الموقف الامريكي الجديد من القضية الفلسطينية: تغيير جذري في قواعد اللعبة

ورقة تقدير موقف: 

الموقف الامريكي الجديد من القضية الفلسطينية: تغيير جذري في قواعد اللعبة

محمد مشارقة *

  1. مقدمة

قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل شكل مفصلا هاما  في مسار الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، سيؤرخ لما قبله وما بعده ، وربما يفضي الى نهاية مرحلة كاملة من المراهنة على تسوية لصراع طويل ومعقد بالطرق السياسية وبرعاية واستئثار كاملين من الإدارة الأمريكية لما يقرب من عقدين .

فالخطوة الامريكية التي مثلت صدمة قوية لكل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة وحتى لنخبة الدبلوماسية الامريكية العريقة ، تمثل خروجا عن النهج السياسي الذي اتبعته الادارات  الامريكية المتعاقبة، ومخالفة لقرارات الامم المتحدة التي تعتبر الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس ، اراض محتلة ، كما انها تشكل نسفا لكل الوعود التي قدمت من قبل الرئيس الامريكي وطاقمه من انه بصدد التقدم بمبادرة شاملة لحل الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي.ويتعارض مع الاستراتيجية الحالية للحملة ضد الإرهاب وحصار النفوذ الايراني .

  1. دوافع الموقف الامريكي

تنوعت  الآراء والتحليلات حول الاسباب والدوافع لاتخاذ مثل هذه الخطوة التي تتراوح بين تفسيرات دينية عقائدية لمجموعة مسيحانية-صهيونية تحيط بالرئيس (تؤمن بإعادة بناء الهيكل انتظارا لعودة المسيح المخلص)*   1الى القول بان هذه الخطوة ، هي موقف مبدئي يلتزم بالوعد الذي قطعه  اثناء الانتخابات الرئاسية في نهاية العام 2016؛ بنقل السفارة الأميركية من  تل أبيب إلى مدينة القدس ، او ان دوافع ترامب هي ضغوط التحقيقات المتعلقة بالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية 2016 والتي بدات تصيب الدوائر المحيطة بالرئيس وقد تطول أيضًا صهره جارد كوشنير، المقرَّب من إسرائيل، وانه يسعى الى استقطاب دعم اللوبيات اليهودية والمسيحية الصهيونية في واشنظن .كما ان بعض التحليلات غرقت كثيرا في الحديث عن الصفات الشخصية للرئيس والتي تتميز بالتهور وعدم الاتزان وضعف الخبرة بالشؤون السياسية الدولية .

قد تكون كل العوامل السابقة اساسية وجوهرية وفاعلة ، لكن هذه الورقة ستذهب الى  فرضية أخرى تقول ، إن قرار ترامب،  استراتيجي عميق الدلالة ، فهو حصيلة قراءات يمينية متطرفة، صدرت  في بعض مراكز الدراسات في الولايات المتحدة والغرب  ومواقع القرار في الإدارات  المتعاقبة بعد عملية البرجين 2001، وغزو العراق وأفغانستان وتقول ينظرية ” الفوضى  الخلاقة “2*  كمدخل لإعادة تركيب خرائط الشرق الاوسط  ، التي ظلت و لسنين طويلة “مصدرا أساسيا للارهاب و العداء المتأصل للحضارة الغربية” .

وتشكل الحالة الدولاتية العربية الهشة ، النموذج المثالي لمتابعة تدمير ما تبقى من الدول الوطنية العربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية . وكان اقامة الكيان الاسرائيلي في قلب هذه المنطقة هو المقدمة التي اسست لمتابعة النسق الاستعماري الغربي بكل محملاته التاريخية والثقافية وأهدافه العقائدية والاقتصادية والسياسية ، كيان ادى وظيفته في ضبط ايقاع المنطقة ونموها وتطورها بما يخدم فكرة الاستعمار الحديث ،  واليوم يعاد تجديدها من بوابة الفوضى والإرهاب العابر للحدود ، فالسنوات السبع الماضية لما يسمى بالربيع العربي ، وما أفضت إليه من حروب أهلية مستمرة وتفكك الدولة الوطنية في سوريا والعراق واليمن وليبيا ، وتهديد ما تبقى من دول لا زال بعضها يعيش اشكالية الهوية الوطنية والانشغال في مساعي تأمين الاستقرار والتنمية المتعثرة  وازمات تتعلق بشرعية النظام السياسي والديمقراطية والحريات العامة ،الامر الذي يعزز مأزقها وانسداد آفاق تطورها . وخير دليل على ذلك ما نشهده من تصدع في منظومة الهويات الوطنية والقومية لصالح منظورات أخرى دينية واثنية وقبلية ومذهبية ، ما قبل الدولة ودون السياسة .

ولعل الإدارة الأمريكية ومؤسساتها المختلفة لن تجد افضل من هذه الظروف ، للإجهاز على القضية الفلسطينية من خلال حل اقتصادي ودويلة في غزة يلحق بها بعض التجمعات السكانية في الضفة الغربية ، فالحالة الفلسطينية من اغتيال مؤسس الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات ، شهدت انهيارا في معنى ومبنى الوطنية الفلسطينية وقواسمها الجامعة ، وشهدت مناطق السلطة حالة من التفسخ السياسي والأخلاقي غير المسبوق ، وجرى تدمير ممنهج لعمود الحركة الوطنية ممثلة بحركة فتح ، وتحويلها الى حزب خاص بالمجموعة المتنفذة حصرا في رام الله ، اعتمادها الرئيسي على الفئة العليا من موظفي السلطة ، كما تضاءلت المساحة الفاصلة بين السلطة وحركة فتح. وفي ذات السياق تم تهميش دور منظمة التحرير وفصائلها التاريخية وتحولت الى هياكل فارغة من أي مضمون وليس لها  تأثير جدي في الحياة السياسية التي باتت حكرا على الرئيس عباس والمجموعة المحيطة به ومن يرضى عنه . كما أن الانقسام الفلسطيني العميق المستمر منذ عشر سنوات ، لم يكن كارثيا فقط على الانقسام العمودي بين طرفي الانقسام فتح وحركة حماس بل  تعداه الى شرخ افقي ، اجتماعي وثقافي عميق بين قطاع غزة  والضفة الغربية .شاهده الابرز ان حصار قطاع غزة لم يكن اسرائيليا وحسب وإنما ساهمت به السلطة الفلسطينية في رام الله بسلسلة من العقوبات الجماعية للسكان ، بذريعة عقاب حركة حماس على انقلابها في العام 2007 .اذ يؤكد جمال المحسين عضو اللجنة المركزية لحركة فتح” ان العقوبات كانت ضرورية  لخدمة المصالحة ولن نوقف العقوبات الا عندما تسلم حركة حماس  الحكومة ( الشرعية ) كامل مهامها وصلاحياتها في قطاع غزة”  3*

  1. مفاعيل القرار

يدرك العقل الامريكي العميق

  الذي يقف خلف القرار بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل والمبادرة الموعودة  للتسوية ، ان ايا من الاطراف الدولية والاقليمية بامكانه تحمل كلفة مواجهة مشروع التصفية النهائية للقضية الفلسطينية ، او قيادة عملية سلام وصلت نهايتها  أواخر العام  1999 التي افترضت قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية ، والمعادلة الداخلية في اسرائيل لا تفضي في المدى المنظور سوى معادلة : “ولا شبر تنازل على الارض للفلسطينيين ، ولا دولة ثانية بين البحر والنهر” ، وجاءت الهدية الأمريكية لتعزز تيار التطرف اليميني الديني والقومي الذي يحتل نحو ثلثي مقاعد البرلمان والحكومة . كما ان المراهنة على استبعاد واشنطن من دورها الحاسم في ادارة تسوية متعثرة ، لصالح المجموعة الاوروبية او روسيا ، يبقى في دائرة الامنيات غير الواقعية  في المدى القريب،وقد اختبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس هذه الادوار المحتملة في موسكو وبروكسل ، كما يندرج في دائرة الامنيات دور مفترض للامم المتحدة  ، وصعوبة اتخاذ قرار يخص اي من النزاعات الدولية بفعل عطالة آليات اتخاذ القرارات في مجلس الامن ، كما ان الدول الطامحة الى لعب ادوار كبرى الى جانب الولايات المتحدة ، متورطة في نزاعات خارجية وداخلية تمنعها من دفع كلفة قيادة عالمية فاعلة ، واقصى ما يمكنها فعله او تأمله في الوقت الراهن هو المشاركة مع الولايات المتحدة في بعض النزاعات : ( (المثال الروسي في الحرب على الارهاب في سوريا والعراق ودول الناتو في الحرب على ليبيا )

بسبب هذه القناعة المؤسسة على واقع وحال الوضع الدولي وفي الاقليم ، تضرب الولايات المتحدة وبقوة على عصب المسلمات التاريخية والثقافية الحساسة دون تردد او اعتبار لدول الاعتدال العربي والاسلامي ،ولم تلتفت الى صرخات الليبراليين من النخبة السياسية والاكاديمية والدبلوماسية الامريكية 4*، الذين حذروا ادارة ترامب من هذه المجازفة الخطرة التي تنسف جهود سبعة عقود من السياسة الامريكية في منطقة الشرق الاوسط ( مواقف السفراء السابقين في اسرائيل ) . فواشنطن تتخلى اليوم عن دور الوسيط بل تدخل طرفا يسعى بكل أدوات القوة  لفرض حل قسري لصالح طرف واحد . حل ، يلغي الاساس القانوني المكرس بقرارات دولية  بما فيها قرار التقسيم 181 في نوفمبر 1947 ، او ما يتعلق بالقدس ، وقيام دولة فلسطينية على الاراضي المحتلة عام 67 ،وينهي قضية اللاجئين وكل القرارات التي تضمن حق العودة والتعويض ،  ويقترح كيانا لا تواصل سياديا له، ولا سيطرة على الحدود والامن ، ولعل الوصف الدقيق لهذه الخطة حول الدولة “المهزلة” الكانتونات او المعازل هو انها” تعد إهانة لنظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا   ولا يمكن لاي زعيم فلسطيني يحترم نفسه قبولها.” 5*

ولهذا فان صانع قرار وعد القدس الذي يستكمل وعد بلفور قبل مائة عام ، يعلم ان هذه الخطوة من شانها اضعاف القيادة التاريخية الوطنية للشعب الفلسطيني، وكل تيار الواقعية السياسية الذي لا يمكنه الاستمرار في لعب دوره القيادي،خاصة مع الحل المطروح والذي ينهي عقودا من الرواية الفسطينية المتوارثة مصدر شرعية كل التيارات السياسية الفلسطينية . واذا ما الحق قراره الكارثي حول القدس وطرح مشروعه للتسوية بالسياق المتداول بعنوان “صفقة القرن”  ، فان الرئيس ترامب وادارته ، يحكم على القيادة الفلسطينية الحالية بالموت السياسي  ، اذ لم يترك خيارا لها غير الاختفاء النهائي من المشهد .

كما ان هذا القرار من شأنه احراج الانظمة العربية المعتدلة وفرملة التحولات الداخلية، التي كانت مطلبا امريكا قبل عام ثمنا لحمايتها في مواجهة المخاطر الخارجية والايرانية تحديدا  سيضطر حكامها الى الاستماع الى صوت شعوبهم التي تحتل قضية القدس مكانة عميقة في وجدانهم القومي والديني، وسيدفع غالبية هذه الانظمة الى محاولة يائسة من اجل حماية استقرارها من تداعيات السياسة الامريكية ، اما الى المشاركة المكشوفة في انهاء القضية الفلسطينية او الانكفاء والعزلة.

3- التداعيات المحتملة لقرار ترامب :

  1. من التداعيات المباشرة المحتملة للاندفاعة الامريكية في الشرق الاوسط باتجاه فرض وقائع نهائية للقضية الفلسطينية والعبث بقضية القدس ذات الحساسية الدينية والثقافية ، انها ستحدث صدمة او كيا للوعي الفلسطيني والعربي لا يقل خطورة عن اقامة دولة اسرائيل عام 1947 ، ان الحالة الفلسطينية والعربية تفتقر الى روافع سياسية وفكرية وتنظيمية في الوقت الراهن ، تمكنها من المواجهة ، او تامين مشروعية وقدرة لاستعادة دور قيادي يلقى قبولا من الشارع ،
  2. والتقديرات الاولية في المدى المنظور، ان من البدهي في السياسة ، القول ان قوى جديدة / قديمة ستسعى لالتقاط الفرصة ومليء الفراغ الذي أحدثه الزلزال المقصود ، ففي الاقليم تبدو طهران وانقرة واسرائيل هي الأطراف المرشحة للتعاطي مع تداعيات السياسة الامريكية الجديدة وحماية مصالحها والمجال الحيوي لامنها القومي ، وهناك ما يغري ويستدعي هذا الدور للاطراف الثلاثة ، باستمرار الحرب الاهلية والفوضى وانهيار الدولة في عدد من البلدان ، او صيغ دولاتية هشة لا تمتلك مشروعا قوميا للمنطقة في عدد من البلدان وانهيار منظومة الامن والدفاع القومي الموحد ، ومعها الدور الهزيل للجامعة العربية وعجزها عن تامين الحد الادنى من الفاعلية في حل اي من النزاعات العربية الداخلية .وعلى  المقلب الاخر ، فان الحالة العربية والفلسطينية الراهنة تستدعي ايضا قوى راديكالية متطرفة في الشرق الاوسط ستسعى  لإعادة انتاج ذاتها بعد الضربات التي تلقتها في العراق وسوريا من بوابة الاقصى ومدينة القدس والقضية الفلسطينية ، ومن غير المستبعد ان تجد السلفيات الجهادية المختلفة حلفاء جدد في بعض التيارات القومية واليسارية العربية التي تتشارك في النقمة على الانظمة والعداء لأمريكا ، ما يعني اعادة إنتاج حالة الفوضى والاضطراب في الشرق الاوسط، وتهديد ما تبقى من الدول العربية واشغالها في حروب داخلية وذات طابع ديني متطرف يستمر لسنوات طويلة. وتذهب بعض التقديرات أن هذا بالضبط أحد أهداف القرار الامريكي الذي استهدف القدس بكل ما تحمله من أبعاد دينية وقومية، فهي المدخل لاعادة انتاج ما يعرف بالحرب على الارهاب والتي يقدر وزير الدفاع السابق ليون بانيتا  (اكتوبر2014) بانها قد تستمر لثلاثين عاما قادمه 5*

كان الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة والجولان أحد الموضوعات التي استند إليها الجهاديون لترويج سردية الضحية الإسلامية،ضد الاخر الكافر . لهذا فليس من المستغرب أن تتعامل فروع القاعدة ومصفوفة طويلة من الحركات الاسلامية المعتدلة والمتطرفة شيعية وسنية في جميع أنحاء العالم مع القرار الامريكي حول القدس باعتباره “حربا على الاسلام” .اما تنظيم الدولةالاسلامية المعروف بداعش فاختار مهاجمة الحركات الاسلامية الاخرى”التي تتاجر بالقضية الفلسطينية خدمة لاجنداتها الخاصة “، وبحسب بيان داعش فأن “التركيز يجب أن يكون بدلا من ذلك بالعمل الجاد على هزيمة الدول العربية التي تحيط باسرائيل،كالسوار بالمعصم وتحمي اليهود من ضربات المجاهدين”

  1. اضعاف الدول العربية المركزية المعتدلة وخاصة السعودية، التي قدمت الخطوة الامريكية زادا اضافيا لخصمها اللدود ايران يقول اندرو لوبين الباجث الزائر في معهد امريكان انتربرايز ” بينما تدعي الولايات المتحدة انها ستصعد إجراءاتها ضد ايران، نعلن اننا لسنا وسيطا نزيها في عملية السلام “، ويمكن لطهران القول” ان السعوديين والولايات المتحدة باعوا المصالح العربية التقليدية للمصالح الاسرائيلية “.7*
  2. ستكون الدول المعتدلة الهدف الاول لتيارات التطرف والتخوين ولن تسلم منها تيارات العقلانية والواقعية في العالم العربي التي ستشهد انكفاء وتراجعا في دورها ومكانتها في المنطقة العربية، ولا تستبعد بعض التقديرات الغربية ان تشكل هذه الصدمة الامريكية لحلفائها في المنطقة ، تباطؤ عمليات التحديث والتنمية ودمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية ، وإعادة استدعاء التيارات الدينية  لتكون سندا وداعما للأنظمة في وجه المتغيرات الجديدة ومنافسة خطاب الجوار التركي – السني ، والايراني- الشيعي  وامتداداتها السياسية والمذهبية  .
  3. إن حالة الفوضى غير الخلاقة المتوقعة في الشرق الاوسط وحالة الاستقطاب الحاد على اساس ديني وقومي ، من شانها اشعال الاضواء في العواصم الاوروبية، التي ستكون الاقرب الى تداعيات هذه الفوضى، بالهجرة والارهاب، ما يعطي دفعا للتيارات القومية المتطرفة في اوروبا والداعية الى الانعزال ورفض الهجرة للمهاجرين من  الشرق الاوسط والبلدان الاسلامية، وتراجع قوى العولمة والاعتدال ، وتكشف ردود فعل العواصم الاوروبية الرئيسية منفردة ومجتمعة ، الرافضة لقرار الادارة الامريكية استشعارا بالمخاطر التي يحملها على القارة والسلم والاستقرار الدولي

الموقف الفلسطيني:

على الرغم من حالة الضعف والانقسام الفلسطيني ، وهزالة السلطة وعزلتها شعبيا ،  الا انها لا زالت  تشكل رافعة اساسية لحالة استنهاض عربي ودولي ، فهي في وضع لا تحسد عليه ، اذ عليها الرد سياسيا على اقتراح شطبها ومعها الحقوق الفلسطينية الثابتة دون التخلي عن دورها كممثل شرعي للفلسطينين ، وفي ذات الوقت مواجهة الضغوط الشعبية التي تطالب القيادة   بالاستقالة من دورها و “تسليم مفاتيح السلطة للاحتلال ليتحمل مسؤولياته ” ، وهي فكرة ساذجة ترددها قوى على هامش العملية السياسية او قوى اسلامية وجهادية تعتقد ان ذلك قد يوفر بيئة ثورية وإلتحام مباشر بين الشعب والاحتلال ، باعتبار” ان فكرة الثورة والمقاومة مفتوحة نحو السماء ولا يرتبط نجاحها بظروف موضوعية و بيئة إقليمية ودولية تدعمها” .

ان السلطة الفلسطينية لا تملك من خيارات واقعية غير التمسك بحل الدولتين باعتباره المخرج الوحيد المتاح في الوقت الراهن لمازق الصراع التاريخي بين شعبين وهو الحل الذي يمتلك تأسيسا قانونيا دوليا ودعما اقليميا ودوليا ، لان البدائل الاخرى ( حل الدولة الواحدة او دولة ثنائية القومية ) تحتاج الى سياقات اخرى في البيئة الدولية والاقليمية  . بمعنى اخر ، فان مغادرة مسار السلام بصيغته الراهنة بعد استقالة الراعي الامريكي ، لصالح صيغة جديدة ، لا تدعي الورقة ان ان لديها افقا النجاح بقدر ما هي في احسن الاحوال مناورة لاستثمار  الوضع الاقليمي والدولي ليشكل عامل إعاقة الاندفاعة الامريكية – الاسرائيلية التصفوية للقضية الفلسطينية . لان المواقف الانفعالية والمستقيلة من دورها ، من شانها تسهيل القفز عن اي تمثيل حقيقي للفلسطينيين لصالح هياكل واطر سيترحم الفلسطينيون معها على روابط القرى و سيضطرون  يوما ما اعادة الاعتبار  لمصطفى  دودين مؤسس تلك الروابط ونعته الفلسطينيون بالخيانة في حينه .

 ان التمسك بالمسار السياسي والسلمي للصراع ، من شانه المحافظة على الحد الادنى من قوة الدفع والتماسك في المواقف العربية والدولية لان لا خيارات وبدائل امامها . وقد يكون من الاهمية بمكان اعادة طرح صيغة مؤتمر دولي تحت مظلة الامم المتحدة وقراراتها الناظمة، بعد تدمير الادارة الامريكية أسس عملية السلام ،وهو فرصة للطرف الفلسطيني للتحلل من اتفاقات اوسلو التي انهت عملية السلام عام 2000، والتي وفرت الارضية لتدمير عناصر القوة الفلسطينية  وسمح للاحتلال بالتوسع في الاستيطان في الاراضي الفلسطينية وتهويد القدس.

 بعد الاعتراف الامريكي بالقدس عاصمة للدولة اليهودية ، يمكن للفلسطينيين العمل الواقعي لتصويب عملية السلام والمفاوضات بالعودة الى المبادئ الاساسية وهي العدالة والمساواة وحق تقرير المصير وهي المبادئ التي باتت جزءا أساسيا من ثقافة العصر، لا يمكن العبث بها،.

ولعل البند االرئيس في اتفاقات  أوسلو، باعتراف منظمة التحرير بدولة اسرائيل،  بات اليوم موضع مراجعة جوهرية ومشروعة  ،  لوضع الاعتراف في سياقه الصحيح ، اعتراف دولة مقابل دولة واقتسام القدس كعاصمة لكيانين .

هل يمكن القول ان عوامل النجاح في وقف الاندفاعة الامريكية ممكنة موضوعيا  ، خاصة وان طرفي االانقسام  فتح وحماس ، لديهما من الدوافع والاسباب للدفاع عن بقائهما كقوى اساسية في المشهد الفلسطيني ، وكلاهما يعيش اليوم أزمة بنيوية وسياسية خانقة ، تجبره على تجاوز التحفظات السابقة على مسار المصالحة والدخول في تسويات تشمل الاطار القيادي الموحد واعادة بناء المنظور السياسي على اسس جديدة . لكن ذلك مرهون باستمرار الهبة الشعبية الشاملة في الاراضي المحتلة ، لأطول فترة ممكنة ، بما يمنع  طغمة الفساد المتزاوج من رأسمال الطفيلي، من اعادة انتاج مسار يتواءم مع المناورات الجديدة للادارة الامريكية ومعها اسرائيل ، التي ستدفع بمجموعة من الاقتراحات التي تسهل حياة المقدسيين ، وتنعش الاقتصاد في الضفة الغربية .

لهذا تعول الورقة كثيرا على الإجماع الذي تحقق على ضرورة استنهاض الموقف الفلسطيني الموحد ، مهما كانت اكلافة باهظة وفي مقدمتها ، الاضطرار لتقديم حبل النجاة للقيادة الفلسطينية التي تسببت براي معارضيها على مدار العقد الماضي في تفكك الحالة الوطنية  الكفاحية وشجعت الاطراف المعادية على البدء بهجومها التصفوي بهذه الصفاقة والوضوح , ان من شان تماسك الموقف الفلسطيني ووحدة قواة السياسية والاجتماعية ان يشكل الرافعة الاساسية لاستنهاض الموقف العربي الرسمي والشعبي  لجهة وقف حالة الانهيار في النظام العربي والتي لن تتوقف بخروج دول اساسية ( العراق وسوريا واليمن وليبيا) من الفاعلية السياسية، والارهاب الذي تعاني منه مصر، وكذا الصراع الخليجي الداخلي، ان استعادة الدور الفلسطيني الفاعل والنشط هو الاساس الذي يمكنه عرقلة مشروع القوى الارهابية و الراديكاليات العربية بكل تعبيراتها ، من اخذ  زمام المبادرة، في أكثر من منطقة بما فيها المناطق الفلسطينية المحتلة ،  فالعودة الى استراتيجية الحرب على الارهاب من هذا المدخل  ، هو الهدف الرئيسي للمشروع الاسرائيلي الامريكي في هذه المرحلة

الخلاصة :

  • إن إعادة صياغة الموقف والبرنامج الفلسطيني الموحد بعيدا عن اتفاقات اوسلو، والمؤسس على قرارات الشرعية الدولية وتحت مظلة الامم المتحدة، ليس مصلحة فلسطينية فقط وانما هو الرافعة للمساعدة في موقف عربي يستعيد قواسم الحد الادنى، لان من شأن المساهمة في استعادة تماسك الموقف الفلسطيني والعربي حرمان قوى التطرف والارهاب والطامحين الإقليميين من موطئ قدم ، مدخله البوابة الفلسطينية والاقصى والقدس على وجه التحديد.
  • لقد قدم ترامب بخطوته التاريخية ، خدمة كبيرة لجهود اعادة القضية الفلسطينية في ابعادها العميقة الى مركز اهتمام عربي ودولي، فلم يسبق ان استشعر العالم خطورة تدمير عملية السلام في الشرق الاوسط، على الامن والاستقرار الدوليين
  • ان الجهد الفلسطيني والعربي والدولي في مواجهة الخطوة الامريكية ، والذي اظهر حركية ملفته ، من شانه عزل ادارة الرئيس ترامب دوليا وتعميق ازمته الداخلية ،واستنهاض الاصوات المتزايدة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي التي جاهرت في تحذيرها من خطورة قرار الرئيس في تأجيج الصراع في الشرق الاوسط من بوابة الرموز الدينية والتاريخية والثقافية العميقة وتصاعد العداء للولايات المتحدة بما يهدد مصالحها وامن مواطنيها .
  • من الاهمية بمكان الحفاظ على مستوى منضبط من حركة الاحتجاج الفلسطينية وتنويع اشكالها وصولا الى العصيان المدني الرسمي والشعبي في العلاقة مع الاحتلال ، فالانزلاق الى العنف المسلح هو الغاية الاسرائيلية الاولى ، فيما الاحتجاج المدني السلمي من شأنه ابقاء ديمومة التحرك العربي والدولي ، وحشر تل ابيب وواشنطن في الزاوية الصعبة .
  • مدير المركز العربي تقدم للسياسات – لندن

مراجع وروابط ذات صلة :

1* هناك ما لا يقل عن 50 مليون من الإنجيليين في أمريكا الذين، وفقا للبحث، مقتنعون بالحقيقة الحرفية للنبوءة التوراتية. ووجد مسح أجري مؤخرا أن 82 في المائة من الإنجيليين البيض يعتقدون أن الله أعطى إسرائيل للشعب اليهودي؛ وهي قناعة تتقاسمها نسبة 40 في المائة فقط من اليهود الأمريكيين. ومن بين هؤلاء الإنجيليين من يؤمن  بنبوءة “يوم القيامة ” التي تثبت سيطرة اليهود على كل القدس، وليس لليهود من خيار سوى تبنى المسيحية أو الموت من غضب الله.

http://www.independent.co.uk/voices/jerusalem-donald-trump-israel-capital-decision-reason-why-evangelical-voters-us-fear-a8099321.html

* “يذكرنا قرار القدس بالتأثير الملحوظ الذي حظيت به النظرة العالمية الأصولية المسيحية على السياسة الخارجية للجمهوريين على مدى العقود الأربعة الماضية، ولا سيما آراء الصهاينة المسيحيين الذين يعتقدون أن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة تتماشى مع إرادة الله، و النبوءة التوراتية.” معهد بروكينغز : https://www.brookings.edu/blog/markaz/2017/12/15/trumps-jerusalem-decision-is-a-victory-for-evangelical-politics/

2* طرحت واشنطن وتل أبيب مشروع “الشرق الأوسط الجديد” علنا، مع توقع أن يكون لبنان نقطة الضغط لإعادة تنظيم الشرق الأوسط بأكمله، وبالتالي إطلاق العنان لقوى “الفوضى البناءة”. وهي المحرك للعنف والحرب في جميع أنحاء المنطقة – ستستخدم بدورها لتمكين  الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وفقا لاحتياجاتها وأهدافها الجغرافية الاستراتيجية.

Plans for Redrawing the Middle East: The Project for a “New Middle East”

3* https://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2017/11/palestine-reconciliation-abbas-lift-sanctions-gaza.html

4* 1 *  تصريحات تسعة سفراء للولايات المتحدة في اسرائيل التي حذرت من تداعيات قرار الرئيس دونالد ترامب حول القدس : https://www.nytimes.com/2017/12/07/world/middleeast/israel-jerusalem-ambassadors-state-trump.html

5* l مقال رشيد الخالدي في صحيفة ذا نيشن :

https://www.thenation.com/article/after-jerusalem-the-us-can-no-longer-pretend-to-be-an-honest-broker-of-peace/

6* لقاء ليون بانيتا حول الحرب الطويلة على الارهاب في صحيفة (يو اس تودي )

. https://www.usatoday.com/story/news/politics/2014/10/06/leon-panetta-memoir-worthy-fights/16737615/

7* مقال لوبين في مجلة معهد أمريكان انتربرايز

www.ft.com/content/f9802a74-db5e-11e7-a039-c64b1c09b482

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.