الشرق الأوسط الذي صنعته إسرائيل.

لماذا ستندم واشنطن على تكاليف العدوان الإسرائيلي

قراءة في مقال مجلة فورين افيرز الامريكية: مركز تقدم للسياسات

تكمن أهمية المقال الذي نشر في الأول من أكتوبر، ان كتابه يعدون من الباحثين والأكاديميين الجديين في شؤون الشرق الأوسط، في كل من جامعة اوكسفورد والمعهد الملكي للدراسات ” تشاتام هاوس” وهما:
غالب دالاي وسانام فاكيل، خاصة وانهما يتناولان الجغرافيا السياسية للخليج وإيران والأمن الإقليمي.

ملخص الأفكار الرئيسية:
– إن حرب إسرائيل المستمرة في غزة واستراتيجيتها العسكرية التوسعية وتعديل خططها المستمر تستهدف كما هو معلن، تغيير الشرق الأوسط بطرق لم يتوقعها الكثيرون. في سبتمبر، نفذت إسرائيل ضربة ضد القادة السياسيين لحماس في قطر – وهي الدولة الأجنبية السابعة المستهدفة منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، بالإضافة إلى الأراضي الفلسطينية. هزت العملية ممالك الخليج وزادت من تآكل الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية.

– على مدار العامين الماضيين، تباهى القادة الإسرائيليون بتفكيك هيكل قيادة حزب الله في لبنان، وشن هجمات متكررة في اليمن، وضرب إيران. لكن بدلًا من تعزيز القوة الإسرائيلية أو تعزيز التعاون العربي الإسرائيلي، جاءت هذه الإجراءات بنتائج عكسية. فالدول التي رحبت بإسرائيل كشريك – لا سيما في الخليج – باتت تنظر إليها الآن على أنها تهديد مزعزع للاستقرار وغير متوقع. شكّل هذا السياق خلفية الإعلان المشترك للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن “خطة سلام” من 20 نقطة، والتي رُوّج لها كخطوة نحو الاستقرار الإقليمي.

– لكن يؤكد الكاتبان انه دون وقف عدوان إسرائيل ومحاسبة جادة للمطالب الفلسطينية، فإن الخطة لا تقدم سوى فرصة ضئيلة لعكس مسار أضرار عامين من الحرب. فبينما كانت إسرائيل تتخيل نفسها ركيزة لأمن الخليج، نجحت بدلًا من ذلك في عزل نفسها، وإضعاف مصداقية الضمانات الأمريكية، وتشديد المعارضة في جميع أنحاء المنطقة.

– لعقود، حافظت إسرائيل على علاقات متوترة، وإن كانت فعّالة، مع بعض الحكومات العربية. طبّعت مصر العلاقات من خلال اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، وحافظت على السلام لما يقرب من أربعة عقود، حتى لو لم يتحقق تعاون أعمق أبدًا. انهار هذا التوازن بعد أكتوبر 2023. في سبتمبر 2025، وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي إسرائيل بأنها “عدو” – وهو خروج صارخ عن عقود من الخطاب الحذر. كما أعادت دول الخليج ضبط علاقاتها. قبل حرب غزة، تحالفت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول أخرى مع إسرائيل بصورة مباشرة او غير مباشرة، والسبب في المقام الأول كان القلق من إيران.

– مع ذلك، فإن مبدأ “الدفاع المتقدم” الذي تتبناه إسرائيل، باستعدادها للضرب عبر الحدود مع القليل من الاهتمام بالسيادة، قد جعل الحكام العرب أكثر حذرا. أصبح أي ارتباط علني بإسرائيل سامًا سياسيًا، وأثار غضبًا شعبيًا وهدد شرعية النظام. ما بدا في السابق وكأنه شراكة براغماتية يحمل الآن تكاليف سياسية لا يمكن الدفاع عنها.

– كان تراجع تركيا بنفس القدر من الأهمية. فقد غيرت أنقرة مسارها منذ فترة طويلة، حيث انتقدت معاملة إسرائيل للفلسطينيين، ولكنها نادرًا ما تعاملها كمنافس أمني مباشر. ردًا على حملة غزة، علّقت تركيا التجارة، وأغلقت مجالها الجوي أمام الرحلات الجوية الإسرائيلية، وأدانت التوغلات الإسرائيلية في سوريا. ومع وجود ملايين اللاجئين السوريين داخل حدودها، ترى أنقرة الآن أن إسرائيل تُفاقم حالة عدم الاستقرار الإقليمي على طول حدودها الأكثر حساسية.

– في سياق آخر، تُسرّع النزعة العسكرية الإسرائيلية تحولًا أوسع نطاقًا في المنطقة، ومؤشراته، البحث عن ترتيبات أمنية بديلة تتجاوز المحور الأمريكي الإسرائيلي. تُنوّع الدول العربية شراكاتها الدفاعية وتتحوّط ضدّ الاعتماد المفرط على الأسلحة الأمريكية. عمّقت المملكة العربية السعودية تعاونها في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة مع الصين، ووقّعت اتفاقية دفاع مع باكستان، ووسّعت إنتاج الأسلحة المحلي.

– استحوذت الإمارات العربية المتحدة على طائرات مقاتلة فرنسية، وتُقيم شراكة مع كوريا الجنوبية في مجال الدفاع الصاروخي والتكنولوجيا النووية. استثمرت قطر والكويت في الصناعات الدفاعية الأوروبية، حيث اشترتا طائرات نفاثة متطورة من المملكة المتحدة وإيطاليا.

– تعكس هذه الخطوات إعادة تقييم استراتيجي. يستخلص القادة دروسًا ليس فقط من الإجراءات الإسرائيلية، ولكن أيضًا من الأداء الضعيف للأسلحة الروسية في النزاعات الأخيرة، وقيود الأنظمة الأمريكية المرتبطة بالقرارات السياسية لواشنطن.
– تفكك المبادرات المدعومة من الولايات المتحدة يؤكد هذا الاتجاه. فقد صُممت اتفاقيات إبراهيم، وقمة النقب، ومبادرة السلام العربية، والممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسطي-الأوروبي، بهدف دمج إسرائيل في الأطر الإقليمية، وربط الدول العربية بشكل أوثق بالولايات المتحدة، وتهميش منافسين مثل تركيا وإيران. أما اليوم، فتتعثر هذه المشاريع أو تنهار تمامًا. لقد جعل العدوان الإسرائيلي التطبيع عبئًا سياسيًا، إن لم يكن خطرًا، على القادة العرب. الضربة الإسرائيلية في الدوحة تُظهر عواقب ذلك. إذ لطالما لعبت قطر دور الوسيط بين إسرائيل وحماس، بينما تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة. وباستهداف قادة حماس على الأراضي القطرية، لم تُقوّض إسرائيل موقف الدوحة فحسب، بل ألقت أيضًا بظلال من الشك على مصداقية الولايات المتحدة.
– بالنسبة لحكام الخليج، كان الدرس واضحًا: إسرائيل تتصرف بتهور، والضمانات الأمريكية لا يمكنها كبح جماحها. تُعزز هذه الديناميكيات تحالفات جديدة. رغم سنوات من التنافس، تتشاطر تركيا والمملكة العربية السعودية الآن مخاوفهما إزاء دور إسرائيل المزعزع للاستقرار. ويستكشف الطرفان سبل التعاون، سواءً لتحقيق الاستقرار في سوريا أو للدفع جماعيًا نحو إنهاء الحرب في غزة.

القراءة الختامية:

** يمر الشرق الأوسط بتحول جيوسياسي عميق. لم تعد الافتراضات القديمة حول الأمن والتحالفات والاستقرار قائمة. يجب على صانعي السياسات العرب والخبراء الإقليميين إدراك أن المشهد قد تغير، والاستعداد لنظام جديد لا يزال في طور التشكل. إن كيفية تكيفهم مع هذا التحول ستحدد مستقبل المنطقة السياسي والاستراتيجي.
** تداعيات السياسة العدوانية الإسرائيلية على واشنطن بات وخيمة. فمن خلال تقديم دعم غير مشروط لإسرائيل مع تجاهل التداعيات الإقليمية، تُضعف الولايات المتحدة نفوذها بشكل مطرد.
** يتخذ قادة الشرق الأوسط إجراءات تحوطية من خلال تعزيز العلاقات مع الصين وأوروبا وشركاء آخرين، لضمان عدم اعتمادهم على الإطار الأمني لواشنطن وحده. والحفاظ على مصداقية الولايات المتحدة بات مرهونا بإعادة تقييم سياستها. بما يعني معالجة مخاوف مصر ودول الخليج وتركيا، والابتعاد عن السياسات التي تُعطي الأولوية للعسكرة وسياسة التكتلات.
** الأهم في مسار إعادة تقييم سياسات واشنطن في المنطقة ، يتطلب مواجهة القضية الفلسطينية العالقة. بإنهاء حرب غزة، ومنع التهجير القسري، ووقف ضم الأراضي في الضفة الغربية، ودعم حل سياسي عادل. ** بدون هذا التصحيح للمسار، تُخاطر واشنطن بالتخلف عن الركب في شرق أوسط يُعرّف بشكل متزايد ليس بـ”التهديد الإيراني”، بل بالدور التخريبي لإسرائيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.