انتخابات الكنيست المقبلة:

صراع على مفهوم الحسم أكثر من صراع على الأغلبية

تقدير موقف
أمير مخول، مركز تقدم للسياسات

تقديم:
تدخل إسرائيل مرحلة انتخابية مبكرة في ظل حالة غير مسبوقة من الاستقطاب السياسي، تتداخل فيها تداعيات حرب السابع من أكتوبر، والأزمة الداخلية التي فجّرها مشروع “الانقلاب القضائي”، مع الضغوط الأميركية المتزايدة على حكومة بنيامين نتنياهو. وفي المقابل، تبدو المعارضة عاجزة حتى الآن عن إنتاج أغلبية مستقرة، فيما تزداد أهمية الصوت العربي بوصفه عاملاً قد يرجح كفة أي معسكر، رغم استمرار معظم القوى الصهيونية في استبعاده سياسياً.

وعلى خلاف الانتخابات السابقة، لا يدور التنافس الحالي حول هوية الحزب الأكبر، بل حول تعريف “الحسم” ذاته. فلكل من نتنياهو والمعارضة تصور مختلف لمعنى الانتصار الانتخابي، ولكل منهما حسابات تتجاوز مجرد الحصول على الأغلبية البرلمانية. ومن هنا، تبدو الانتخابات المقبلة مفتوحة على أكثر من سيناريو، دون وجود مؤشرات حاسمة على قدرة أي من المعسكرات على فرض نتيجة نهائية.

– قراءة في حسابات نتنياهو:
لا يقتصر هدف نتنياهو على الفوز بالانتخابات، وإنما يتمثل في المحافظة على بقائه في رئاسة الحكومة، سواء عبر أغلبية مستقرة أو من خلال منع خصومه من تشكيل حكومة بديلة.

ورغم نجاحه خلال السنوات الأربع الماضية في الحفاظ على تماسك ائتلافه مع أحزاب الصهيونية الدينية والأحزاب الحريدية، فإن استطلاعات الرأي الداخلية لا تمنحه حتى الآن أغلبية مريحة تبلغ 61 مقعداً. ولذلك يعمل على مسارين متوازيين:
المسار الأول حزبي داخلي، ويتمثل في إعادة تشكيل قائمة الليكود بما يسمح باستعادة الشرائح التقليدية التي ابتعدت عن الحزب، سواء باتجاه غادي آيزنكوت أو بتسلئيل سموتريتش. ولهذا يسعى إلى توسيع صلاحياته في تعيين مرشحين بصورة مباشرة، خلافاً للتقاليد التنظيمية للحزب، بهدف إدخال شخصيات أكثر اعتدالاً وأقرب إلى الإرث الليبرالي التاريخي لليكود، بعدما باتت صورته مرتبطة باليمين الديني والقومي المتطرف.

المسار الثاني فيرتبط بإعادة تنظيم المجال اليميني عبر تشجيع قيام حزب يدور في فلك الليكود بقيادة غلعاد أردان، بما يسمح باستعادة أصوات يمينية لا ترغب في التصويت لنتنياهو، ولكنها لا تريد أيضاً انتقالها إلى المعارضة. وإذا تمكن هذا الحزب من تجاوز نسبة الحسم، فقد يتحول إلى خزان إضافي لمعسكر نتنياهو عند تشكيل الائتلاف.

في المقابل، يواجه نتنياهو تحدياً لم يكن يتوقعه يتمثل في موقف الإدارة الأميركية. فقد حملت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب إشارات متكررة إلى مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي مباشرة، وإلى تحميل نتنياهو مسؤولية الأزمة السياسية. وإذا تطورت الضغوط الأميركية باتجاه الدفع نحو استبدال قيادة الليكود، فإن ذلك قد يهدد مستقبل نتنياهو السياسي، وربما يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الحزب نفسه.

من هذا المنطلق، لم يعد سقف طموح نتنياهو مقتصراً على الحصول على 61 مقعداً، بل أصبح يسعى إلى امتلاك ما لا يقل عن 52-55 مقعداً داخل معسكره، باعتبارها “كتلة مانعة” تحول دون تمكن المعارضة من تشكيل حكومة بديلة.
ولهذا يواصل العمل على تقليص الوزن السياسي للأحزاب العربية، سواء عبر محاولات شطب القائمة العربية الموحدة أو حظر الحركة الإسلامية الجنوبية، أو عبر خلق مناخ يدفع إلى خفض نسبة التصويت العربي، إدراكاً منه أن المشاركة العربية المرتفعة قد تكون عاملاً حاسماً في إسقاط حكومته.

في حال تعذر تشكيل أي حكومة بعد الانتخابات، يحتفظ نتنياهو بخيارات إضافية، من بينها الذهاب إلى انتخابات جديدة وهو رئيس لحكومة تصريف أعمال، أو الدفع نحو حكومة وحدة وطنية بشروط تمنحه البقاء في رئاسة الحكومة لفترة انتقالية، أو حتى تأجيل الانتخابات بذريعة أمنية إذا سمحت الظروف السياسية والقانونية بذلك.

– قراءة في حسابات المعارضة الإسرائيلية
تنطلق المعارضة من معادلة مختلفة؛ فهي ترى أن الحسم لا يتحقق إلا بالحصول على أغلبية صافية من 61 نائباً، دون الاعتماد على الأحزاب العربية.

وقد أعلن معظم قادة المعارضة هذا الموقف بصورة واضحة، مبررين ذلك بالتحولات التي شهدها المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، فيما يذهب أفيغدور ليبرمان إلى طرح فكرة “تحالف المتجندين”، أي إقامة حكومة تضم القوى الصهيونية فقط، مع استبعاد العرب والحريديم معاً بحجة عدم الخدمة العسكرية.

إلا أن هذا الموقف يصطدم بواقع استطلاعات الرأي، التي تشير إلى صعوبة حصول المعارضة على أغلبية يهودية خالصة. ولذلك تبدو المعارضة مضطرة عملياً إلى استقطاب جزء من الناخبين العرب بصورة مباشرة، سواء عبر حزب “الديمقراطيين” بقيادة يائير غولان، أو عبر محاولات ليبرمان استقطاب أصوات الدروز العرب، مستفيداً من وجود شخصيات درزية بارزة داخل حزبه.
في الوقت نفسه، تدرك المعارضة أن توحد الأحزاب العربية في قائمة مشتركة واسعة قد يحرمها من عشرات آلاف الأصوات العربية التي تحتاج إليها لتحقيق الأغلبية، وهو ما يفسر اهتمامها الضمني بعدم قيام قائمة عربية موحدة قادرة على حصد ما بين 15 و17 مقعداً.

– الأحزاب العربية بوصفها القوة المرجحة:
يدور النقاش داخل الأحزاب العربية حول استراتيجيتين مختلفتين.
الأولى تقوم على الانخراط في عملية صنع القرار الحكومي بهدف تحقيق مكاسب مباشرة للمجتمع العربي في قضايا الجريمة المنظمة، والتخطيط العمراني، والإسكان، والميزانيات، مع تجنب الانخراط في القضايا الأمنية والسياسات الخارجية.

أما الثانية، وهي الأقرب إلى المزاج العام داخل معظم القوى العربية، فترى أن الإنجازات التاريخية للفلسطينيين في الداخل تحققت بفضل النضال الشعبي والسياسي والحقوقي، وليس من خلال الاندماج في الائتلافات الحكومية. ولذلك تدعو إلى الحفاظ على الاستقلالية السياسية، وربط النضال المدني بالقضية الوطنية الفلسطينية.

وفي هذا السياق، يتركز النقاش حول ما إذا كانت المصلحة تقتضي تشكيل قائمة عربية موحدة، أم خوض الانتخابات بقائمتين. إلا أن المزاج الشعبي الغالب يميل إلى إعادة بناء قائمة مشتركة واسعة، باعتبارها أكثر قدرة على حماية التمثيل السياسي للفلسطينيين في الداخل، وتعزيز مكانتهم في مواجهة صعود اليمين الإسرائيلي، والحفاظ على دور لجنة المتابعة العليا باعتبارها الإطار الجامع للجماهير العربية.

الخلاصات:
* لا تشير المعطيات الحالية إلى وجود معسكر قادر على حسم الانتخابات بصورة نهائية، إذ يواجه كل من الائتلاف والمعارضة قيوداً تحول دون ضمان أغلبية مستقرة.
* أعاد نتنياهو تعريف مفهوم الحسم؛ فلم يعد يشترط الفوز بـ61 مقعداً، بل يكفيه امتلاك كتلة مانعة تمنع خصومه من تشكيل حكومة، بما يتيح له البقاء في السلطة أو فرض تسوية سياسية بشروطه.
* تعتمد استراتيجية نتنياهو على مزيج من إعادة هندسة اليمين الإسرائيلي، وإضعاف التمثيل السياسي العربي، والاستفادة من الخيارات الدستورية والسياسية التي قد تؤخر انتقال السلطة.
* تعاني المعارضة من تناقض جوهري بين رفضها المعلن للشراكة مع الأحزاب العربية وحاجتها العملية إلى الصوت العربي لتحقيق الأغلبية، وهو ما يجعل خطابها الانتخابي مختلفاً عن حساباتها الواقعية.
* تشير المؤشرات السياسية إلى أن إعادة تشكيل قائمة عربية مشتركة واسعة ستكون الخيار الأكثر قدرة على حماية التمثيل السياسي للفلسطينيين في الداخل، وتعزيز قدرتهم على التأثير في موازين القوى الإسرائيلية، سواء من موقع المعارضة أو في إطار أي ترتيبات سياسية لاحقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.