الشيباني في بيروت: اختبار العلاقة السورية – اللبنانية الجديدة

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقدير موقف:

تقديم:
تأتي الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في لحظة إقليمية دقيقة، تتقاطع فيها تطورات العلاقة السورية-اللبنانية مع التصعيد المستمر على الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية، وتعثر المفاوضات الأميركية-الإيرانية، والضغوط الأميركية المتعلقة بدور سوريا في لبنان. وتكتسب الزيارة أهمية خاصة لأنها تمثل اختباراً عملياً للسياسة الخارجية السورية الجديدة تجاه لبنان، ومدى قدرتها على بناء علاقة مختلفة عن إرث العقود السابقة، تقوم على التعاون بين الدولتين لا على إدارة التوازنات الداخلية اللبنانية.

في المعطيات:
• في 1 يوليو/تموز 2026، أعلنت مصادر سورية ولبنانية عن زيارة رسمية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت في 2 يوليو/تموز.
• من المقرر أن يلتقي الشيباني رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزير الخارجية يوسف رجي، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والدينية.
• تمثل الزيارة أول لقاء رسمي بين مسؤول سوري بهذا المستوى ورئيس مجلس النواب نبيه بري منذ التغيير السياسي في سوريا.
• أفادت معلومات متداولة بأن الزيارة ستتناول عدداً من الملفات الثنائية، من بينها السجناء السوريون في لبنان، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وعودة اللاجئين السوريين.
• تحدثت تقارير إعلامية عن احتمال طرح رؤية سورية لدعم استقرار الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها، بما في ذلك مقاربة سياسية لمسألة حصر السلاح بيد الدولة.

• خلال يونيو/حزيران 2026، أدلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتصريحات تحدث فيها عن دور سوري محتمل في مواجهة حزب الله، وأشاد بالرئيس السوري أحمد الشرع.
• في 22 يونيو/حزيران، أكد الرئيس أحمد الشرع أن سوريا لن تتدخل عسكرياً في لبنان إلا بطلب رسمي من الحكومة اللبنانية، مشدداً على أن أولويات دمشق تتركز على التعاون الاقتصادي والاستقرار، وأنها مستعدة للحوار مع مختلف القوى اللبنانية إذا كان ذلك يخدم أمن لبنان.
• سبق أن زار الشيباني بيروت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث بحث مع المسؤولين اللبنانيين ملفات الحدود، والسجناء، واللاجئين، والعلاقات الدبلوماسية، مع تأكيد احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه الداخلية.
• تأتي الزيارة في ظل استمرار التوتر على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، واستمرار النقاشات الإقليمية بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في المشرق.

القراءة والتحليل:
تتجاوز أهمية الزيارة بعدها البروتوكولي، إذ تمثل أول اختبار سياسي متكامل للعلاقة بين دمشق الجديدة ومؤسسات الدولة اللبنانية بعد انتهاء مرحلة القطيعة التي أعقبت سقوط نظام الأسد. فالمسألة لم تعد تتعلق بإعادة العلاقات الدبلوماسية فحسب، وإنما بإعادة تعريف طبيعة العلاقة بين البلدين على أسس مختلفة عن التجربة السابقة.

ويبدو أن توقيت الزيارة جاء لمعالجة الالتباس الذي أثارته تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن دور سوري محتمل في مواجهة حزب الله. فبعد أن أكد الرئيس أحمد الشرع رفض أي تدخل عسكري إلا بطلب رسمي من الحكومة اللبنانية، تمنح زيارة الشيباني دمشق فرصة لترجمة هذا الموقف إلى رسائل سياسية مباشرة أمام مختلف القوى اللبنانية، بما يحد من المخاوف المرتبطة بعودة أي دور أمني أو وصائي لسوريا داخل لبنان.

كما تكشف طبيعة اللقاءات المقررة عن رغبة سورية في التواصل مع مختلف مراكز القرار اللبنانية، بما في ذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري، بما يعكس توجهاً نحو إدارة العلاقة مع جميع المكونات السياسية وعدم حصرها بمحور أو فريق معين. ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية في ظل إعلان الرئيس السوري استعداده للحوار مع مختلف الأطراف اللبنانية، بما فيها حزب الله، إذا كان ذلك يسهم في تثبيت الاستقرار.

تعزز هذا الاحتمال تقارير إعلامية إقليمية تحدثت عن وساطة تركية بين دمشق وحزب الله، تضمنت اتصالات ورسائل أمنية متبادلة، وإن لم تؤكدها حتى الآن مصادر رسمية أو وكالات أنباء دولية. وإذا صحت هذه التقارير، فإنها تعكس توجهاً سورياً لإدارة العلاقة مع حزب الله عبر الحوار الأمني والسياسي، بدلاً من المواجهة المباشرة، بما ينسجم مع التصريحات المعلنة للرئيس الشرع.

في الوقت نفسه، تشير الملفات المطروحة على جدول الأعمال إلى أن دمشق تسعى إلى نقل العلاقة الثنائية من الملفات السياسية الكبرى إلى معالجة القضايا التنفيذية التي تمس مصالح الدولتين مباشرة، مثل أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وملف السجناء، وعودة اللاجئين، وهي ملفات يمكن أن تسهم في بناء الثقة تدريجياً إذا أحرز فيها تقدم ملموس.

ولا تنفصل الزيارة عن البيئة الإقليمية الأوسع، إذ يبدو أن كلاً من تركيا والسعودية تشجعان على استقرار العلاقة السورية-اللبنانية باعتبارها جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع تهدف إلى الحد من التوترات، وتقليص احتمالات التصعيد، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً في المشرق العربي.

ورغم ذلك، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على تجاوز الإرث التاريخي الثقيل للعلاقات الثنائية. فالهواجس اللبنانية من عودة النفوذ السوري لا تزال قائمة، كما أن دمشق تنظر بقلق إلى أي نشاط انطلاقاً من الأراضي اللبنانية يمكن أن يهدد استقرارها الداخلي. ومن ثم، فإن بناء الثقة سيظل عملية تراكمية تعتمد على الممارسة السياسية أكثر من الخطابات الرسمية.

الخلاصات
• تمثل الزيارة بداية اختبار عملي للنموذج الذي تسعى دمشق إلى اعتماده في إدارة علاقاتها مع لبنان بعد التغيير السياسي، وهو نموذج يقوم على العلاقات بين الدول ومؤسساتها أكثر من الاعتماد على شبكات النفوذ التقليدية.
• من المرجح أن تصبح الملفات التنفيذية المشتركة، ولا سيما أمن الحدود، واللاجئون، والتهريب، والسجناء، معياراً لقياس نجاح العلاقة الثنائية خلال المرحلة المقبلة، أكثر من الملفات السياسية ذات الطابع الرمزي.
• يمنح التواصل المباشر مع مختلف المرجعيات اللبنانية فرصة لتخفيف مستوى الشك المتبادل، لكنه لا يكفي وحده لتجاوز الإرث التاريخي، ما لم يقترن بإجراءات عملية تؤكد احترام السيادة المتبادلة.
• قد تفتح الزيارة المجال أمام تنسيق سوري-لبناني أوسع في مواجهة التحديات الأمنية والإقليمية، إلا أن هذا التنسيق سيظل محكوماً بأولويات الاستقرار الداخلي في البلدين وبالتوازنات الإقليمية والدولية.
• تشير الزيارة إلى أن دمشق تسعى إلى توسيع حضورها الدبلوماسي في لبنان من خلال الشراكة المؤسسية، لا عبر استعادة أنماط النفوذ السابقة، وهو ما سيبقى رهناً بمدى قبول القوى اللبنانية بهذا التحول.
• إذا نجح هذا المسار في إنتاج نتائج ملموسة، فقد يشكل أساساً لإعادة بناء العلاقات السورية-اللبنانية على قواعد أكثر استقراراً واستدامة، أما إذا بقي محصوراً في الرسائل السياسية، فستظل الشكوك التاريخية هي العامل الأكثر تأثيراً في مسار العلاقة بين البلدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.