الملف اللبناني: ترامب يساند اسرائيل ويعترض نتنياهو
امير مخول – مركز تقدم للسياسات، لندن.
تقديم: أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الأول من يونيو، عن تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان على وضعه الراهن، مؤكداً موافقة إسرائيل وحزب الله على الالتزام بهذا الوقف، وعدم اعتداء أيٍّ منهما على الآخر. وأشار إلى أنه أجرى اتصالاً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأن القوات الإسرائيلية ستتراجع عن حربها في بيروت، وأن الطائرات التي كانت متجهة إليها قد أُعيدت. وبحسب المصادر اللبنانية، فإن حزب الله أبدى موافقته على وقف إطلاق النار في مقابل امتناع إسرائيل عن قصف الضاحية الجنوبية لبيروت.
القراءة :
جاء إعلان ترامب في خضمّ تصعيد بالغ الخطورة، كان من شأنه، لو لم يُوقف في حينه، أن يتحول إلى اجتياح إسرائيلي شامل للأراضي اللبنانية، وأن تتحول الجبهة الشمالية إلى منطلق لحرب واسعة تطال العمق الإسرائيلي، فيما كان لبنان شعباً ودولةً يواجه مخاطر جسيمة تهدد سيادته ووحدة أراضيه.
في هذا السياق، نشر نتنياهو تغريدة أكد فيها أنه أبلغ ترامب بأن إسرائيل ستستأنف ضرباتها على بيروت إذا واصل حزب الله استهداف المدن والمواطنين الإسرائيليين، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته العسكرية في جنوب لبنان.
كما شهدت الأيام التي سبقت الإعلان تصعيداً نوعياً ملحوظاً، إذ باتت الجبهة اللبنانية تحتل الصدارة في اهتمام المجتمع الإسرائيلي والرأي العام الداخلي، لا سيما أنها تُشكّل حرب استنزاف مقلقة من حيث ثقلها البشري والمادي. وقد تصاعدت موجة الغضب الشعبي تجاه الحكومة الإسرائيلية التي يُحمَّلها الاسرائيليون مسؤولية الإخفاق الأمني.
في المقابل، وعقب جولة تفقدية أجراها نتنياهو على الجبهة الشمالية في الحادي والثلاثين من مايو، أصرّ على أن الجيش يحقق إنجازات ميدانية كبيرة، وأن الحسم العسكري بات قيد التنفيذ. وتوقف الإعلام الإسرائيلي عند تصريحه ومفاده بأن إسرائيل ماضية في مسار القضاء على حزب الله وتوسيع نطاق عملياتها في لبنان، غير أن ذلك “سيستغرق وقتاً”. كما هدد وزير الأمن يسرائيل كاتس بقصف بيروت رداً على أي استهداف لمدينة كريات شمونة.
– المتغيرات والملفات المتشابكة: الحسابات الإسرائيلية بين طهران والشمال
ترصد وسائل الإعلام الإسرائيلية التحذيرات الإيرانية من أن استمرار التصعيد على الجبهة الشمالية مع لبنان سيعرقل أي اتفاق أمريكي-إيراني لوقف الحرب. وهذا الربط الإيراني يعكس استراتيجية واضحة لاستخدام قدرات حزب الله كورقة تفاوضية. في المقابل، يتحاشى المستوى السياسي الإسرائيلي هذا الربط، خشية أن يُقرأ داخلياً كصورة للهزيمة السياسية وتراجع الردع، حيث يعني القبول به أن القرار الإسرائيلي بات رهيناً بمسار مفاوضات لا تسيطر عليه تل أبيب.
– قلعة الشقيف: بين الرمزية والأثر الاستراتيجي
يتواصل النقاش الإسرائيلي حول قلعة الشقيف: هل هي موقع استراتيجي أم مجرد رمز معنوي؟ يعود هذا النقاش إلى عام 1982، حين فوجئ بيغن وشارون بأن 37 مقاتلاً فلسطينياً تحصنوا في القلعة قاتلوا حتى آخر رمق، في مشهد صنفته الأدبيات العسكرية الإسرائيلية كإخفاق. وقد سُلّمت القلعة لميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي انهارت عام 2000، تاركة القلعة شاهداً على محدودية الأثر الاستراتيجي للاحتلال في غياب مشروع سياسي.
التقدير اليوم ان احتلال القلعة يكتسب ثقلاً معنوياً لسببين: أولاً، في إطار حرب الرواية، وثانياً، لأن نتنياهو يبحث عن أي “صورة انتصار” لتعويض إخفاقاته. لكن السؤال: هل ستكون القلعة هذه المرة مختلفة؟
في المقابل، تشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن الهدف الاستراتيجي الفعلي يتمثل في مدينة النبطية وتلّتها المحيطة، إضافة إلى السعي لتفكيك المخيمات الفلسطينية في لبنان، ضمن مخطط أشمل لتصفية القضية الفلسطينية بعد استهداف المخيمات في غزة والضفة وملاحقة الأونروا.
الخلاصات:
1. الصدمة الإسرائيلية من إعلان ترامب:
قُوبل إعلان ترامب بوقف إطلاق النار بصدمة واسعة في الأوساط الإسرائيلية الرسمية والأمنية والشعبية على حدٍّ سواء. ويُكرّس هذا الإعلان نمطاً متكرراً من مصادرة القرار الإسرائيلي السيادي، مما يُضعف نتنياهو الذي يرى فيه كثيرون مكسباً إيرانياً في معادلة التجاذب مع واشنطن.
2. المعادلة الراهنة: مكاسب إسرائيلية مع هشاشة بنيوية:
إن ربط وقف إطلاق النار بالامتناع عن قصف الضاحية يُشير إلى أن المشهد الميداني في لبنان يميل إجمالاً لصالح إسرائيل، ويُرسّخ تمركزها العسكري في الجنوب، بل يُخرجه عملياً من نطاق اتفاق وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى. وإن كانت الجولة السابقة من وقف النار قد استثنت البقاع وبيروت من العمليات، فإن الصيغة الراهنة تُقنّن استمرار العمليات في الجنوب وتعزز الوجود العسكري الإسرائيلي فيه. غير أن هذه المعادلة تبقى هشّة في جوهرها، لا سيما أن الجولة السابقة شهدت غارات مستهدفة على الضاحية تحت مسمى “الاستهداف العيني”.
3. مغزى خطاب “الانتصار الذي يحتاج وقتاً”
تصريح نتنياهو بأن الحسم الإسرائيلي “يحتاج وقتاً” ينطوي على مخاطر سياسية داخلية جسيمة، إذ يدعو الإسرائيليين ضمنياً إلى التهيؤ لحرب استنزاف مطولة وقاسية، في غياب أي مؤشرات على حسم عسكري وشيك، وانعدام أي أفق سياسي. ويزيد الطين بلّة أن الرأي العام الإسرائيلي بات يُطلق على هذه الحرب تسمية “حرب وقف إطلاق النار”، في دلالة صريحة على تراجع الثقة بالحكومة وأسلوب إدارتها للصراع وخضوعها للإملاءات الأمريكية.
4. الأولوية الأمريكية: إيران أولاً، لبنان لاحقاً.
يتجلى من تصريحات ترامب أن الإدارة الأمريكية تُقدّم الملف الإيراني على سواه، وتسعى إلى إغلاقه قبل التفرّغ للملف اللبناني الذي يكتسب ثقلاً متصاعداً في سلّم الأولويات الأمريكية في المنطقة. وواشنطن تقف خلف المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية وترعاها، ولن تترك زمامها في يد نتنياهو.
5. الحسابات الانتخابية لنتنياهو.
يبدو أن نتنياهو يتكبّد خسائر سياسية وانتخابية متراكمة جراء رهانه على الملف اللبناني غير القابل للحسم العسكري. وقد تكون إدارة ترامب معنية بذلك فعلاً، سعياً إلى هندسة المشهد السياسي الإسرائيلي الداخلي بما يخدم أولوياتها الاستراتيجية بدلاً من حسابات نتنياهو الشخصية.
6. تغييب السيادة اللبنانية عن المعادلة.
من اللافت للنظر أن معظم التصريحات الأمريكية والإيرانية على حدٍّ سواء لا تُشير من قريب أو بعيد إلى سيادة الدولة اللبنانية، مما يكشف عن نظرة قد تُقصي لبنان من معادلة القرار المتعلق بمستقبله.