعضلة-الليبية - «خطة العمل من أجل ليبيا» كما طرحها سلامة أمام الاجتماع رفيع المستوى في نيويورك
http://alwasat.ly/news/libya/144253 - غسان سلامة لـ«الوسط»: أميركا بعيدة عن الملف الليبي.. و3 ردود على سؤال حفتر
http://alwasat.ly/news/libya/158398 - مفوضية الانتخابات تعلن إغلاق باب سجل الناخبين بالداخل
https://libyaschannel.com/2018/02/16/مفوضية-الانتخابات-تعلن-إغلاق-باب-سجل-ا/ - اتفاق الصخيرات
https://www.temehu.com/GNA/Libyan-Political-Agreement-17-December-2015-arabic.pdf - لماذا تحفظ الجيش الليبي على تعديل المادة الثامنة من اتفاق الصخيرات؟
http://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2017/10/11/1170227/لماذا-تحفظ-الجيش-الليبي-على-تعديل-المادة-الثامنة-من-اتفاق-الصخيرات- - ليبيا: عائلات بنغازي النازحة تُمنع من العودة
https://www.hrw.org/ar/news/2018/02/01/314432 - الحكم في ليبيا لا يزال للمسلحين مع منع عودة السكان لمدينة “الأشباح”
https://ara.reuters.com/article/ME_TOPNEWS_MORE/idARAKBN1FQ2RT - احتجاجات وأعمال شغب ضد «حفتر» في بنغازي
http://thenewkhalij.news/سياسة/احتجاجات-وأعمال-شغب-ضد-«حفتر»-في-بنغازي - استمرار إغلاق الطريق الساحلى عند بوابة الـ27 غرب طرابلس
http://www.libyaalkhabar.com/news/محليات/27691/استمرار-إغلاق-الطريق-الساحلى-عند-بواب/ - ليبيا.. قبيلتان تتوصّلان بتونس لاتفاق مصالحة برعاية أممية
https://aa.com.tr/ar/الدول-العربية/ليبيا-قبيلتان-تتوصّلان-بتونس-لاتفاق-مصالحة-برعاية-أممية-/1072214 - ليبيا.. حكومة الوفاق ترسل قواتاً إلى سبها
https://aa.com.tr/ar/الدول-العربية/ليبيا-حكومة-الوفاق-ترسل-قواتاً-إلى-سبها/1077115 - ليبيا: المشير خليفة حفتر يعتبر اتفاق الصخيرات “منتهي الصلاحية”
http://www.france24.com/ar/20171217-ليبيا-خليفة-حفتر-اتفاق-الصخيرات-المغرب-حكومة-الوفاق-الوطني-منتهي-الصلاحية