المخابرات السورية في اجتماع أمني دولي في نيويورك: القراءة والتداعيات
وحدة الدراسات الإقليمية، مركز تقدم للسياسيات – دمشق – لندن
تقدير موقف.
تقديم:
اهتم مجتمع الاستخبارات الدولي بمشاركة رئيس جهاز المخابرات العامة السورية في المؤتمر الرابع رفيع المستوى لرؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب التابع للأمم المتحدة في نيويورك. وتكتسب المشاركة أهمية خاصة لكونها أول حضور لمسؤول أمني سوري بهذا المستوى في محفل استخباراتي أممي منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا، وفي ظل حديث متزايد عن إعادة بناء العلاقات الأمنية بين دمشق وعدد من الدول الغربية. وتثير هذه المشاركة تساؤلات حول حدود الانفتاح الدولي على الأجهزة الأمنية السورية الجديدة، وما إذا كانت تمثل مجرد تعاون فني في مكافحة الإرهاب أم بداية إعادة دمج تدريجية لسوريا في منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
في المعطيات:
• في 29 و30 يونيو/حزيران 2026، شارك رئيس جهاز المخابرات العامة السورية، اللواء حسين السلامة، في المؤتمر الرابع رفيع المستوى لرؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب التابع للأمم المتحدة في نيويورك.
• مثّلت هذه المشاركة أول حضور رسمي لرئيس جهاز المخابرات السورية في مؤتمر أممي من هذا المستوى، وجاءت بعد تداول تقارير عن زيارة محتملة إلى الولايات المتحدة، بينما تأكدت المشاركة في نيويورك ضمن أعمال المؤتمر الأممي.
• شارك السلامة كذلك في فعالية جانبية نظمتها البعثة السورية الدائمة لدى الأمم المتحدة بعنوان: “من تهديد موروث إلى قيادة وطنية: نهج سوريا الجديدة في مكافحة تنظيم داعش”.
• في 3 مايو/أيار 2025، عُيّن حسين السلامة رئيساً لجهاز المخابرات العامة السورية خلفاً لأنس خطاب.
• أكد السلامة في كلمته أمام المؤتمر أن سوريا انتقلت إلى مرحلة بناء الاستقرار بعد سقوط النظام السابق، مشدداً على أن دمشق طوت صفحة التطرف، وأن إسرائيل ما تزال تمثل تهديداً للأمن السوري، كما اعتبر أن فلول النظام السابق وحزب الله يشكلان تحدياً أمنياً يتجاوز في بعض جوانبه تهديد تنظيم داعش، مؤكداً في الوقت نفسه أن سوريا تسعى إلى الإسهام في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي.
• ركزت الفعالية الجانبية على عرض المقاربة السورية الجديدة في مكافحة تنظيم داعش، في إطار تقديم رؤية الحكومة الجديدة للتعاون الدولي في مكافحة الإرهاب.
• شارك في المؤتمر عدد من كبار مسؤولي الأمم المتحدة، بينهم وكيل الأمين العام لشؤون مكافحة الإرهاب، إضافة إلى رؤساء وممثلي أجهزة أمنية واستخباراتية من مختلف الدول.
• تناولت جلسات المؤتمر ملفات التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التنسيق بين أجهزة الأمن، ومواجهة تنظيم داعش والتنظيمات العابرة للحدود.
• يأتي انعقاد المؤتمر بعد أشهر من الإعلان، في 6 يناير/كانون الثاني 2026، عن آلية تنسيق أمنية ثلاثية سورية-أميركية-إسرائيلية لتبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد في جنوب سوريا.
القراءة والتحليل:
– لا تكمن أهمية المشاركة في مجرد حضور مسؤول أمني سوري اجتماعاً أممياً، بل في طبيعة المنصة التي شارك فيها. فالمؤتمر يجمع رؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب، وهو من أكثر الأطر الأمنية الدولية تخصصاً، بما يعني أن مشاركة دمشق جاءت باعتبارها طرفاً في النقاشات الأمنية الدولية، وليس باعتبارها موضوعاً للنقاش كما كان الحال خلال السنوات الماضية.
– تعكس المشاركة تحولاً تدريجياً في موقع سوريا داخل منظومة مكافحة الإرهاب الدولية. فمنذ سقوط نظام الأسد، سعت الحكومة الجديدة إلى إعادة تعريف علاقتها بالمجتمع الدولي عبر تقديم نفسها شريكاً أمنياً في مواجهة تنظيم داعش والتنظيمات المتشددة، بدلاً من الصورة التي ارتبطت بالنظام السابق بوصفه مصدراً لعدم الاستقرار أو داعماً لبعض الجماعات المسلحة.
– يشير اختيار عنوان الفعالية الجانبية التي نظمتها البعثة السورية إلى وجود استراتيجية اتصالية وسياسية تهدف إلى تسويق سردية جديدة حول الأجهزة الأمنية السورية، تقوم على إبراز القطيعة مع الإرث الأمني السابق، وتأكيد أن المؤسسة الأمنية الجديدة باتت جزءاً من منظومة مكافحة الإرهاب الدولية.
– حضور رئيس جهاز المخابرات السورية إلى الأراضي الأميركية، حتى وإن اقتصر على نيويورك ضمن إطار الأمم المتحدة، يحمل دلالة سياسية لا تقل أهمية عن دلالته الأمنية. فهو يعكس استعداداً أميركياً للفصل بين الخلافات السياسية التقليدية وبين متطلبات التعاون في الملفات الأمنية، ولا سيما مكافحة الإرهاب، وهو ما ينسجم مع المسار الذي بدأ بعد إعادة فتح قنوات الاتصال بين دمشق وواشنطن.
– استغلت دمشق المؤتمر لتوسيع تعريف مصادر التهديد للأمن السوري، بحيث لم يقتصر الخطاب الرسمي على تنظيم داعش، وإنما شمل أيضاً فلول النظام السابق وحزب الله، إلى جانب استمرار اعتبار إسرائيل مصدراً لتهديد الأمن الوطني. ويعكس ذلك محاولة سورية لإقناع الشركاء الدوليين بأن استقرار البلاد يتطلب مقاربة أوسع من مجرد مكافحة التنظيمات الجهادية.
– تمثل المشاركة فرصة لإعادة بناء العلاقات المهنية مع أجهزة الاستخبارات الغربية والعربية في إطار متعدد الأطراف، وهو ما قد يسهم تدريجياً في استعادة قنوات تبادل المعلومات، وبناء الثقة، ودمج المؤسسات الأمنية السورية في شبكات التعاون الدولي، بعيداً عن العزلة التي استمرت سنوات طويلة.
– لا تعني المشاركة بالضرورة حدوث تطبيع سياسي كامل بين دمشق وواشنطن، بقدر ما تعكس توجهاً براغماتياً يقوم على الفصل النسبي بين التعاون الأمني والخلافات السياسية. ولذلك، يبقى التعاون الاستخباراتي مرشحاً للتوسع بوتيرة أسرع من أي تقارب سياسي شامل، خصوصاً في ظل استمرار الملفات الخلافية المرتبطة بالعقوبات، وإعادة الإعمار، والعلاقات الإقليمية.
الخلاصات:
* تؤكد المشاركة أن الملف الأمني أصبح البوابة الرئيسية لإعادة انخراط سوريا في النظام الدولي، بما يجعل التعاون الاستخباراتي أكثر الملفات قابلية للتقدم مقارنة بالمسارات السياسية والاقتصادية.
* يرجح أن تتوسع قنوات التنسيق الأمني بين دمشق وعدد من الدول خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر الأطر متعددة الأطراف أو من خلال ترتيبات ثنائية تتعلق بمكافحة الإرهاب وأمن الحدود وتبادل المعلومات.
* يمنح الانفتاح الأمني الحكومة السورية فرصة لتعزيز شرعيتها الخارجية، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات الدولية بشأن قدرتها على فرض الاستقرار، ومكافحة التنظيمات المتشددة، وضبط البيئة الأمنية الداخلية.
* تشير المشاركة إلى أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى المؤسسة الأمنية السورية الجديدة باعتبارها طرفاً يمكن التعامل معه مهنياً، وهو تحول قد ينعكس تدريجياً على ملفات أخرى، لكنه لا يعني تجاوز الخلافات السياسية القائمة.
* يعزز الحضور السوري في المحافل الأمنية الدولية قدرة دمشق على عرض أولوياتها الأمنية مباشرة أمام الشركاء الدوليين، بدلاً من أن تبقى هذه الأولويات محصورة في الوساطات أو التقارير الدولية.
* من المرجح أن يتحول التعاون في مكافحة الإرهاب إلى معيار رئيسي تقيس من خلاله الدول الغربية مدى استعدادها لتوسيع الانفتاح على سوريا في ملفات أخرى، بما فيها العقوبات وإعادة الإعمار والاستثمار.
* يوفر الانفتاح الاستخباراتي لدمشق هامشاً أوسع لإدارة ملفاتها الإقليمية، لكنه يفرض في المقابل الحفاظ على توازن دقيق بين متطلبات الشراكة الأمنية مع القوى الدولية والحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
* إذا نجحت الحكومة السورية في تحويل التعاون الأمني إلى نتائج ملموسة في مجال الاستقرار الداخلي، فقد يصبح هذا المسار مدخلاً تدريجياً لإعادة دمج سوريا في مؤسسات النظام الإقليمي والدولي.