الفلسطينيون في لبنان: نزع السلاح والحقوق المدنية

ورقة سياسات

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات

ملخص تنفيذي

– الفصائل الفلسطينية تستجيب بشكل تدريجي لقرار حكومة بيروت وفق اتفاق مع السلطة الفلسطينية بتسليم سلاح المخيمات الثقيل.
– تعود مسألة الحقوق المدنية والسياسية لفلسطينيي لبنان كمسار طبيعي لانتقال الوجود الفلسطيني من وضع فصائلي إلى وضع مدني.
– يصطدم تطوّر العلاقة بين الدولة اللبنانية والوجود الفلسطيني مع واقع لبنان الطائفي وهواجس الديمغرافيا واختلال التوازنات الداخلية.
– تحوّلات إقليمية ودولية وراء مسار تسليم السلاح الفلسطيني في لبنان، ونفس تلك التحوّلات تدفع باتجاه تعزيز الحقوق المدنية الفلسطينية في لبنان.
– إحصاء يكشف محدودية الكتلة الديمغرافية الفلسطينية في لبنان مقارنة بأرقام سابقة، ما من شأنه إقناع التعددية اللبنانية بتواضع أثر الاندماج الفلسطيني على التوازن الطائفي في البلد.

تقديم:

بعد أن بدأت الفصائل الفلسطينية بتسليم أسلحتها الثقيلة في مخيمات لبنان (بناءً على قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة واتفاق جرى بين الرئيسين اللبناني والفلسطيني)، تنصب بعض الدراسات والخطط على استشراف مستقبل الوجود المدني الفلسطيني. ويندرج نقاش هذه المسألة أخذًا بالاعتبار القيود والمحددات التي يفرضها النظام السياسي اللبناني وسماته الطائفية، كما رفض التوطين كمادة داخل الدستور اللبناني. لكن سياق نزع السلاح الثقيل يفرض على الطرفين، الفلسطيني واللبناني، الاهتداء إلى معادلة تمنح فلسطينيي لبنان حقوقًا مدنية لطالما كانت كيفيتها مزاجية متغيّرة مع كل حكومة ومرحلة.

إشكالية الإحصاءات:

يُشكل وضع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان قضية معقّدة تجمع بين الجوانب الإنسانية والقانونية والسياسية. وفقًا لإحصاء رسمي أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بالتعاون مع إدارة الإحصاء المركزي اللبناني عام 2017، يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حوالي 174 ألف شخص، موزعين على 12 مخيمًا و156 تجمعًا فلسطينيًا، مع تركيز في مناطق مثل صيدا (35 بالمئة)، والشمال (25 بالمئة)، وصور (15 بالمئة). ويُستدل من هذا الإحصاء أن العدد قد تدنَّى منذ ذلك الحين بالنظر إلى ارتفاع مستوى الهجرة خلال السنوات الماضية.
وقد أثار هذا الإحصاء ردود فعل غاضبة ومشكّكة من قبل التيارات السياسية الطائفية التي تعتبر أن نتائج الإحصاء أقل من واقع عدد الفلسطينيين في البلد، كما اعتبروا أن الهدف من تقليص الأرقام هو التمهيد لتوطين الفلسطينيين في لبنان.
ووفق هذه المزاجية في تعامل الدولة اللبنانية والتيارات السياسية اللبنانية مع اللاجئين الفلسطينيين، تواجه هذه الشريحة الديمغرافية الاجتماعية تحديات متعددة، أبرزها الحرمان من الحقوق الأساسية مثل العمل والتملك والوصول إلى الخدمات.
وإضافة إلى ما كشفته الإحصاءات من وجود شامل ينحصر بحوالي 174 ألف نسمة، فإن الإحصاءات تكشف أيضًا أن حجم كتلة العمل داخل المجتمع الفلسطيني اللاجئ تبلغ حوالي 70 ألفًا فقط، وهم يُعاملون كفئة خاصة من الأجانب، مع قيود شديدة على المهن.
يضاف إلى ذلك أن الدولة لا تهتم بتوفير الموارد الأساسية مثل المياه والكهرباء في المخيمات، مما يدفع السكان إلى الاعتماد على الجهود الفردية أو الدعم الدولي. هذا الوضع يجعلهم “على هامش القانون”، وفق وصف الرئيس السابق للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني.
ويكشف هذا الجدل عن حساسية هذا الملف وخضوعه لاعتبارات سياسية قد تشوه واقع الأمر خدمة لأجندات داخلية تعمل على اللعب على الهواجس الطائفية لاحتمال توطين الفلسطينيين وتأثير ذلك على التوازنات الطائفية والسياسية لاحقًا. غير أن التحوّلات الداخلية في لبنان كما التحوّلات الإقليمية الجارية من شأنها فرض معادلات وتوازنات جديدة ترفدها خطط ومشاريع دولية تتعلق بالوضع الفلسطيني العام ومستقبل القضية الفلسطينية.

أعراف ومراسيم لا قوانين:

بدأت قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مع نزوح آلاف الفلسطينيين إثر “النكبة” التي أدت إلى قيام دولة إسرائيل عام 1948، كما استمر النزوح مع الحروب اللاحقة. لكن المفارقة تكمن في أنه على المستوى القانوني، يعاني الفلسطينيون من غياب تشريعات واضحة تنظم علاقة الدولة باللاجئين الفلسطينيين. وفيما أن التشريع هو المنظم الأساسي للحقوق والواجبات، لكن في حالة الفلسطينيين، لا يوجد إطار قانوني محدد.
وتشير المعلومات إلى أن تعامل الدولة اللبنانية مع الوجود الفلسطيني النازح اعتمد على الأعراف أكثر من القوانين، وأن علاقة الدولة مع الفلسطينيين، لا سيما داخل المخيمات، كانت خاضعة لموازين القوى التي تتحكم بالنظام السياسي اللبناني.
فالفلسطينيون عانوا مثلًا من سوء المعاملة في ظل وصاية دمشق (خلال حكم آل الأسد) على القرار في لبنان حين ساءت علاقة هذا النظام مع منظمة التحرير الفلسطينية، لا سيما مع حركة فتح. وإضافة إلى الملاحقات والانتهاكات التي تعرضوا لها، فإن الحكومات الموالية لدمشق وبضغط من النظام السابق فرضت قوانين قاسية لتقييد حرية الفلسطينيين في العمل والسفر وحقوق مدنية أخرى.
أما على مستوى التشريعات، فيسجل الباحثون وجود تشريعين: الأول عام 1948، الذي أنشأ لجنة للاهتمام بالقادمين الفلسطينيين تحت رئاسة بشارة الخوري، والتي تحولت إلى دائرة في وزارة الداخلية. والثاني عقب اتفاق القاهرة عام 1969، الذي شرع السلاح الفلسطيني واعترف باللجان الشعبية لإدارة المخيمات.
ويلفت الباحثون إلى أن غياب تعريف قانوني لـ”اللاجئ الفلسطيني” يجعلهم يُصنفون كـ”أجانب” أو “عرب”، وفي الآونة الأخيرة كـ”حاملي جنسية دولة غير معترف بها”، يحد من حقوقهم. فعلى سبيل المثال، كان الفلسطينيون قادرين على التملك سابقًا تحت حصة العرب، لكن تعديلات عام 2001 قيدت ذلك بشكل كبير، مما أدى إلى سحب حقوق تقليدية. كما أن لبنان لم يوقع على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين عام 1951، ولم يلتزم ببروتوكول الدار البيضاء العربي عام 1965 الذي يمنح اللاجئين حقوقًا مدنية في الدول المضيفة.
ويُعتبر أن هذا الغياب القانوني الواضح جعل تنظيم حياة الفلسطينيين في لبنان يعتمد على مراسيم وزارية وقرارات وزراء، والتي تتغير مع كل حكومة جديدة بناءً على الأهواء السياسية. على سبيل المثال، يغير كل وزير عمل عدد المهن المسموحة للفلسطينيين، مما يضيق أو يوسع فرصهم الاقتصادية.

نزع السلاح والحقوق المدنية:

عاش الفلسطينيون ازدواجية في وجودهم في مخيمات لبنان مستفيدين من خدمات الوكالة الدولية المعنيّة، لا سيما “الأونروا”، من جهة، وخضوعهم من جهة أخرى لأجندات الفصائل السياسية الفلسطينية من داخل منظمة التحرير وخارجها. وارتبط وجود السلاح في المخيمات بتوازنات داخلية فلسطينية وإقليمية.
وقد تعاونت حركة فتح في مسألة تسليم السلاح وعملت مسبقًا بالتعاون مع مخابرات الجيش اللبناني والجهات السياسية المعنيّة، ومنها لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، على دراسة مسار نزع سلاح المخيمات وتداعيات ذلك على الوضع الفلسطيني الأمني والاجتماعي للفلسطينيين. علماً بأن في الذاكرة القاسية أن خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، ترك مخيمات لبنان مكشوفة من دون دفاع وفق ما كشفت المجازر التي ارتكبت في مخيمي صبرا وشاتيلا في سبتمبر من العام نفسه.
وتبرز قضية الأمن كمسألة مرتبطة بمسألة مستقبل الحقوق المدنية. كما أن مسألة تسليم السلاح الفلسطيني مرتبطة بإشكالية تسليم سلاح حزب الله، لا سيما أن بعض الفصائل الفلسطينية، مثل تلك الإسلامية كحركتي الجهاد وحماس، أو تلك التي كانت تدور في فلك النظام السوري السابق، ترتبط بعلاقات سياسية مع الحزب. وفيما تجري عملية تدريجية لتسليم السلاح الثقيل، فإنه لاحقًا سيكون مطروحًا نزع السلاح المتوسط والخفيف الفلسطيني واللبناني بصفته سلاح فتنة في خدمة المواجهات الأهلية الداخلية.
وفيما تروّج أوساط حزب الله لفرضية مقايضة السلاح بتغيير في النظام السياسي اللبناني يتموضع الحزب داخله بشكل أكثر نفوذًا، وهو أمر باتت موازين القوى لا ترجحه، فإنه لم يصدر عن فلسطينيي لبنان أي تلميح بمقايضة تسليم السلاح بحقوق مدنية أو سياسية، على الرغم من أن الانتقال من الوضع الفصائلي إلى الوضع المدني يفرض ذلك.
ويصطدم أي تقدم في معالجة الحقوق المدنية بالواقع السياسي اللبناني المنقسم تاريخيًا بشأن انخراط البلد في القضية الفلسطينية، وهو انقسام أدى في جانبه إلى صدام الجماعات اللبنانية في حرب أهلية دامت 15 عامًا (1975-1990) كان موقع العامل الفلسطيني فيها نسبيًا وهامشيًا على عكس ما تمّ الترويج له خدمة لأجندات داخلية عن مسؤولية الوجود الفلسطيني في تلك الحرب.
ولئن يأتي خطاب اليمين المسيحي السياسي واضحًا في التخوّف من اختلال ديمغرافي لصالح الكتلة المسلمة جراء توطين الفلسطينيين ذوي الغالبية المسلمة، فإن التوترات بين السنّة والشيعة في المنطقة التي تأثرت بسقوط النظام العراقي عام 2003، وتوسّع نفوذ إيران الإقليمي وخصوصًا داخل لبنان، رفعت لدى الشيعة السياسية في الأشهر الأخيرة هواجس مضمرة غير مصرح عنها رسميا من اختلال ديمغرافي لصالح السنّة في لبنان جراء توطين الفلسطينيين بأكثريتهم السنّية. وتتنامى هذه الهواجس بعد سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا وتولي نظام أكثري سني بقيادة الرئيس أحمد الشرع السلطة في البلاد.

خلاصة واستنتاجات:

**تفرض التحوّلات اللبنانية والإقليمية والدولية موازين قوى تفرض على الفصائل الفلسطينية، وبناءً على اتفاق لبناني-فلسطيني، التعاون مع قرار حكومة لبنان حصر السلاح بيد الدولة.
**تجري عملية تسليم السلاح الفلسطيني الثقيل في المخيمات بشكل تدريجي. وتبدي حركة فتح التعاون الكامل من دون معوقات كبرى من قبل باقي الفصائل الفلسطينية.
**يرتبط تسليم سلاح الفصائل الفلسطينية بإشكالية تسليم سلاح حزب الله بسبب الارتباط السياسي لبعض الفصائل الفلسطينية مع الحزب. ومع ذلك لم تظهر حتى الآن معاندة لمسار تسلّم السلاح.
**يربط باحثون ما بين استحقاق تسليم السلاح الفلسطيني واستشراف مستقبل الوجود المدني الفلسطيني وما يعنيه ذلك من حقوق مدنية وسياسية للفلسطينيين.
**يعاني الوجود الفلسطيني في لبنان تاريخيًا من غياب القوانين والتشريعات لتنظيم علاقة لبنان مع الفلسطينيين، واللجوء بدل ذلك إلى أعراف ومراسيم خاضعة للمزاج السياسي وموازين القوى الداخلية والإقليمية.
**يقدر عدد الفلسطينيين في لبنان بحوالي 174 ألف شخص وفق إحصاء 2017، وهو أقل من الأرقام السابقة، مما يقلل من مخاوف التأثير الديمغرافي ويمهد للاندماج.
**يصطدم تطوّر الحياة المدنية وحقوق العمل واندماج الفلسطينيين في لبنان بحاجز طائفي يتخوّف من تطبيع يؤثر على التوازنات الطائفية والمذهبية والسياسية في لبنان.
**يُعتقد أن التحوّلات الجارية بشأن مستقبل القضية الفلسطينية قد تكون عاملًا ضاغطًا على لبنان لتطوير بنيته التشريعية والسياسية لاستيعاب الفلسطينيين خصوصًا بعد أن كشفت الإحصاءات تواضع أعدادهم مقارنة بأرقام سابقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.