الشمال: الفصل الاخير من الأزمة السورية: القاعدة والتركستاني وداعش في عهدة التركي

 مقدمة

الاتفاق الذي جرى بين واشنطن وموسكو حول الجنوب السوري ، كان كفيلا بتفنيد التكهنات بأن درعا استثناء، وأن مصيرها لن يشابه الغوطة الشرقية وريف حمص من تهجير وعودة لقوات النظام وإنهاء الحراك الشعبي المعارض. فالاتفاق يؤسس بحسب المراقبين لنموذج قد يعمم على باقي المناطق بمشاركة وتأييد إسرائيلي واردني، لكنه وهنا المفارقة ، ان نجاحه او فشله، مشروط بقدرة موسكو على ابعاد الايراني مسافة قد تصل ما بين اربعين و ثمانين كيلومترا في بعض المواقع عن حدود البلدين المجاورين. لا بل تذهب بعض التقديرات الى ان شرط المضي بالحل الروسي في سوريا مرهون بإخراج الايراني وميليشياته من الأراضي السورية بصورة كلية .  حتى اللحظة توحي كافة المؤشرات بأن الحل الروسي سيفرض بالقوة على مناطق الجنوب، واعادة قوات وادارات حليفه إلى تلك المنطقة بشكل أو بآخر، وهو ما يستحضر التساؤل الفوري عن الوجهة القادمة لقوات النظام التي استطاعت فك الطوق عنها والاستفراد بالمناطق واحدة تلو الأخرى، بفضل ما يوصف بالخديعة المتمثلة باتفاقيات خفض التصعيد الذي جرت في الأستانة ، ما جعل اسم محافظة ادلب يتردد في الأوساط المحلية والدولية كوجهة محتملة أو استحقاق سيواجهه نظام بشار الأسد بمجرد انتهائه من عملية درعا.

 خلفية :

اسفرت السنوات السبعة الأخيرة عن تلاشي الكثير من الفصائل المسلحة المحلية الصغيرة واندماجها ضمن مكونات أكبر أو اندثارها وتوزع عناصرها على تشكيلات رئيسية كبرى ، وخلال الاشهر الأخيرة بدى أن هناك توافق إقليمي ودولي على إجراء عملية أعادة هيكلة وتنظيم القوى العسكرية في الشمال في محاولة لضبط حالة الفوضى التي تسببها صراع النفوذ والقوة بين الفصائل المسلحة، وهو ما استدعى عدة جولات من المعارك الداخلية بين الفصائل ومحاولات ابتلاع بعضها البعض، ودخولها في موجة اغتيالات وتصفية قيادات وازنة.  أتت تلك المعارك بعضا من أكلها، بحل العديد من المجموعات المسلحة وانضواء أخرى تحت أجنحة فصائل أكبر طلبا للحماية وتحصين نفسها من حروب الإلغاء، وهو ما خلف العديد من التداعيات ، في مقدمتها تحالفات هشة للقوى المسلحة باتت واضحة المعالم عديدا وعدة وتمويلا ، وبات من الممكن تمييز أبرز الفصائل العاملة والمؤثرة في الشمال السوري ، وهو ما جعل ممكنا تصنيفها،  بين (منضبطة) ويقصد بها تلك المتحالفة مع تركيا أو التي تعمل تحت جناحها وتشرف على تمويلها وتدريبها وادارتها ، وفصائل أخرى (غير منضبطة) تربطها علاقة ملتبسة مع تركيا وان كانت لاتعاديها أو تقاتلها إلا أنها في ذات الوقت غير متحالفة معها أو تعمل تحت أمرتها بشكل كامل.

الفصائل المنضبطة:

الكتائب المنضوية تحت ما يسمى بدرع الفرات وهو مكون تم تشكيله بإشراف وتمويل تركي مباشر كما يشرف الجيش التركي على عمليات تلك الفصائل والتي كان آخرها عملية “غصن الزيتون” التي سمحت للجيش التركي مدعومة بتلك الفصائل من السيطرة على منطقة عفرين، وتعد أبرزها كتائب السلطان مراد وفرقة الحمزات وأحرار الشرقية، وتنضوي تلك الكتائب تحت راية الجيش الحر، وسابقا كان معظمها يتلقى دعما وتمويلا من غرفة عمليات ” الموم ” تحت اشراف امريكي، وبعد اغلاق الولايات المتحدة أبواب الدعم لهذه الفصائل ، تحولت الى الرعاية التركية ، وباستثناء الفصائل الكبرى ، يمكن القول ان غالبيتها من القوى المحلية وأعدادها بالعشرات واكبرها لا يتعدى المئات من المقاتلين “غير المتفرغين”، وكانوا يستدعون للجبهات لقتال النظام او لقتال فصائل أخرى محلية في وقت المعارك.

كما ضم درع الفرات مؤخرا غالبية الفصائل التي جرى تهجيرها من مناطق سورية مختلفة أبرزها الفصائل التي تم اخراجها من الغوطة الشرقية قبل أشهر، كجيش الإسلام وفيلق الرحمن الذين تم اعادة توطينهم بإشراف تركي في مناطق درع الفرات والمناطق التي دخل إليها الجيش التركي في منطقة عفرين.

ونركز في هذه الورقة على الفصائل الكبرى التي حافظت على تمويل قطري او تركي او من رجال اعمال يمثلون دولا ومصالح:

جيش العزة:

يقدر عدد عناصر الجيش بنحو الخمسة آلاف مقاتل، يتواجد نحو ثلاثة ألاف منهم في ريف حماة، وأبرز مناطق تواجدهم بلدة اللطامنة التي تعد قاعدة تمركز الجيش كما ينتشر في المناطق الواقعة بين بلدتي كفرنبودة ومورك، بالإضافة الى ريف حماة. يمتلك الجيش ما يقارب الألفي عنصر في ريف ادلب الشمالي،  حيث يقدر عددهم في خان شيخون بنحو ألف مقاتل وهي تعتبر قاعدتهم الأساسية في المحافظة ، وبعض نقاط الرباط في ريف ادلب الجنوبي.

فيلق الشام:

من أكبر الفصائل العسكرية عددا في ريف إدلب ويقدر عدد عناصرة بنحو السبعة آلاف عنصر متمركزين في ريف ادلب الجنوبي وتنتشر مقراتهم في البلدات والمناطق بين معرة النعمان وسراقب، وله بعض المراكز والقواعد في كفرومة وبلدة مرديخ ورغم أنه لايفرض سيطرة فعلية على المناطق التي يتواجد بها إلى أن البعض يقدر أنه يحاول تجنب خوض معارك  استنزاف إن كانت داخلية أو مع النظام، كما ينتشر عدد من عناصر الفيلق في مناطق درع الفرات، وهو من الفصائل التي تعتبر مقربة بشكل كبير إلى تركيا، كما تشير المعلومات أنه من أبرز الأذرع العسكرية لتنظيم الإخوان المسلمين في سوريا ، رغم اصرارهم على نفي ذلك. وقد ابلغت كل فصائل ادلب على وجه الخصوص بضرورة التوحد تحت قيادة واحدة من فيلق الشام  .

جيش إدلب الحر:

وهو عبارة عن اندماج عدد من الفصائل والألوية المحلية، يتركز تواجده في معرة النعمان والمناطق المحيطة بها، ويمتلك تجهيزات ومعدات عسكرية، ويقدر عدد عناصره بنحو ألفي عنصر.

جبهة تحرير سوريا:

تشكلت بعد اندماج كل من أحرار الشام وصقور الشام وحركة نور الدين الزنكي، وتتشارك تلك الفصائل العداء لجبهة النصرة أو ما يعرف بهيئة تحرير الشام، شنت الجبهة التي تشكلت مطلع العام الحالي حملة عسكرية مراكز ونقاط جبهة النصرة في ريف حلب وادلب، وقد استطاعت مؤخرا اخراج جبهة النصرة من كافة المناطق التي كانت تسيطر عليها في محافظة حلب، قبل أن تتوقف المعارك نتيجة هدنة بين الطرفين، ويقدر عدد عناصر تلك الجبهة بعد الاندماج بنحو العشرة آلاف مقاتل وسيطرت مؤخرا على معظم مناطق جبل الزاوية في ادلب والعديد من مناطق خان شيخون وريفها، وفي أجزاء من معرة النعمان والمناطق المحيطة بها

فصائل غير منضبطة:

هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة):

رغم الانحسار والخسارات التي منيت بها الهيئة مؤخرا، بعد طردها من عدة مناطق في ريف حلب وادلب إلا أنها لاتزال تنتشر وتسيطر على عدة مناطق استراتيجية ومهمة في ريف ادلب، بالإضافة الى أنها لاتزال تبسط سيطرتها على كامل مدينة إدلب أي مركز المحافظة، وتواجدا على أجزاء من سرمدا وبعض القرى الحدودية الأخرى، يقدر عددهم حاليا بنحو الخمسة آلاف مقاتل، وهم القوة التي بقيت على ولائها للجولاني، بعد أن انشق نحو الثلاثة آلاف مقاتل عن النصرة وشكلوا تنظيما جديدا سمي ب “حراس الدين”.

حراس الدين:

أو يمكن تسميتهم بصقور القاعدة في سوريا والذين رفضوا فك ارتباط جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة الدولي، وقد نتج عن اندماج كل من جيش البادية، جيش الساحل، سرية كابل، سرايا الساحل، جيش الملاحم وجند الشريعة، ويقدر عدد عناصر التنظيم الجديد بين الثلاثة والأربعة آلاف مقاتل

الحزب الإسلامي التركستاني:

يتراوح عددهم بين الألفين والثلاثة آلاف مقاتل، لاسيما بعدما انضم لهم نحو ٦٠٠ مقاتل من جند الأقصى بعد طرد الأخير من محافظة إدلب، و يتمركزون بشكل أساسي في جسر الشغور والقرى المحيطة بها كما يتواجدون في محيط سلقين و ريف اللاذقية ومناطق من جبل الأكراد، ورغم أن أغلبها مناطق حدودية إلا أن عملياتهم تتجاوز تلك المناطق، فهي عبارة عن مراكز لانطلاق عمليات عدة ينفذوها في الداخل السوري كما حصل مؤخرا حين شاركوا بشكل ملحوظ في المعارك التي دارت في محيط مطار أبو ظهور العسكري، بالإضافة لمشاركتهم في المعارك على جبهات النظام في ريف إدلب الجنوبي والجنوبي الشرقي.

خلايا داعش:

منذ طرد داعش من محافظة إدلب في بداية العام ٢٠١٤، حاول التنظيم العودة في نهاية العام الفائت الدخول مجددا إلى الحدود الادارية للمحافظة من جهة ريف حماة الشرقي، قبل أن تشن هيئة تحرير الشام هجوما معاكسا أجبره على التراجع والابتعاد، لكن رغم المعارك التي شنت ضد التنظيم ومحاولات ابقائه بعيدا عن المحافظة، لاتزال المصادر تؤكد أن التنظيم يمتلك خلايا نائمة وقواعد شعبية في بعض المناطق التي أجبر على الانسحاب منها في ادلب، وإن كان لا يمكن إحصاء عدد العناصر الفاعلة لتلك الخلايا لكن لمن خبر التكتيك الذي يتبعه التنظيم يدرك أن تلك الخلايا تشكل تهديدا مستمرا لأي استقرار قد يتم العمل عليه في المستقبل.

خصوصية الشمال:

لطالما كان من الصعب التكهن بمصير شمال سوريا. نظرا للمشهد المعقد الذي يفرض نفسه في تلك الساحة، فالمنطقة التي كانت وجهة عمليات التهجير والتغيير الديمغرافي، تم اتخامها بمسلحين من كافة المشارب والخلفيات بعد نقلهم من المناطق الأخرى، بالإضافة لاستقبالها لمئات آلاف المدنيين من المحافظات الأخرى الذين رفضوا الدخول بالتسويات الروسية والمصالحة مع قوات النظام، وحيث أن تكتيكات النظام في المحاصرة والتهجير أصبحت واضحة ومكررة في الأشهر الأخيرة، لا يبدو بمكان امكانية اعادة تطبيقها في ادلب، فلا مكان آخر من الممكن ارسال المقاتلين والمدنيين إليه، كما أن الجنوب السوري لم يشهد قوات مراقبة لاتفاق خفض التصعيد كما هي الحال في الشمال، حيث ينشر الجيش التركي ١٢ نقطة مراقبة ويقيم السواتر وأبراج المراقبة، كما أن المصادر الميدانية تشير لقيام الجيش التركي بحفر الآبار حول بعض مناطق تمركزه بالإضافة لإقامة أبراج اتصالات  في عدد من البلدات في محافظة ادلب  يتبع لشركات اتصالات تركية ، كما تحدثت مصادر محلية عن قيام أطراف تركية بتوقيع عقود مع سكان محليين بغية استئجار أراض لاقامة مشاف ومرافق عامة في الريف الشرقي، وهو ما يوحي بأن الطرف التركي يؤسس لبقاء طويل الأجل ، في حين يبقى التساؤل مطروحا عن مصير طريق الدولي حلب دمشق الدولي، والطريق الذي يربط حلب باللاذقية، سيما وأن الطريق الدولي له تأثير حيوي على التجارة الدولية ويعتبر منفذ بري هام للأردن ودول الخليج عموما، في وقت تشير مصادر المشاركين في اجتماعات  أستانة الى الرغبة الملحة للروس بإعادة فتح الطريقين كمطلب روسي يظهر قدرة موسكو على فرض مزيد من الاستقرار في سوريا، وهو ما قد يتم العمل على تأمينه بدوريات تشرف عليها كل من روسيا وتركيا، بحيث يسهل الطرف التركي دخول الشرطة الروسية لتأمين الطريق في المناطق الواقعة خارج سيطرة النظام والممتدة من منطقة مورك في ريف حماة إلى مدينة حلب.

 الخلاصة:

بعد الانتهاء من ملف درعا والجنوب السوري ، يبدو ان ملف الشمال ومحافظة ادلب على وجه الخصوص ، سيكون الملف الأخير المطروح امام القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في الشأن السوري . فالمنطقة باتت ملاذا لما يقرب من مائة الف مسلح جرى تهجيرهم من مناطق النزاع المختلفة ، ومعهم نحو مليوني نازح باتوا عبئا على المدينة التي لم تكن اكثر من بلدة كبيرة تفتقر الى الخدمات والبنى التحتية الحقيقية . لكن ما يسمى بالعاصمة الأخيرة للمعارضة السورية ، باتت واحدة من اخطر البؤر التي تحسب على التيارات المتطرفة والارهابية ، اذ تشترك التنويعات السلفية التكفيرية مع القاعدة في ذات الأرضية  الفقهية والسياسية والاجتماعية المتزمتة ، وهذه القوى بصرف النظر عن مسمياتها هي التي تحكم اليوم محافظة ادلب وريفها . لكن الروسي والامريكي ترك إدارة هذا الملف للحكومة التركية ، التي تتعاطى معه باعتباره ركنا أساسيا في منظومة الامن القومي التركي ، وتم التوافق في الاستانة على اعتبار هذه المنطقة من صلاحيات الدولة التركية ومنطقة نفوذها .واذا ما اعتبرت كل القوى المسلحة بما فيها النصرة والاحرار والزنكي والاحرار والفيلق الاخواني هي في غالبيتها قوى محلية ، للتركي معها علاقات امنية وسياسية ، فان المشكلة الأكبر هي مع القاعدة ” حراس الدين ” والمجموعات القريبة من داعش ، والحزب التركستاني الإسلامي بسب غلبة العنصر الأجنبي والغريب عن المنطقة والذي يحتاج الى تفاهمات دولية او لحروب طاحنة لإنهاء هذه الظاهرة التي تشكل خطرا يتجاوز الساحة السورية. لكن السؤال الجوهري ، هو ما الثمن الذي سيدفع لتركيا حتى تقوم بمعالجة  أخطر وأعقد مهمة دولية في مكافحة الارهاب بعد العملية المتعثرة الكبرى في افغانستان . جواب هذا السؤال سيكون في عهدة قمة ترامب بوتين في هلسنكي في السادس عشر من تموز يوليو 2018 .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.