العدالة والمساواة والأخلاق: كيف تعيد الحركات الشبابية تشكيل اليسار البريطاني
ورقة سياسات:
حمزة علي/ مركز تقدم للسياسات
مقدمة:
في نهاية الأسبوع 29 مارس 2026، شهدت العاصمة البريطانية لندن مشهداً لافتاً: نصف مليون متظاهر على الأقل في مسيرة واحدة جمعت بين قضايا تبدو للوهلة الأولى متباينة، التضامن مع فلسطين، مناهضة اليمين المتطرف، الدفاع عن حقوق المهاجرين، المطالبة بالعدالة الاجتماعية. لم تكن هذه مجرد تظاهرات متوازية، بل مسيرة موحدة انضمت فيها حركات احتجاجية متنوعة تحت مظلة واحدة.
هذا المشهد يطرح سؤالاً محورياً: كيف اجتمعت حركات كانت تنادي بمكافحة التمييز ضد المهاجرين مع أخرى تطالب بوقف الحرب على فلسطين ولبنان وإيران؟ الجواب يكشف عن تحول عميق في طبيعة السياسة الاحتجاجية المعاصرة. فالجامع بين هذه الحركات لم يعد أيديولوجيا طبقية تقليدية أو برنامجاً حزبياً محدداً، بل مجموعة قيم بسيطة وعابرة للانتماءات: “العدالة، المساواة، والأخلاق السياسية”. هذا التحول يعبّر عن ظهور تيار شبابي جديد عابر للطبقات والأحزاب، يرفض القبول بمنطق “لا بديل” الذي تسوّقه النخب السياسية التقليدية.
غير أن هذا الحشد الجماهيري الهائل لا ينتمي لحزب بعينه، وهنا تكمن المفارقة. فأي قوة سياسية جادة على اليسار عليها أن تسأل نفسها: كيف يمكن تحويل هذه الطاقة الاحتجاجية الهائلة إلى قوة سياسية منظمة قادرة على الوصول للسلطة؟ لفترة وجيزة في صيف 2025، بدا أن الإجابة واضحة: أعلن جيرمي كوربن وزارا سلطانة تأسيس حزب جديد باسم “Your Party” ليكون الوعاء التنظيمي لهذه الطاقة. سجّل 800 ألف شخص اهتمامهم بالانضمام خلال أسابيع. لكن بحلول مارس 2026، كان المشروع قد تفكك بالكامل، وانضم فقط 55 ألفاً كأعضاء فعليين، فيما تحول الحزب إلى ساحة للنزاعات الشخصية والفصائلية.
في المقابل، نجح حزب الخضر البريطاني، بقيادة زاك بولانسكي الذي تولى الزعامة في سبتمبر 2025، في استيعاب جزء كبير من هذه الطاقة. تضاعفت عضوية الحزب ثلاث مرات لتصل إلى 220 ألف عضو، وارتفعت عضوية جناح الشباب إلى 40 ألفاً ليصبح الأكبر في أوروبا. والأهم من ذلك، حقق الحزب فوزاً ساحقاً في انتخابات غورتون ودينتون الفرعية – معقل حزب العمال التاريخي – بنسبة 40.7% مقابل 25.4% لحزب العمال الذي حل ثالثاً.
تحاول هذه الورقة الإجابة على سؤال محوري: لماذا نجح حزب الخضر في التقاط الطاقة اليسارية التي فشل كوربن في تنظيمها؟ وما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة البريطانية للقوى اليسارية في أوروبا والعالم العربي؟
التحليل:
أولاً: حزب العمال وأزمة الوسط السياسي:
لم تبدأ أزمة اليسار البريطاني مع حكومة كير ستارمر، لكن سياساته عجّلت بها وكشفت عن عمقها. منذ تولي حزب العمال السلطة، تراجعت شعبيته بحدّة بين الناخبين الذين يرون أنه عاجز عن معالجة أزمة المعيشة الخانقة. هبط تقييم ستارمر الشخصي إلى 18% فقط في يناير 2026 ، رقم كارثي لرئيس حكومة في السلطة منذ أشهر قليلة.
السبب الجوهري لهذا الانهيار هو أن حزب العمال اختار الانزياح نحو الوسط السياسي لمواجهة صعود حزب “الإصلاح ” اليميني الشعبوي، ما خلق فراغاً واسعاً على يساره. هذا الخيار الاستراتيجي يعكس سوء فهم عميق للحظة السياسية الراهنة. فالناخبون، خاصة من الأجيال الشابة التي لم تعرف في العقد الماضي سوى الأجور الراكدة والإسكان المستحيل والخدمات العامة المتهالكة، لا يبحثون عن “إدارة كفؤة للأزمة”، بل عن قوة سياسية ترفض قبول الأزمة كقدر محتوم.
في بريطانيا اليوم، تحولت المشاعر المناهضة للمؤسسة السياسية التقليدية إلى ظاهرة بنيوية، والحزبان العريقان (العمال والمحافظين) يبدوان كقوالب فارغة فقدت قدرتها على تمثيل طموحات الناس الحقيقية. الخطر الأكبر على الليبرالية المعتدلة ليس صعود اليمين الشعبوي فحسب، بل أن شرائح واسعة من الناخبين باتت تريد تغييراً حقيقياً لا مجرد ترميم تكنوقراطي للنظام القائم.
ثانياً: انهيار “Your Party” — درس قاسٍ في السياسة الشخصانية:
عندما أعلن جيرمي كوربن وزارا سلطانة في صيف 2025 تأسيس حزب جديد، كانت الاستجابة الشعبية مذهلة: 800 ألف شخص سجلوا اهتمامهم بالانضمام. هذا الرقم يعكس حجم الجوع السياسي لدى اليسار البريطاني لبديل حقيقي عن حزب العمال. لكن ما حدث بعد ذلك كان كارثياً. انضم فقط 55 ألفاً كأعضاء فعليين، نزيف يكشف عن فشل ذريع في تحويل الحماس الأولي إلى بناء تنظيمي شبكي – قاعدي.
المشكلة الأساسية كانت في طبيعة المشروع نفسه: بناء حزب على الجاذبية الشخصية لسياسي بعمر 76 عاماً، خسر الانتخابات العامة مرتين، وما زال محاطاً بنفس الأسماء والوجوه التي شهدتها معارك اليسار البريطاني منذ الثمانينيات. بدلاً من تقديم قطيعة مع الماضي، قدّم “Your Party” إعادة تدوير له.
الأسوأ من ذلك هو ما حدث بعد الإطلاق: في غضون أسابيع، اندلعت خلافات علنية بين كوربن وسلطانة، مع تسريبات للصحافة اليمينية وتهديدات قانونية متبادلة. الصراع لم يكن حول رؤى سياسية متنافسة، بل حول نزاعات فصائلية مألوفة: معسكر كوربن أراد بناء “حزب عمال 2.0” عبر مستقلين محليين، فيما طالب فصيل سلطانة بديمقراطية اجتماعية قاعدية أكثر راديكالية. وسط هذه الصراعات، لم يكرس أي من الطرفين جهداً حقيقياً لبناء الحزب على الأرض.
هذا الانهيار ليس مجرد فشل تكتيكي، بل قد يكون فشلاً تاريخياً. الـ800 ألف الذين سجلوا في البداية كانوا يمثلون موجة عفوية نادرة عابرة للأجيال، تبحث عن سياسة يسارية جديدة. مشاهدة هذه الطاقة تتبدد في نزاعات شخصية ومعارك قديمة كانت لحظة مأساوية لليسار البريطاني.
الدرس كان قاسيا، لكنه واضح: اليسار لا يحتاج إلى “نجوم” يعيدون إنتاج نفس الأخطاء القديمة، بل إلى قيادات جديدة قادرة على تقديم رؤية مستقبلية تتجاوز حنين الماضي.
ثالثاً: زاك بولانسكي وتشخيص “الانحدار المُدار”:
في تناقض صارخ مع انهيار مشروع كوربن، نجح زاك بولانسكي في تحويل حزب الخضر من قوة هامشية إلى بديل يساري جاد في غضون أشهر. في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز في مارس 2026، قدم بولانسكي تشخيصاً دقيقاً للحظة السياسية الراهنة عبر مصطلح واحد: “الانحدار المُدار” (Managed Decline).
قال بولانسكي: “الناس لم يعودوا يثقون بقدرة الأحزاب الوسطية على تغيير واقعهم. ما نراه اليوم هو مجرد إدارة للانحدار، لا محاولة لوقفه أو عكسه. القصة التي يروونها لنا هي الأكثر إحباطاً في العالم. وستارمر هو التجسيد الأمثل لهذا المنطق، حتى عندما فاز بأغلبية كبيرة، كل ما سمعناه منه هو أن الأوضاع ستبقى صعبة، وأن التحسن لن يكون ملموساً.”
هذا التشخيص لا يتهم ستارمر بالخبث أو الفساد، بل بشيء أخطر: غياب الخيال السياسي. الناخبون لا يريدون قيادة تدير أزمتهم بكفاءة تكنوقراطية، بل قيادة ترفض قبول الأزمة كقدر لا مفر منه.
هذا التشخيص ليس مجرد شعار، بل يترجم إلى استراتيجية سياسية واضحة: بولانسكي لا يطلب من الناخبين “الصبر والواقعية”، بل يطالبهم بـ”الغضب والطموح”. وفي اللحظة السياسية الراهنة، هذا الطلب الثاني هو الأكثر جاذبية.
نجح بولانسكي في بناء تركيبة سياسية واسعة تجمع بين قضايا تبدو متباعدة لكنها مترابطة في جوهرها: الانسحاب من حلف الناتو، فرض الضرائب على الأثرياء، تأميم المرافق العامة، ونقد صريح لحرب إسرائيل في غزة. الرابط بين هذه القضايا هو الحجة القائلة إن الانهيار البيئي والاستغلال الاقتصادي والظلم الدولي يتشاركون نفس الجذر، منظومة رأسمالية استعمارية، ويتطلبون نفس الاستجابة البنيوية.
هذه التركيبة ليست مجرد مواقف منفصلة، بل سردية متماسكة تخاطب جيلاً جديداً من الناخبين، خاصة الشباب الذين تشكّل وعيهم السياسي عبر أزمات متداخلة: التغير المناخي، جائحة كورونا، أزمة المعيشة، والحرب على غزة.
رابعاً: غورتون ودينتون: كسر احتكار حزب العمال للطبقة العاملة:
في فبراير 2026، أجريت انتخابات فرعية في دائرة غورتون ودينتون — معقل تاريخي لحزب العمال في شمال إنجلترا. النتيجة كانت صادمة: فاز حزب الخضر بنسبة 40.7%، بينما حل حزب العمال ثالثاً بـ25.4% فقط.
هذا الفوز له دلالات استراتيجية عميقة. فالضعف التاريخي لليسار في المناطق الصناعية وما بعد الصناعية كان دائماً الفجوة بين خطابه الموجه للطبقة العاملة وبين قيادته ذات الطابع الحضري المتروبولي والمتعلم جامعياً. حزب الخضر نجح في تضييق هذه الفجوة، ليس عبر حنين عمالي تقليدي على طريقة كوربن، بل عبر سياسة جديدة تلتقي بالناس حيث هم فعلاً.
المرشحة الفائزة، هانا سبنسر، سباكة لم تدرس في الجامعة، قدمت برنامجاً يسارياً واضحاً: أسبوع عمل من أربعة أيام، إلغاء مجلس اللوردات، تفكيك السلاح النووي، مراقبة الإيجارات. في خطاب فوزها، ربطت بين هذه المطالب وبين واقع الناس المعيش: “نظام لم يعد يكافئ العمل، نخبة تستخرج الثروة من مجتمعات لم يبقَ لديها شيء تعطيه.”
هذا الفوز يثبت أن حزب الخضر قادر على المنافسة في معاقل العمال التقليدية، ليس كبديل “أقل سوءاً”، بل كقوة سياسية تقدم رؤية مقنعة للتغيير.
خامساً: الإنجازات والقيود البنيوية:
منذ تولي بولانسكي القيادة في سبتمبر 2025، حقق حزب الخضر قفزات ملفتة:
– تضاعفت العضوية ثلاث مرات لتصل إلى 220 ألف عضو
– ارتفعت عضوية جناح الشباب إلى 40 ألفاً (الأكبر في أوروبا(
– يبلغ متوسط الدعم الانتخابي حوالي 13.5% وطنياً
– استطلاع فبراير 2026 وضع الحزب عند 21% (الأعلى تاريخياً(
– التوقعات تشير إلى فوز 50 نائباً في الانتخابات القادمة
– في نوفمبر 2025، تجاوز الخضر كلاً من العمال والمحافظين في بعض الاستطلاعات لأول مرة
لكن القيود البنيوية تبقى حقيقية. فالتحدي الأساسي هو تحويل “الاهتمام” إلى “التزام انتخابي حقيقي”. فقط 9% ممن يفكرون في التصويت للخضر يقولون إنهم لا يحملون أي تحفظات. المسافة بين استطلاع واعد ومقعد برلماني مكتسب تبقى شاسعة، خاصة في ظل نظام انتخابي بريطاني يعاقب الأحزاب الصغيرة (ولهذا يطالب الخضر بالتمثيل النسبي كأولوية(.
الخلاصات:
أولاً: تجربة “Your Party” ستُدرس لسنوات كحالة نموذجية في الطريقة الأمثل للفشل في بناء حركة سياسية. الدرس الأساسي: السياسة القائمة على الشخصيات لا على المؤسسات، والنزاعات الداخلية المتنكرة في ثوب الخلاف الأيديولوجي، والحرس القديم الذي يخلط بين الألفة والسلطة، وصفة مدمّرة وليست بنّاءة.
ثانياً: نجاح حزب الخضر لا يُفسّر فقط بفشل حزب العمال، بل بقدرة بولانسكي على تقديم تشخيص دقيق للحظة السياسية (“الانحدار المُدار”) وترجمته إلى سياسة تركيبية تربط بين العدالة الاقتصادية والبيئية والدولية في سردية متماسكة.
ثالثاً: التحول الأعمق الذي يعكسه المشهد البريطاني هو ظهور ثقافة سياسية جديدة، خاصة بين الشباب، لا تنطلق من أيديولوجيات طبقية تقليدية، بل من منظومة قيم بسيطة وعابرة للانتماءات: العدالة، المساواة، إعادة الأخلاق للسياسة. ومسيرة لندن في نهاية مارس 2026، التي جمعت قضايا فلسطين والمهاجرين والعدالة الاجتماعية تحت سقف واحد، تعبّر عن هذا التحول.
رابعاً: الدرس للقوى اليسارية في أوروبا والعالم العربي واضح: الناخبون لا يريدون يساراً “يدير الأزمة بكفاءة”، بل يساراً “يرفض قبول الأزمة كقدر”. السياسة التي تربط العدالة الاقتصادية بالعدالة البيئية والعلاقات الدولية ليست ترفاً أيديولوجياً، بل ضرورة سياسية للنجاح الانتخابي في القرن الواحد والعشرين.
خامساً: التحدي الحاسم أمام حزب الخضر هو إثبات أن فوز غورتون ليس استثناءً، بل نموذج قابل للتكرار. النجاح في ذلك سيعني إعادة رسم خريطة اليسار البريطاني، وربما الأوروبي، للعقود القادمة.
سادساً: النافذة أمام يسار جاد لم تُغلق بعد، لكنها تضيق. فالـ500 ألف الذين ساروا في لندن لم يستسلموا، لكنهم يفقدون صبرهم مع من استسلموا. السؤال المحوري: هل يمكن إقناع عدد كافٍ من الناس، بسرعة كافية، بأن “الانحدار المُدار” ليس حتمياً؟