القرن الأفريقي بين الوساطتين السعودية والتركية:
تقاطع الأجندات مع مصر في معادلة البحر الأحمر
تقدير موقف، وحدة الشؤون الافريقية – مركز تقدم للسياسات
تقديم: تشير التحركات الدبلوماسية خلال شباط/فبراير 2026 إلى مسار إقليمي متشابك تقوده المملكة العربية السعودية، مع انخراط تركي فاعل وتقاطع واضح مع المصالح المصرية، هدفه احتواء التوتر المتصاعد في القرن الأفريقي ومنع انزلاقه إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، خصوصاً بين إثيوبيا وإريتريا، وفي ظل تداعيات الحرب السودانية وتزايد التنافس على البحر الأحمر.
وكانت صحيفة The National الإماراتية) 23 فبراير(تحدثت عن تفاصيل عرض مصري قدمته القاهرة إلى أديس أبابا بشأن موقف مصر من مطلب إثيوبيا بالحصول على منفذ بحري. وأشارت معلومات التقرير أن مصر مستعدة للعمل مع حلفائها الأفارقة للمساعدة في تأمين وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر (منفذ إلى الموانئ) إذا أبدت أديس أبابا مرونة في نزاع مياه النيل وملف سد النهضة.
ورغم اختلاف أدوات الأطراف الثلاثة، فإن التقدير يشير إلى وجود أرضية توافقية سعودية – مصرية – تركية، مدفوعة بحزمة ملفات مترابطة تشمل أمن البحر الأحمر، استقرار القرن الأفريقي، الحرب السودانية، ووحدة الصومال.
أولاً: المدخل السعودي – احتواء التوتر وإعادة ضبط المعادلة:
قادت الرياض تحركاً دبلوماسياً مباشراً عبر زيارتين رفيعتي المستوى إلى أديس أبابا لوزير الخارجية السعودي ونائبه ، ركزتا – وفق مصادر موثوقة – على احتواء التوتر الإثيوبي – الإريتري، وإعادة تفعيل روح اتفاق جدة 2018.
يقوم التصور السعودي على صيغة استثمارية – لوجستية، تتمثل في إنشاء ميناء سعودي في إريتريا يمكن لإثيوبيا استخدامه، بما يحقق توازناً بين:
• تلبية الحاجة الإثيوبية لمنفذ بحري.
• الحفاظ على السيادة الإريترية.
• تعزيز الحضور السعودي في البحر الأحمر.
• منع عسكرة النزاع.
غير أن هذا الطرح اصطدم بشروط ومطالب إثيوبية أوسع تتجاوز مسألة الميناء بحد ذاتها.
ثانياً: الرد الإثيوبي – مقاربة أمن قومي شاملة:
لم يقتصر رد رئيس الوزراء آبي أحمد على رفض الصيغة المقترحة بشأن الميناء، بل وضع مقاربة أوسع تعكس رؤية إثيوبيا للأزمة باعتبارها أزمة أمن قومي مركبة.
1. تقيم اثيوبيا بنية ميناء متكاملة في عصب الارترية وفق اتفاق يخدم المصالح المشتركة، ويتم استئجاره لمدة 99 عاما .
2. شرط الانسحاب الإريتري من المناطق الحدودية في اقليم تيغراي، معتبرة استمرار وجودها انتهاكاً للتفاهمات السابقة وتهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي الإثيوبي.
3. وقف دعم المعارضات المسلحة للنظام في اديس ابابا.
تطالب الحكومة الإثيوبية بوقف دعم أسمرة لفصائل معارضة من قوميتي الأمهرة والتيغراي، وتعتبر هذا الدعم عاملاً يزعزع الاستقرار القومي ويقوّض أي مسار تهدئة حقيقي.
تطرق آبي أحمد أيضاً وبحسب المصادر إلى ما وصفه بخطر تحالف الجيش السوداني الرسمي مع قوى إسلامية متطرفة يصنفها بأنها “إرهابية”، معتبراً أن هذا التحالف يشكل تهديداً للأمن والاستقرار في إثيوبيا والقرن الأفريقي عموماً.
ويعكس هذا الموقف إدراكاً إثيوبياً بأن الحرب السودانية ليست ملفاً منفصلاً، بل متغيراً مؤثراً في بيئة الأمن الإقليمي، خصوصاً في ظل تقاطعات الحدود والممرات اللوجستية.
4. رؤية ترتيبات شاملة:
تقدر مصادر دبلوماسية إلى أن أديس أبابا لا تبحث عن تسوية جزئية تتعلق بالميناء فقط، بل عن ترتيبات شاملة تحفظ مصالحها الاستراتيجية ومستقبلها وأمنها القومي، وكذلك أمن المنطقة برمتها.
بمعنى آخر، تنظر إثيوبيا إلى ملف المنفذ البحري نحو ميناء عصب الارتري كجزء من معادلة أكبر تشمل:
• إعادة ضبط العلاقة مع أسمرة.
• تحييد التهديدات الداخلية.
• منع تطويقها استراتيجياً عبر السودان أو البحر الأحمر.
ثالثاً: الدور التركي – توازن بين إثيوبيا والصومال:
برزت تركيا كعنصر فاعل في المعادلة، خاصة مع زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان إلى أديس أبابا، ودعمه لمساعي إثيوبيا في الحصول على منفذ بحري سلمي.
غير أن أنقرة، بحكم حضورها العسكري والاقتصادي في الصومال، لا يمكنها القبول بترتيبات تمس وحدة الدولة الصومالية، خصوصاً في ضوء مذكرة التفاهم الإثيوبية مع إقليم أرض الصومال، التي اعتبرتها مقديشو مساساً بسيادتها.
وعليه، تميل تركيا إلى صيغة إقليمية توافقية، لا تمر عبر تكريس واقع انفصالي، وتنسجم مع التزامها بوحدة الصومال، ومع أولوياتها في البحر الأحمر، وكذا حرصها في ذات الوقت على علاقات تجارية منتظرة مع اثيوبيا بسوقها الكبير في بلد يصل عدد سكانه الى 130 مليون نسمة.
رابعاً: مصر – تقاطع استراتيجي في أمن البحر الأحمر:
رغم أن ملف سد النهضة لم يكن محورا رئيسيا في اللقاءات السعودية – الإثيوبية الأخيرة وفق المصادر الموثوقة، فإن المصالح المصرية تتقاطع موضوعياً مع الجهد السعودي – التركي في:
• منع انفجار عسكري في القرن الأفريقي.
• الحفاظ على استقرار السودان. بقيادة المؤسسة العسكرية.
• تأمين الملاحة في البحر الأحمر.
• منع ترتيبات بحرية أحادية قد تخلّ بالتوازن الإقليمي.
هذا التقاطع يعزز فرضية وجود تفاهم ضمني بين الرياض والقاهرة وأنقرة حول أولوية الاستقرار الإقليمي، حتى وإن اختلفت الملفات التفصيلية لكل طرف.
التقدير:
1. المبادرة السعودية تمثل الإطار التحريكي الأساسي، لكنها تصطدم بمقاربة إثيوبية أمنية شاملة لا تختزل الأزمة في ملف الميناء.
2. إثيوبيا تربط المنفذ البحري بإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها، بما يشمل انسحاب القوات الإريترية، ووقف دعم المعارضة، وتحجيم تداعيات الحرب السودانية.
3. الدور التركي عنصر توازن مهم، خاصة في ضوء ارتباطه بالملف الصومالي، ما يجعله رافعة محتملة لحل متعدد الأطراف.
4. ثمة تقاطع سعودي – مصري – تركي في حماية أمن البحر الأحمر ومنع تمدد الفوضى السودانية، ما يعزز فرص التنسيق الإقليمي.
5. نجاح المسار يتوقف على الانتقال من معالجة ملف الميناء إلى معالجة البيئة الأمنية الأوسع التي تصر أديس أبابا على إدراجها في أي تسوية.
الخلاصة:
**لم تعد أزمة المنفذ البحري الإثيوبي قضية لوجستية فحسب، بل باتت جزءاً من معادلة أمن قومي إثيوبية شاملة، تتداخل فيها ملفات تيغراي وإريتريا والسودان والبحر الأحمر.
**تسعى السعودية إلى هندسة تسوية تدريجية تبدأ بالميناء كمدخل للتهدئة، بينما تطالب إثيوبيا بترتيبات أوسع تضمن أمنها الداخلي والإقليمي. وفي الخلفية، تتقاطع المصالح السعودية والمصرية والتركية في منع انفجار إقليمي جديد في القرن الأفريقي.
**يبقى التحدي الأساسي في ما إذا كان بالإمكان تحويل مقاربة “الميناء أولاً” إلى تسوية أمنية شاملة تستجيب للمخاوف الإثيوبية، أم أن تعقيد الملفات المتداخلة سيُبقي المنطقة على حافة توتر طويل الأمد في واحدة من أكثر البؤر حساسية في الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر.
** كان لافتا ان تبدا قصة المبادرة المصرية تجاه اثيوبيا من موقع اماراتي ناطق بالإنكليزية، وتوالت ردود الفعل التي نقلت الخبر عن الصحيفة، وما بدد الشكوك حول مصداقية التقرير في الصحيفة التي تصدر من أبو ظبي. ، ان الإمارات تتمتع بعلاقات جيدة مع مصر وأثيوبيا. وتقول مصادر الصحيفة التي لم تؤيدها اية مصادر رسمية ان القاهرة تعرض على أديس أبابا التوسط لحصول إثيوبيا على منفذ بحري على البحر الأحمر.
** وتصف تداعيات تقرير الصحيفة العرض المصري بانه تضمن مقايضة مشروطة بتخلي إثيوبيا عن سياساتها بشأن نهر النيل وخططها للسيادة على شريط من سواحل البحر الأحمر.