المحكمة العليا الإسرائيلية وعتبة شطب المرشحين العرب

أمير مخول، مركز تقدم للسياسات

تقديم: نظرت المحكمة العليا الإسرائيلية يوم 1 أكتوبر بقرارات لجنة الانتخابات المركزية للكنيست بشطب القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، بالإضافة الى شطب كلٍّ من رئيس حزب التجمع الوطني الدمقراطي سامي ايو شحادة والنائب عن الجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة عوفر كسيف. استمرت المداولات نحو عشر ساعات.

استحوذت قضية المرشح الثالث في القائمة المشتركة سامي أبو شحادة على الاهتمام الأكبر كون وضعيته هي الأصعب بعد قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطبه بدعم من رئيس اللجنة القاضي سولبيرغ والذي لا يشارك في التصويت كما هو متبع الا في حالات استثنائية، واستند القرار في اللجنة الى موقف المستشارة القانونية للحكومة. تم الشطب في لجنة الانتخابات يوم 23\9 بناء على طلب تقدم به بن غفير وزير الامن القومي ورئيس حزب عوتسما يهوديت، مستندا الى مقال نشره أبو شحادة يوم 8 أكتوبر 2023 صادقت اللجنة بأغلبية ساحق باعتباره يخالف البند السابع من قانون مكافحة الإرهاب واعتبر المقال دعما للإرهاب ضد دولة إسرائيل في حربها.

بعد انتهاء مداولاتها بصدد ملف أبو شحادة قال رئيس المحكمة العليا ، يتسحاق عميت : “هناك إجماع بين القضاة على أن الكلمات التي كتبها أبو شحادة مقززة. والنتيجة الواضحة هي تأكيد قرار الشطب. نوصي السيد أبو شحادة بإعادة النظر في ترشحه من عدمه، بما يجعل قرارا منمّقاً بصدده من المحكمة العليا في غنىً عنه”. بعد اجتماعات مطولة في حزب التجمع الوطني الدمقراطي قرر الحزب ان يسحب أبو شحادة ترشحه.

سوغ حزب التجمع قراره بما يلي: ” شدد التجمّع على أن القرار لا يشكل تراجعًا عن مواقف الحزب، ولا خضوعًا لحملة التحريض والشطب التي قادها اليمين وعلى رأسه إيتمار بن غفير، كما أنه ليس انسحابًا لسامي أبو شحادة من الحياة السياسية أو من قيادة التجمّع والعمل الوطني. وسيواصل أبو شحادة رئاسة الحزب وقيادته في المعارك السياسية والجماهيرية المقبلة.

وأكد التجمّع أن الرد على الشطب لن يكون بالانكفاء أو الإحباط، بل بالمزيد من التنظيم والمشاركة السياسية، وتقوية التجمّع والقائمة المشتركة، والخروج الواسع إلى صناديق الاقتراع. فمن أراد تقليص حضورنا السياسي وتمثيلنا في الكنيست، يجب أن يواجه مجتمعًا أكثر حضورًا وتنظيمًا وتأثيرًا.”

فيما يتعلق بالملفات الأخرى يبدو قرار المحكمة العليا بردّ طلبات الشطب نافذا.

في القراءة:

البعد القانوني: لو جاء القرار منمقا من المحكمة العليا بالمصادقة على شطب سامي أبو شحادة من قائمة المرشحين للكنيست، لشكّل أساسا أقوى لدى الشرطة والاستخبارات والجمعيات اليمينية الفاشية لملاحقته سياسيا، بما في ذلك استصدار أوامر اعتقال وإجراءات إدارية. فيما عدم قيام المحكمة بإصدار قرارها لا يمنحه حصانة، بل قد يتم اتخاذ الإجراءات ذاتها حتى ولو كانت “عتبة اثبات الادعاءات” أصعب. كما بالإمكان استغلال قرار العليا في حال صدوره من اجل ملاحقة حزب التجمع الذي يرأسه أبو شحادة وكذلك مؤسساته.

بعدٌ آخر للقرار، قانوني سياسي في حال صدر عن المحكمة العليا يتمثّل في إمكانية توسيع استخدامه مستقبلا باعتباره “عتبة ولاء” جديدة لاستيفاء المرشحين العرب للكنيست لتغدو معيارا إسرائيليا جديدا يضاف الى المعايير التمييزية والاقصائية القائمة والتي تعتبرها الأحزاب العربية تطهيراً عرقياً سياسيا. كما سيشكل قرار المحكمة العليا عند صدوره أساسا قانونيا تنفيذياً للملاحقات السياسية ضد القيادات والنشطاء والنشيطات العرب.

على المستوى الشعبي المعنوي، فقد أجمعت أحزاب القائمتين العربيتين على استغلال حالة القهر المنظوماتي كفرصة لرفع نسبة التصويت بين الجماهير العربية الفلسطينية تتجاوز السبعين بالمائة (الانتخابات السابقة كانت 53%)، فيما تبيّن ردود الفعل الشعبية التلقائية مدى الغضب والشعور بالقهر السلطوي للصوت العربي، ليتردد شعار مقابل شطب أبو شحادة “سنشطبهم ونشطب سياساتهم في يوم الانتخابات”

جوهريا، سيكون بإمكان أبو شحادة لاحقا الترشح للكنيست لكونه لم يُدان من المحكمة العليا.

من دلالات مداولات المحكمة العليا:

تشير المداولات الى وجود نظام فصل عنصري قضائي معياري، يحدد معايير قبول المرشحين للكنيست على أساس معايير لا تسري جوهريا على اليهود، لكون الشطب يتم وفقا للبند القانوني السابع ذي الصلة بدعم الإرهاب ضد دولة إسرائيل، ويكفي حالة واحدة كما حدث مع مقال أبو شحادة ولا حاجة لتوفر ما يسمّى كتلة من البيّنات المتتالية التي تشير الى نهج كما يفترض القانون حاليا.

فالانقلاب القضائي الذي قاده ائتلاف نتنياهو منذ وصوله للحكم في ديسمبر 2022 قد نجح وأُنجِزَت مقوماته فعلياً حتى وإن تم تجميد التشريعات التي يستند اليها، اذ قامت المنظومة الحاكمة بعملية التفاف على البنود التي تم ردها اجرائياً لكن ليس جوهرياً.

أقصى اليمين الإسرائيلي ممثلاً بوزير الامن القومي بن غفير ورغما عن وزنه البرلماني المحدود نسبياً بات يسيطر على روح المنظومة ويهيمن بأشكال مختلفة على سير الأمور في الجهاز القضائي والمحكمة العليا. فيما المحكمة العليا شطبت في الماضي مرشحين وقوائم تنتمي الى ذات التيار الكهاني، باعتبارها عنصرية ولا تعترف بالشق الثاني من تعريف إسرائيل يهودية دمقراطية.

صمت نتنياهو المحسوب:

يبدو ان نتنياهو هو المستفيد الأول من مداولات المحكمة العليا يوم 1 أكتوبر للبت في قرارات لجنة الانتخابات المركزية بشطب القوائم العربية والنائبين سامي أبو شحادة وعوفر كسيف. لم يصدر عن نتنياهو شخصيا أي تعقيب على قرار لجنة الانتخابات من تاريخ 23\9 ولا على مداولات المحكمة العليا، ويبدو بحسب مراقبين، ان تبني بن غفير للملف هو نتاج تقاسم وظيفي بين الاثنين.

خطة نتنياهو منذ أكثر من عام ناتجة عن قناعته بأنه لن يكون قادرا على تشكيل حكومة بأية أغلبية في الانتخابات، وبناءً عليه وهذا ما يؤكده رئيس الوزراء الأسبق ايهود براك (واينت) وأحد قادة حزب العمل سابقا ايتان كابل (القناة 12) بأن مسعى نتنياهو هو منع المعارضة الحالية من تشكيل حكومة بديلة. ووفقا لآخر استطلاع أجرته القناة 13 يوم 30 سبتمبر تبيَّن تفوقٌ لكتلة نتنياهو على كتلة المعارضة، دون قدرة أي من الكتلتين تشكيل حكومة بعد الانتخابات. هذا رغما عن أن المعارضة قادرة على الاستناد على دعم خارجي من الأحزاب العربية لضمان حكومة أقلية، لكنها تخشى القلاقل وحملة نزع الشرعية التي من المتوقع ان يشعلها اليمين في حال خسر الانتخابات. بناء عليه فإن نتنياهو قد كسب من مداولات لجنة الانتخابات التي شطبت التمثيل العربي والعليا التي أكدت انها ستشطب سامي أبو شحادة، وحقّق نتنياهو هدفا أساسيا بالنسبة له، وهو نزع شرعية مجمل التمثيل البرلماني العربي من وجهة نظر صهيونية، وبهذا يحاصر المعارضة ويضعها في خانة اللا-خيار سوى حكومة وحدة قومية معه، وضمان اجماع على إلغاء ملفاته القضائية، والالتفاف على لجنة تحقيق رسمية في اخفاق 7 اكتوير 2023. فعليا يجد نتنياهو ضالته في قرارات لجنة الانتخابات حتى وان ألغتها المحكمة العليا وفي شطب المرشح أبو شحادة بمثابة منظومة تقوم بخدمة مخططاته دون أي جهد منه.

في الخلاصة:

– مداولات المحكمة العليا الإسرائيلية في ملف ترشح رئيس حزب الجمع الوطني الدمقراطي سامي أبو شحادة، ودعوته من قبل رئيس المحكمة للانسحاب درءاً لقرار قضائي منمّق من اعلى هيئة قضائية، وما سبقها من قرار شطب القائمتين العربيتين اللتين تنافسان في انتخابات الكنيست، كل ذلك يشير الى تبلور واقع سياسي وحقوقي جديد أكثر تضييقا للحريات الدمقراطية المتاحة للأحزاب العربية. فيما يشكل قرار المحكمة العليا بصدد أبو شحادة لحظة مفصلية في تاريخ القهر السياسي على أساس قومي عنصري.
– ذهنية التطهير العرقي لا تتوقف عند جغرافية فلسطينية واحدة او عند شكل تنظيم واحد، بل ما نشهده هو تطهير عرقي سياسي كما تعرّفه الأحزاب العربية، وما يميزه أيضا هو إخضاع الذهنية الحاكمة للجهاز القضائي وللمحكمة العليا والهيمنة على أدائها.
– من المتوقع ان تشكل قرارات الشطب محفّزا للجمهور العربي كي يرفع نسبة التصويت والمشاركة في الانتخابات تحديا للقهر السلطوي والقضائي.
– من المتوقع أيضا ان يتعرض الجمهور العربي الى حملات مكثفة من الملاحقات الشرطوية والاستخباراتية والاستيطانية ولدرجة فرض مواجهة عنيفة عليه تكبت رغبته في المشاركة في الانتخابات وتغيير السياسات، وإسقاط الحكومة الحالية رغما عن عدم قدرته تحديد هوية الحكومة القادمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.