الشعبوية الجديدة فى مصر: إعادة إنتاج لخطاب قديم بنزعة نيوليبرالية
* ماريا عبد النور
تأثر الخطاب السياسي المصري بالسياق العالمى منذ الحرب العالمية الأولى، فظهرت بوادر للخطاب الشعبوى على جميع المستويات، سواء في السلطة أو حركات الإسلام السياسى، أو حتى فى الأحزاب المدنية فيما بعد. وظلت السلطات فى مصر تعتمد على خطابات الإجماع الوطنى وضرورة الاصطفاف وراء الحاكم أو الدولة، ودمجت الخطابات السياسية والإعلامية ، شخصية الحاكم بكيان الدولة، فأصبحت الخروج عن الحاكم بمثابة معارضة للدولة القومية ذاتها.
تحدت الاحتجاجات التى شهدت مصر فى يناير 2011، صيغة الاجماع الوطنى والاصطفاف وضرورة الاتحاد فى كيان الدولة، ولكن الاستمرار فى هذا التحدى لم يكن ممكنا في ضوء أن أغلب القوى المدنية، الاشتراكية والليبرالية، رفعت هذا الشعار الذي لم يكن حكرًا على جماعة الاخوان المسلمين أو عودة الجيش إلى الحكم. وفى ظل خارطة الطريق التى أعلنت فى 3 يوليو 2013، تم إعادة انتاج خطاب الإجماع الوطنى مرة أخرى، ولكن هذه المرة بسياسات نيوليبرالية وليست اشتراكية.
أولا– الشعبوية فى السياق المصرى:
هيأت ظروف ما بعد الحرب العالمية الأولى، فرصة لظهور الحركات الشعبوية واليمينة المتطرفة فى دول كثيرة حول العالم، خاصة فى الدول التى ذاقت مرارة الهزيمة أو ارتبطت بالمستعمرين القدامى. فظهرت أنظمة سياسية تنادى بضرورة بعث مجد روما في إيطاليا وسيادة العنصر الجرماني في ألمانيا، واستطاعت هذه الدول تحقيق نجاحات منقطعة النظير خاصة فى حماية دولهم من التفكك والسيطرة الاجنبية عليها، مما لفتت أنظار البعض بحفاوة شديدة. وكانت مصر من بين الدول المتأثرة بهذه الموجة القومية، فظهرت حركة مصر الفتاة كحركة سياسية في أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين بقيادة المحامي أحمد حسين نتيجة لتأثرها بسياق ما بعد الحرب، والرغبة فى الاستقلال عن بريطانيا العظمى. فأشتق أسم مصر الفتاة من الجمعية الفاشية فى إيطاليا، التى كانت تسمى إيطاليا الفتاة أيضًا، ورفع شعار “مصر فوق الجميع”، الذى أخذه من شعارات النازية “المانيا فوق الجميع”.
اخترق أعضاء هذه الحركة الجسد الوطنى محملين بأفكار عدائية وفاشية، وكانت لها تأثيرات قوية على تطور النظام السياسى المصرى فيما بعد، فعلى سبيل المثال كان فتحي رضوان، شريك أحمد حسين مؤسس الحركة، وزيرًا للإعلام بعد ثورة يوليو 1952. وتوغلت أفكارها فى الحركات الإسلامية لانها كانت دومًا تنافسها فى استقطاب الشباب المتدين، الذين غازلتهم الحركة بتحولها إلى الحزب الوطنى القومى الإسلامى، ومناداتها بأفكار دينية، إلى درجة دعوة هتلر لإعتناق الإسلام.
توصف الفترة الناصرية، بانها الحقبة الأكثر شعبوية فى تاريخ مصر الحديث، كانت لعبدالناصر شعبية جارفة فى الشارع المصرى قائمة على انجازاته الاجتماعية والاقتصادية، ونجاحاته فى الاستقلال عن الاستعمار البريطانى. تجسدت شعبوية الزعيم في خطاباته السياسية وبأجهزته الاعلامية والسياسية. وكان النظام السياسى أحاديا غير تعددي وقائم على سياسة الحزب الواحد ، فلم يكن هناك سوى الاتحاد الاشتراكى كقناة سياسية بين المواطنين والسلطة. وهذا التأميم للحياة السياسية والاجتماعية شمل الاقتصاد برمته، والنقابات العمالية والمهنية، ظل النظام السياسي بلا منافس حقيقي حتى هزيمة 1967، التى قللت شعبيتة فى الشارع وبدأت تخرج مظاهرات طلابية وومهنية للمطالبة بالحرب ومنددة بالهزيمة.
بعد موت عبد الناصر ظل خليفته أنور السادات في فترة حكمه الاولى يعاني من غياب الكريزما التى تعود عليها الشعب المصري مع زعيمه المحبوب ، وبدأ يتسول شعبيته بين الحين والأخر، باستثناء فترة حرب أكتوبر وما بعدها بقليل. أعتمد السادات على منظور دينى فى اكتساب الشعبية، إلى درجة وصفه بالرئيس المؤمن، رسخت هذه الفترة تحديدًا الربط بين الدين والسياسة بالشكل الذى نراه اليوم، بإصدار المادة الثانية في الدستور والتي تنص أن الإسلام هو دين الدولة ومصدر التشريع الرئيس ، ومرر في ذات الاستفتاء إطالة مدد الرئاسة وعدم تحديدها بفترتين فقط، وفى نفس الفترة صدرت قوانين كقانون إزدراء الأديان بحجة منع الفتنة الطائفية، والذى وقف حائلًا أمام حرية الفكر والتعبير.
شعارات مثل ” دولة العلم والإيمان ” و “الرئيس المؤمن”، وصورته معتكفا فى المساجد فى العشر الأواخر من رمضان، حاولت موازنة الانتقادات الشعبية التى وجهت إليه بسبب الانفتاح الاقتصادى، ولكنها لم تمنع فى النهاية من أغتياله على يد الجماعات الإسلامية التى سمح لها بالصعود فى المجال العام، لمواجهة اليسار . وللمفارقة فقد اغتيل السادات، وعلى جدول أعمال البرلمان مشروع قانون لإطلاق لقب سادس الخلفاء الراشدين عليه.
على عكس جميع رؤساء الجمهورية الأولى فى مصر، لم يكن خطاب مبارك خطابًا شعبويًا، ولم يتسول الشعبية، بل اعتمد على القوة بالاساس، وعلى المنجزات الاقتصادية، لكنها لم تمنع الثورة ضده في 2011، بعدما استفحل الفساد، وقضى على جميع ثمار التنمية التى وعد بها.
ثانيا– عودة الشعبوية فى سياق عالمي مختلف
مثلت اللحظة التأسيسية لمرحلة ما بعد الاخوان المسلمين وتكوين تحالفات 30 يونيو صيغة شمولية لعلاقة الدولة بالمواطنين، متبنية خطابًا سلطويًا تحتكر فيه السلطة التمثيل السياسى والمجتمعى الوحيد للمواطنين، واستخدمت في ذلك شعارات ومعاني مرتبطة بالمخيال الجمعي، وعلى رأسها شعارات الإنقاذ من الحرب الإهلية، والتخلي عن الوصاية الاجنبية، والحرب على الإرهاب. وقد مهدت هذه اللحظة لنظام يضع السياسات الأمنية والعسكرية على رأس أولويات السلطة الحاكمة، ويروج لخطاب الإجماع والاصطفاف الوطني وتخوين أي معارض ينشق عن هذا الشعار.
فيما فشلت القوى الثورية والمدنية فى محاولات تأسيس نظام مدنى قائم على خطاب التعددية والمواطنة وقيم حقوق الإنسان والعدالة والمساواة. فمنذ فبراير 2011، عجزت عن تكوين تنظيمات سياسية قوية، واستبدلت روح المبادرة بردود الأفعال، مما جعلهم مجرد أداة فى المباراة الصفرية ما بين الحركات الإسلامية والمؤسسة العسكرية متمثلة فى كيان الدولة. وفى لحظة 30 يونيو تحديدًا، لجأت القوى المدنية (جبهة الإنقاذ) إلى تحكيم المؤسسة العسكرية والتحالف مع الدولة العميقة، من أجل حسم المعركة لصالحها، فى محاولة منهم لإستعادة الدولة من جماعة الإخوان المسلمين وليس من أجل إصلاح النظام السياسى، فلم تختر أغلبية القوى المدنية أو لم تكن هناك فرصة لإختيار مسار سياسى ملائم للإصلاح كالانتخابات المبكرة أو الاستفتاء على وجود السلطة الحاكمة. [i]
تزامنت هذه التحركات مع صعود فكر شعبوي وسلطوى عالمى، فى الولايات المتحدة الإمريكية ودول الاتحاد الأوروبي؛ مما أعطى فرصة لتقوية موقف السلطة المصرية فى مرحلة ما بعد الإخوان. فلم يكن يتصور أن يكون موقف السلطة الحالية بهذه القوة لولا سياق النظام الدولى الذى ساعدها على الاستمرار، فصعود ترامب لرئاسة البيت الأبيض كان فرصة جوهرية لجميع النظم التى لا تؤمن بالديمقراطية وبحقوق الإنسان، بإعتبار أن ترامب يرى أن مثل هذه القيم ليست على رأس أولوياته، وذلك على عكس سياسات بوش وأوباما، الذين رأوا أن التحول الديمقراطى لابد أن يكون على رأس أجندة المجتمع الدولى، وأتخذوا خطوات جادة لتحقيق ذلك.
على سبيل المثال، رفض أوباما كافة الترتيبيات التى حدثت بعد 3 يوليو 2013، وأوقف شحنات السلاح المتفق عليها مسبقًا مع السلطات المصرية، كما عطل المعونة العسكرية السنوية للقوات المسلحة المصرية، فى محاولة منه لفرض عقوبات على النظام السياسى وتقويضه دوليًا. وهذا ما تراجعت عنه كليًا الادارة الجديدة فى عهد ترامب. وبالتوازي مع ذلك ، تحفظت العديد من الحكومات الأوروبية على خارطة الطريق التى أعلنت فى بيان 3 يوليو 2013، والأحداث الدامية التى تلته، إلا انها وضعت الأولوية لتحقيق الاستقرار الأمني والعسكري فى البلاد، خاصة فى ظل العمليات الإرهابية التى شهدتها مصر وبعض دول الاقليم والعالم ، بالإضافة إلى وجود أدراك عام بأن التجربة السياسية بعد وصول جماعة الاخوان المسلمين إلى الحكم فى مصر، أثبتت أن التيار الإسلامى برمته غير قابل للدمج في إطار نظام سياسي ديمقراطي.
استخدمت السلطة وأجهزتها الإعلامية خطابا ترهيبيا، معتمدة فيه على المقارنة بالأوضاع فى سوريا والعراق وليبيا، الامر الذي كان له الأثر الكبير على قطاعات واسعة من المجتمع المصرى، فمنذ تأسيس دولة يوليو 1952، تعودت قطاعات واسعة من المجتمع على الخوف من العمل الحزبى والانفتاح على المجال العام، واعتبار أن الدولة ممثلة في مؤسسة الرئاسة والحكومة ، هى الملاذ الأمن من الاختلالات الإقليمية والدولية الجارية.
ثالثًا– ملامح الشعبوية الجديدة فى مصر :
لم تكن الدولة المصرية بمعزل عن الموجة الشعبوية، التى يشهدها العالم مؤخرًا، ورغم أن الشعبوية كسلوك فى الحكم ومنطوق الخطاب له سمات معينة فى الدول الغربية وفقًا للسياق التى ظهرت فيه، مثل وجود أطروحة العدو الخارجي والصراع الوجودى بين أهل الخير وأهل الشر، وغياب البرامج المحددة، وسيادة الخطاب العاطفي بدل العقلاني، والادعاء الدائم بأن الحكم للشعب، والترويج للزعيم المنقذ، وكراهية النظم والنخب التقليدية؛ إلا أن الشعبوية الجديدة فى مصر لها ملامح مختلفة تبعًا للسياق الذي ظهرت فيه، والذى يختلف كليًا عن شعبوية خطاب المرحلة الناصرية، او ما يجري في البلدان الغربية أيضا.
- شعبوية بنزعة نيوليبرالية:
في حين اهتمت الحكومات الرأسمالية بإعلاء قيم الليبرالية الاقتصادية وحرية التجارة والعولمة وحقوق المهاجرين والانسان بشكل عام، ظهرت في المجتمعات الغربية حركات شعبوية احتجاجًا على هذه السياسات النيوليبرالية التي أدت إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة نسب البطالة والفقر، وسيطرت معها المؤسسات والتشريعات الإقليمية والدولية على منظومة القوانين السيادية الوطنية .
مصريا، ظهرت الشعبوية فى كنف النيوليبرالية، فعملت السلطة الحاكمة على تحرير الاقتصاد المصرى، ورفع الدعم عن اليلع الاساسية ، وزيادة الضرائب، والانصياع لتوصيات المؤسسات الاقتصادية الدولية، وترسيخ اسياسات ” عدم تدخل الدولة فى السوق”. [ii]
- الولع بالمشروعات الكبرى:
بات واضحًا إخفاق الخطاب الشعبوي المصري في تظهيرسياسات اقتصادية واجتماعية مستدامة تحقق الرخاء المنشود، فقد اعتمد في غالبيته على خطاب عاطفي يدغدغ مشاعر المواطنين ويلعب على وتر التضامن مع معاناة الشعب. ولكن غالبا ما يرتبط ذلك بولع خاص بالانجازات مهما كانت اولويتها الاقتصادية وأهميتها الفعلية، في محاولة منه للحفاظ على الصورة السلطوية التي يرغب ترسيخها شعبيا، بغض النظر عن جدوى تلك الانجازات، فنجد أن المنظومة الحاكمة فى مصر يقوم بإعادة انتاج انجازات لها علاقة خاصة بذاكرة الشعب مثل حفر قناة السويس الجديدة، وبناء مشروعات طرق وجسور ومشروعات استصلاح الصحراء، وغيرها من المشروعات القومية الكبرى، التى يعجب بها المواطنين. بالإضافة إلى الحديث الدائم عن الانجازات العملاقة وغير المسبوقة، وانكار وجود اية مشكلات.
- الدين كأداة سياسية:
رغم أن النظام السياسى الحالي قائم على انقاض حكم الاخوان الاستبدادي ومناهض لتيارات الإسلام السياسى، ويستهدف قطيعة دائمة بين السلطة وهذه التيارات؛ إلا أن السياق الاجتماعي والتوغل الكبير للدين والإسلام السياسي فى دينامكيات العلاقات فى المجتمع، لا يجعل السلطة قادرة على إحداث قطيعة مع الشكل المتدين للدولة. فمظاهر التدين الشعبى فى مصر ترسخت تدريجيًا منذ أواخر الستينات ، وإن كانت مجرد مظهر أو شكل.
تتحدث الدولة دومًا عن نسخة مصرية وسطية من الدين الإسلامى، مختلفة عن نسخة التيارات الاسلامية الرجعية، ولكن صلب القضية هو احتكار السلطة الحق الحصري للحديث باسم الدين في الشؤون العامة والشأن السياسي كما في شؤون الحياة الخاصة، حيث يقوم النظام السياسى بتوظيف المؤسسات الدينية الرسمية، إسلامية ومسيحية، لكي تتماشى مع السياسة العامة للدولة من ناحية، وتستحوذ على مضامين الفهم القويم للدين عبر آليات متوهمة للإصلاح والتجديد في الخطاب الديني، وقد أثبتت التجربة أنه فى ظل رفع شعارات الحفاظ على مكارم الاخلاق والاداب والقيم الوطنية، ستكون جميع دعوات تجديد الخطاب الدينى مجرد إدعاء هدفه تأميم المجال الدينى. [iii]
- العداء للمأسسة السياسية:
قامت الشعبوية كتيار على مناهضة وكراهية النخب السياسية التقليدية، باعتبارها أساس ما ألت إليه الأوضاع، فمثلا فى أوروبا كانت أزمة اللاجئين سببا فى صعود اليمين المتطرف الى الحكم في بعض البلدان. يعد هذا الملمح جزءًا اصيلا من الخطاب السياسى للموجة الشعبوية فى مصر، لكنه قائم على تسفيه السياسة لصالح التكنوقراط، بإعتبار ان الذين مارسوا السياسة في السابق ، عجزوا عن الدفاع عن البلاد والمصلحة الوطنية، وفشلوا فى تلبية مطالب الشعب الاقتصادية، وتحسين مستوى المعيشة، والتعامل مع العملية السياسية على أنها وسيلة للصراع على السلطة بين مجموعات”شللية” تسعى لتغليب مصالحها الشخصية. بهذه النظرة للسياسة توغلت المؤسسة العسكرية فى الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، على أساس أنها الوحيدة القادرة على تلبية مطالب الجماهير منزهة عن المصالح الشخصية كما يفعل المدنيون. وبدأ الاعلام في تصوير المؤسسة العسكرية ودورها الذي يتجاوز تأمين البلاد ضد الاخطار الخارجية والإرهاب ، وإنما ردًا على فساد النخب المدنية، وبالتالى التعامل مع هذه المؤسسة بإعتبارها المنقذ والتعامل مع الرئيس بإعتباره الزعيم المخلص. وتعاملت السلطة مع الاحزاب السياسية والبرلمان بمفاهيم الاصطفاف الوطني والاجماع والتعامل مع الراي المعارض باعتباره معطلا للمسيرة وللمشروعات الريادية في التنمية ، وفى نفس الوقت امتنعت هذ النخبة الشعبوية عن تكوين حزب أغلبية للرئيس، بل ترفض فكرة الحزب من حيث المبدأ وتعتمد على ائتلافات موجهة ومبرمجة للحصول على أغلبية برلمانية فقط.
[i] http://caus.org.lb/PDF/EmagazineArticles/shamaa_hatab_%20Moustaqbal_%20Arabi%20_464_%20final.indd.pdf
[ii] https://eipss-eg.org/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%A6%D9%87%D8%A9-
[iii] http://www.alquds.co.uk/?p=615230
https://www.sasapost.com/virtues-and-dangers-of-populism/
http://www.alquds.co.uk/?p=615230
http://acpss.ahram.org.eg/News/5634.aspx
https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/04/03/donald-trump-human-rights-egypt