إيطاليا بين التمويل والوساطة: الحسابات المزدوجة في ملف مياه إثيوبيا
وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم:
عاد مشروع سد كويشا الكهرومائي إلى الواجهة مع اقتراب إثيوبيا من تجاوز واحدة من أبرز العقبات التي أخرت تنفيذه سنوات. فقد كشفت شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية عن مفاوضات مع ثلاثة بنوك إيطالية لتوفير 400 مليون يورو من أصل 500 مليون يحتاجها المشروع لاستكمال أعماله، مع توقع توقيع اتفاق التمويل في أكتوبر 2026. ويكتسب هذا التطور أهميته من كونه ينقل المشروع من مرحلة البحث المطوّل عن مصادر تمويل إلى محاولة إغلاق الفجوة المالية ووضع جدول جديد للاستكمال والتشغيل. غير أن توقيت المفاوضات يطرح سؤالًا أوسع عن موقع إيطاليا التي تتموضع في الوقت نفسه ممولًا لمشروع إثيوبي جديد ووسيطًا محتملًا في نزاع مياه النيل.
لعقبة الرئيسفي المعطيات:
في أغسطس 2026، أعلنت شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية حصولها على إذن بالبحث عن ائتمان تجاري خارجي، تحدثت فيه عن 400 مليون يورو من بنوك إيطالية و100 مليون من موارد الشركة الذاتية. وفي 15 و16 سبتمبر 2026، أكد الرئيس التنفيذي للشركة أشيبير بالشا أن إثيوبيا تتفاوض فعليًا مع ثلاثة بنوك إيطالية على قرض بهذا الحجم.
بدأ تنفيذ مشروع كويشا عام 2016 في جنوب غرب إثيوبيا على منظومة نهر أومو، وتحديدًا في المجرى الواقع أسفل سد جيبي الثالث. وتؤكد الشركة أن القدرة المركبة للمشروع تبلغ 1,800 ميغاواط موزعة على ست وحدات توليد، وأن متوسط إنتاجه السنوي المستهدف يبلغ نحو 6,460 جيغاواط/ساعة، فيما تبلغ سعة خزان السد نحو 6.5 مليارات متر مكعب.
وكان نقص التمويل
اية أمام استكمال المشروع. ففي يوليو 2024، سجل صندوق النقد الدولي وصول الإنجاز إلى نحو 66% وقدّر فجوة التمويل بنحو 879 مليون يورو. وفي أغسطس 2025، نشرت الحكومة الإثيوبية بيانات أشارت إلى ارتفاع نسبة الإنجاز إلى نحو 71%. وتأتي مفاوضات 2026 مع البنوك الإيطالية في هذا السياق، أي محاولة لإغلاق فجوة قائمة منذ سنوات بالاستفادة من استثناء خاص أصدره صندوق النقد يسمح بالاقتراض الخارجي غير الميسر. وتتراوح التقديرات المنشورة لتكلفة المشروع بين 2.5 مليار يورو وفق وكالة الأنباء الإثيوبية، ونحو 3 مليارات يورو في التقارير الأحدث المرتبطة بمفاوضات التمويل.
التحليل:
يعكس استكمال سد كويشا إصرار إثيوبي على مواصلة استراتيجية التوسع الكهرومائي التي اكتسبت زخمًا أكبر مع سد النهضة. فبإضافة 1,800 ميغاواط، سيصبح كويشا ثاني أكبر مشروع لتوليد الكهرباء في البلاد بعد النهضة، ما يعزز قدرة أديس أبابا على تلبية الطلب المحلي ودعم التصنيع وتوسيع تجارة الكهرباء العابرة للحدود. وتقدم الحكومة الإثيوبية المشروع بالفعل باعتباره جزءًا من مساعي تحويل البلاد إلى مركز إقليمي لتصدير الكهرباء في شرق أفريقيا.
هذا الدور الوسيطي في نظر القاهرة، لا سيما أن السوابق التاريخية لصلة الشركات الإيطالية، ومنها ساليني، ببناء سد النهضة لا تزال حاضرة في الحساب المصري.
وتواجه المفاوضات التمويلية أحد سيناريوين. الأول نجاح إثيوبيا في توقيع اتفاق التمويل مع البنوك الإيطالية والمضي في استكمال سد كويشا وتشغيله تدريجيا، بما يعزز قدراتها على إنتاج ويكشف التمويل الإيطالي تحولًا استراتيجيًا في طريقة أديس أبابا في تنفيذ المشاريع الكبرى. فقد اعتمدت إثيوبيا بدرجة كبيرة على التمويل الذاتي في سد النهضة، لكن مشروع كويشا يظهر صعوبة تكرار هذا النموذج في ظل الضغوط المالية الحالية، وتصنيف صندوق النقد للدين الإثيوبي على أنه غير مستدام وفي حالة تعثر، فيما تستمر عملية إعادة هيكلته.
تأتي المفاوضات الحالية مع البنوك الإيطالية ضمن علاقة مالية واقتصادية آخذة في الاتساع بين البلدين، تجمع بين معالجة الديون القائمة والبحث عن تمويل جديد للمشروعات الاستراتيجية. وقد وقعت روما وأديس أبابا في مارس 2026 اتفاقا ثنائيا لإعادة هيكلة الديون ضمن الإطار المشترك لمجموعة العشرين. وتتزامن هذه الخطوة مع إعلان وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني استعداد إيطاليا للعب دور الوسيط بين مصر وإثيوبيا لتسوية الخلافات المتراكمة حول سد النهضة ومياه النيل الأزرق، وذلك خلال زيارته للقاهرة في مطلع سبتمبر. أي أن روما تتموضع في آن واحد ممولًا لمشروع إثيوبي جديد على شبكة الأنهار الإثيوبية ووسيطًا محتملًا في نزاع النيل الأزرق، وهو ما يطرح سؤالا مشروعا حول حيا
دالكهرباء وتصديرها إقليميا. والثاني تأخر الاتفاق أو تعثره بسبب أزمة الدين والقيود على الاقتراض، ما قد يؤخر المشروع مجددا ويعيد البحث عن مصادر تمويل بديلة، وهو ما سيكشف استمرار الفجوة بين طموحات إثيوبيا الكهرومائية وقدرتها المالية.
في ملف الاعتراضات الإقليمية، سجلت كينيا اعتراضات دبلوماسية متكررة على مشروع كويشا خلال السنوات السابقة، بينما تصف أديس أبابا الأمر كخلاف عابر للحدود حول مبادئ تقاسم المياه، وتتمسك بحقها في تطوير النهر لأغراض التنمية الوطنية وتوليد الكهرباء. ولا تملك كينيا نفس الثقل التفاوضي أو الأدوات الدبلوماسية والعسكرية للضغط على إثيوبيا مقارنة بمصر في أزمة سد النهضة، كما أن العلاقات الثنائية بين البلدين تشمل ملفات تعاون استراتيجي أخرى في التجارة والأمن والطاقة تجعل نيروبي أكثر تحفظا في تصعيد الخلاف علنا. أما بالنسبة إلى مصر، فلا يمثل سد كويشا أهمية موازية لسد النهضة، لأنه يقع على منظومة نهر أومو وليس على النيل الأزرق، وبالتالي لا يرتبط مباشرة بتدفقات مياه النيل إلى مصر، ولا يعتبر امتدادًا للنزاع المائي المصري-الإثيوبي، بقدر ما يمثل امتدادا للاستراتيجية الإثيوبية في بناء قوة إقليمية قائمة على الطاقة الكهرومائية.
الخلاصة:
– إذا نجحت أديس أبابا في تأمين التمويل واستكمال المشروع، فإنها ستضيف 1,800 ميغاواط إلى منظومتها الكهربائية، ما يعزز موقعها في سوق الطاقة بشرق أفريقيا ويفتح مجالًا أوسع لصادرات الكهرباء. وانتقال إثيوبيا من نموذج التعبئة المحلية الذي استخدمته في سد النهضة إلى الاعتماد على قروض مصرفية خارجية يكشف أن طموحها الكهرومائي بات يصطدم بقيود الدين والسيولة والقدرة على الاقتراض، وأن نجاحها في تنفيذ المشاريع الكبرى صار متوقفًا على قدرتها على استعادة الثقة الائتمانية وتأمين تمويل.
– قد يفتح نموذج التمويل الجديد، أي القروض التجارية الأوروبية، الباب أمام تمويل دولي لمشاريع مائية إثيوبية أخرى مستقبلًا، وينهي عزلة أديس أبابا التمويلية النسبية. كما أن المضي في مشاريع الطاقة الكهرومائية الكبرى دون إطار تفاوضي إقليمي شامل يشمل دول المصب يعزز نمط توسع إثيوبيا في السيطرة على مواردها المائية الداخلية.
– لا يمثل مشروع كويشا سد نهضة ثانيًا من زاوية الأمن المائي المصري، لكنه يمثل خطوة جديدة في المشروع الإثيوبي الأوسع لتحويل الموارد المائية إلى قدرة كهربائية واقتصادية ونفوذ إقليمي.
– يكتسب التمويل الإيطالي أبعادًا سياسية، خصوصًا في ظل انخراط روما في الوساطة في ملف أزمة مياه النيل، بما قد يثير تساؤلات حول الفصل بين تعاونها الاقتصادي مع إثيوبيا وأدوارها الدبلوماسية الإقليمية
.