الهجوم الأميركي على فنزويلا: قراءات في تحليلات خبراء غربيين

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات

تمهيد:
في خطوة صدمت العالم، نفّذت الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً على فنزويلا، أسفر عن خطف الرئيس نيكولاس مادورو، ما أثار موجة متباينة من التنديد او الاشادة. وخلال مؤتمر صحافي عُقد يوم السبت الثالث من يناير في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعملية التي أدّت إلى اعتقال مادورو، واصفاً إياها بأنها “أحد أكثر الاستعراضات دهشة وفعالية وقوة للكفاءة والقدرة العسكرية الأميركية في تاريخ الولايات المتحدة”.

التحليل:

– في الخامس من كانون الثاني/يناير، نشرت صحيفة واشنطن بوست تقريراً موسعاً تناول ديناميات العملية وتداعياتها، وخلص إلى نتيجة مباشرة مفادها، أن دخول ترامب العسكري إلى فنزويلا يمثّل مسماراً إضافياً في نعش النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. ونقلت الصحيفة عن أحد المحللين قوله إن “الإحساس بحدوث تحوّل نموذجي شامل بات طاغياً”، معتبراً أن الهجوم على فنزويلا يشكّل أول تطبيق عملي لاستراتيجية الأمن القومي للبيت الأبيض، التي تعلن نصف الكرة الغربي مجال نفوذ أميركياً خالصاً. ويعيد هذا النهج إحياء منطق “دبلوماسية الزوارق الحربية” والنزعات الإمبريالية الجديدة التي سادت قبل قرن من الزمن. ووفقاً للمحلل نفسه، فإن “هذا عصر جديد بالكامل”، مشيراً إلى أن ترامب لا يتحدث عن نشر الديمقراطية، بل عن “إمبريالية نفطية”. كما حذّر من أن نخب السياسات في أميركا اللاتينية بدأت تدرك أن الاعتقاد بأن الدول الديمقراطية ستكون بمنأى عن التدخل الأميركي هو وهم خطير.

– اعتبرت الصحيفة أن اعتقال مادورو “ليس حالة إقليمية استثنائية، بل حدثاً دلالياً”. وذهب محللون في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن العملية “تسلّط الضوء على تقلب السياسة الخارجية لترامب، وارتياحه لاستخدام الحلول العسكرية، وانفتاحه الظاهر على عالم تحكمه مناطق نفوذ بدلاً من القواعد”. وأضاف محلل جيوسياسي آخر أن هذا التطور “يفتح الباب على مصراعيه أمام غرب متوحش جيوسياسي جديد، حيث القوة تصنع الحق، وتتلاشى القوانين والقواعد”.

– وأشار المعلقون الذي التقتهم الصحيفة إلى ديناميات مشابهة بدأت تتشكّل بالفعل، مستشهدين باعتراف إسرائيل الشهر الماضي بجمهورية أرض الصومال الانفصالية، معتبرين أن “الحديث عن قدسية الحدود يفقد مصداقيته حين تمرّ الاعتداءات دون عقاب أو تُقابل بتسامح ضمني”.

– مجلة *الإيكونوميست*، وصفت من جهتها في مقال نُشر في الثالث من كانون الثاني/يناير، عملية اختطاف مادورو ومحاولة السيطرة على فنزويلا ومواردها النفطية، بأنها تجسيد استثنائي لما أسمته “مبدأ دونرو” الجديد. وأكدت المجلة أن ترامب يرى أن الولايات المتحدة أهملت طويلاً تطبيق مبدأ مونرو الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، والذي كان يهدف إلى إقصاء القوى الأجنبية عن أميركا اللاتينية. ووفقاً لترامب، فإن “الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي لن تكون موضع تشكيك مرة أخرى”.

– وفي مقال آخر نُشر في الخامس من كانون الثاني/يناير، حذّرت المجلة من أن كوبا قد تكون الهدف التالي، مشيرة إلى أنها باتت أكثر عرضة لضغوط تغيير النظام من أي وقت مضى منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي. ويتفق محللون على أن ترامب أرسى ترتيباً جديداً يجعل مثل هذه السيناريوهات ممكنة.

– هيئة تحرير فايننشال تايمز، فقد وصفت الخطوة في افتتاحية نُشرت في الرابع من كانون الثاني/يناير بأنها “متهورة”، معتبرة أن رسالة ترامب واضحة: الولايات المتحدة في عهده لا تشعر بأنها مقيّدة بأعراف النظام الدولي الذي تأسس بعد عام 1945، وأنها ستتدخل متى شاءت تقريباً في نطاق نفوذها، وربما خارجه. ورأت الصحيفة أن الانتهاك الصريح لسيادة دولة كبرى في أميركا الجنوبية يبعث برسالة قاتمة إلى بقية دول العالم.

– محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة الغارديان البريطانية سار في الاتجاه نفسه، معتبراً أن المدافعين عن القانون الدولي قد يجدون أنفسهم اليوم يناشدون نظاماً عالمياً آيلاً للاندثار، وأن فنزويلا باتت “أحدث دفن في مقبرة مزدحمة أصلاً”. وبرأيه، فإن أفعال ترامب ترسّخ نظاماً جديداً تهيمن عليه المصالح العارية لقوتين أو ثلاث قوى كبرى.

– أستاذ في جامعة جورجتاون ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن ما جرى يمثّل انفصالاً فعلياً للولايات المتحدة عن النظام الدولي القائم على القواعد، ونهاية عملية للنظام الليبرالي برمّته. ووفق هذا الطرح، يتشكّل نظام دولي جديد قائم على استخدام القوة، والنزعات المراجِعة، وتأمين المجال القاري الأميركي، في إطار رؤية سيادية تستند إلى مفهوم “النوموس” كما صاغه الفيلسوف الألماني كارل شميت، حيث يتقدّم تصنيف الدول إلى “صديق وعدو” على قيم التعاون والقانون الدولي والديمقراطية والأسواق الحرة.

– وول ستريت جورنال وصفت هذا النهج، في مقال بتاريخ الخامس من كانون الثاني/يناير، بأنه “لعبة ترامب الجديدة”، مشيرة إلى أن عملية فنزويلا جاءت تتويجاً لشهر من التحركات العسكرية العدوانية شملت استهداف متشددين في شمال نيجيريا، وضرب تنظيم “داعش” في سوريا، والتهديد بإعادة استهداف إيران. ويعكس ذلك، وفق الصحيفة، اعتماد ترامب المتزايد خلال ولايته الثانية على مبدأ “الضربة ثم الإكراه”، وهو نهج مرشح لاختبارات قاسية مع سعي البيت الأبيض إلى فرض الامتثال على الدول المستهدفة.

– في السياق نفسه، كتب المحرر الدولي في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن التدخل الأميركي في فنزويلا يسلّط الضوء على عناصر جوهرية في رؤية ترامب للعالم، مشيراً إلى أنه لا يخفي رغبته في ثروات الدول الأخرى، كما سبق أن حاول ربط الدعم العسكري لأوكرانيا بالاستفادة من مواردها الطبيعية. ولا يخفي ترامب، بحسب المقال، طموحه للسيطرة على الثروات المعدنية الهائلة لفنزويلا، أو اعتقاده بأن شركات النفط الأميركية تعرّضت للغبن عندما جرى تأميم قطاع النفط الفنزويلي. وفي المحصلة، يشكّل اعتقال مادورو ضربة إضافية قوية لفكرة إدارة العالم عبر منظومة قواعد قانونية متفق عليها.

الخلاصات:
** يمثّل اعتقال نيكولاس مادورو، قطيعة حاسمة في مسار السياسة الدولية. فهو ليس استثناءً إقليمياً ولا تصعيداً ظرفياً، بل حدث دلالي يكشف الانهيار الفعلي للنظام الدولي القائم على القواعد بوصفه إطاراً ناظماً لسلوك القوى الكبرى. وقد تبيّن أن مفاهيم السيادة والقانون الدولي والمعايير متعددة الأطراف باتت مشروطة، وخاضعة لموازين القوة أكثر من كونها أدوات حماية منها.

** يُعيد هذا التطور صياغة الحسابات الاستراتيجية لجميع الدول. فإزاحة رئيس دولة بالقوة، من دون تبعات قانونية أو سياسية تُذكر، يُطبع الإكراه كأداة مشروعة للسياسة، ويخفض عتبة اللجوء إلى ممارسات مماثلة في مناطق أخرى. ومع غياب آليات ردع فعّالة، يصبح من المرجح أن تحذو دول أخرى النهج نفسه.

** بالنسبة للدول الصغيرة والمتوسطة، فإن الدلالات بالغة الخطورة. فالاتكال على القواعد والمؤسسات الدولية لم يعد كفيلاً بضمان الأمن، ما يفرض على هذه الدول التكيّف مع نظام ناشئ تحكمه مناطق النفوذ، وخيارات الاصطفاف أو الردع أو المساومة. وبذلك، تمثّل فنزويلا اللحظة التي لم تُقوَّض فيها قواعد اللعبة الدولية فحسب، بل جرى إعادة كتابتها علناً وبشكل حاسم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.