السيادة التكنولوجية وتحوّل النظام العالمي: قراءة في قمة ترامب–شي

حمزة علي — مركز تقدم للسياسات، لندن

تقديم

التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، في أول زيارة يؤديها رئيس أمريكي إلى الصين منذ زيارة ترامب نفسه عام 2017. تمحورت القمة رسمياً حول محاور التوتر الاستراتيجي المعتادة: النزاعات التجارية، وملف تايوان، والأمن الإقليمي، والصراع المستمر مع إيران. وقد انصبّ جُلّ التعليق الفوري على الرسائل المتبادلة بشأن التعرفة الجمركية والمناورات الدبلوماسية والتراجع الأشمل في العلاقات الأمريكية الصينية.

غير أن أهمية هذه القمة قد تتجلى في ما هو أبعد من جدول أعمالها المُعلَن. فتحت طبقة الكوريوغرافيا الدبلوماسية والرسائل العلنية، عكست هذه اللقاءات تحولاً أعمق باتت بنية القوة العالمية تشهده فعلاً. فإن كانت حقب التنافس بين القوى الكبرى قد انتظمت تاريخياً حول التحالفات العسكرية وهيمنة الطاقة والنفوذ المالي، فإن المشهد الجيوسياسي الناشئ يتشكّل اليوم بصورة متسارعة حول السيطرة على التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والمعادن الحيوية والبنية التحتية التي ترتكز عليها الاقتصادات الصناعية المتقدمة.

ولعلّ في اختيار ترامب التوجّه إلى بكين في هذا الظرف بالذات ما يعكس تحولاً داخلياً عميقاً في بنية القوة الأمريكية ذاتها. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ارتكزت السياسة الخارجية للولايات المتحدة على محورين راسخين: مجمع صناعة السلاح الذي حوّل التفوق العسكري إلى أداة هيمنة، وكبرى شركات النفط التي ربطت الأمن الاقتصادي الأمريكي بالسيطرة على مصادر الطاقة العالمية. غير أن هذا التوازن في مراكز الثقل الداخلية يشهد اليوم إزاحة تدريجية لصالح عمالقة التكنولوجيا الرقمية، الذين باتوا يُشكّلون أجندة السياسة الخارجية الأمريكية بقدر لم يسبق له مثيل. فحين تتمحور قمة بين القوتين الكبريين حول أشباه الموصلات وحوكمة الذكاء الاصطناعي وسلاسل إمداد المعادن النادرة، فإن ذلك لا يعكس فحسب طبيعة التنافس مع الصين، بل يكشف عمّن بات يرسم أولويات واشنطن من الداخل: ليس لوبيات النفط ومجمعات التسليح التي صاغت السياسة الأمريكية لعقود، بل شركات وادي السيليكون التي تجد في التفوق التكنولوجي على الصين مصلحةً وجودية مباشرة.

أولاً: المعطيات

في تحليل موسّع نشرته مجلة “فورين بوليسي” بتاريخ التاسع عشر من مايو 2026، تُقرأ قمة ترامب–شي بوصفها نموذجاً كاشفاً على تحوّل استراتيجي في أسس القوة العالمية من النفط نحو التكنولوجيا. فإذا كانت قمم الأمس تدور في فلك صفقات الطاقة وعقود التسليح، فقد تحددت معالم هذه القمة بضوابط تصدير أشباه الموصلات، ومفاوضات حوكمة الذكاء الاصطناعي، ومبادرة “باكس سيليكا” الأمريكية الرامية إلى استنهاض دول الحلفاء لبناء سلاسل إمداد بديلة من المعادن النادرة، ومنها التزام واشنطن بضخ اثني عشر مليار دولار لتكديس مخزوناتها الاستراتيجية من المواد الحيوية.

أما بكين فقد أثبتت فهماً عميقاً لقواعد هذا الميدان الجديد: إذ كانت قيودها على صادرات المعادن النادرة هي ما أجبر ترامب على القدوم إلى طاولة المفاوضات في أعقاب رسوم “يوم التحرير” البالغة 145%. وقد أثبتت بكين لواشنطن أنها لا تحتكر كل أوراق اللعبة، في لحظة نفوذ قسري تحققت بالكامل عبر السيطرة على مواد تُشغّل الرقائق والبطاريات وأنظمة الأسلحة في آنٍ واحد.

وقد سجّلت الصين فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار في عام 2025، رغم بلوغ الرسوم الأمريكية ذروتها عند 145%، مع ارتفاع صادرات أبريل بنسبة 14.1% على أساس سنوي، مدفوعةً بالسيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والبطاريات. وهذا ما رصده تحليل مجلة “تايم” الصادر في الخامس عشر من مايو تحت عنوان “زيارة ترامب للصين تؤكد انتقال مركز الثقل شرقاً”.

تستورد الإمارات أولى شحنات رقائق Nvidia للذكاء الاصطناعي التي أُبرمت خلال زيارة ترامب للخليج في مايو 2025، فيما تضخّ دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات مليارات الدولارات لإعادة تموضعها بوصفها مراكز للذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم وابتكار الطاقة. وهو ما رصده تحليل معهد واشنطن الصادر في الخامس عشر من مايو، الذي يرى في دول الخليج الدليلَ الأجلى على هذا التحوّل البنيوي.

وصف خبراء اقتصاديون بارزون تابعوا العلاقات الصينية الأمريكية لسنوات قمةَ ترامب–شي بأنها نقطة تحوّل في الجيوسياسة العالمية، أي اللحظة التي بدأ فيها النظام الدولي يتحوّل من عالم أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة إلى نظام تتنافس فيه أقطاب متعددة.

في مقالة نشرتها مجلة “فورين أفيرز” بتاريخ السادس عشر من مايو، أشارت ربيكا ليسنر، نائبة مستشار الأمن القومي الأسبق في إدارة بايدن، وميرا راب-هوبر، الزميلة الزائرة البارزة في مؤسسة بروكينغز، إلى أن هذا التحوّل يتراكم منذ عام، حين قوّض ترامب مصداقية الولايات المتحدة شريكاً في الدفاع عن آسيا، فأتاح للصين في الوقت ذاته تسريع مزاياها الاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية في المنطقة وما وراءها. كما أفادت الباحثتان بأن واشنطن، رغم أن قوتها الإجمالية لا تزال معتبرة، تخاطر بأن تجد نفسها عاجزة عن تشكيل مخرجات المشهد العالمي في آسيا تحديداً، إذا تواصل استقطاب شبكات نفوذها تحت وطأة التمدد الصيني المتصاعد.

ثانياً: التحليل

يكشف المؤشر البنيوي الأعمق لهذه القمة أن النفط لم يعد القاعدة التي تدعم الهيمنة الجيوسياسية، وقد حلّت محله المعادن النادرة والقدرة التكنولوجية الرقمية. فحتى المجمع الصناعي العسكري التقليدي بات يستند إلى هذه الرافعة الاستراتيجية الجديدة؛ إذ إن تجديد منظومات الأسلحة المتقدمة المستنزَفة في حرب ترامب على إيران يستلزم كميات ضخمة من “الغاليوم” ومغناطيسات المعادن النادرة. وتمتلك الصين شبه احتكار على كثير من هذه المدخلات، مما يمنحها نفوذاً مماثلاً لما كانت تمتلكه أوبك عبر النفط الخام في عقود ماضية.

في المقابل، باتت واشنطن وبكين منهمكتين في سباق متوازٍ لبناء سلاسل إمداد تكنولوجية مستقلة: الأولى عبر إعادة التصنيع المحلي وتكديس المخزونات الاستراتيجية، والثانية عبر استراتيجية التداول المزدوج وتسويات التجارة المقوّمة باليوان. وما تُجسّده الأرقام التجارية الصينية القياسية رغم الرسوم الأمريكية المرتفعة ليس صموداً في مواجهة الضغط وحسب، بل قدرةً على الاستفادة منه وتحويله إلى رصيد.

أما دول الخليج فتُقدّم النموذج الأوضح على إدراك هذا التحوّل والتكيّف معه. فالدول ذاتها التي كانت تُوظّف النفط رافعةً للنفوذ باتت تستثمر طاقة مراكز البيانات والبيئات التنظيمية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي عملةً للتأثير. وقد عجّلت حرب إيران بهذا الانتقال بدلاً من أن تعترضه؛ فقادة الخليج الذين تعرضت بلادهم للضربات الصاروخية واستُبعدوا من قرار شنّ الحرب خلصوا إلى أن ترتيبات الأمن المستقبلية يجب أن تتجاوز التحالفات العسكرية التقليدية لتشمل صمود سلاسل الإمداد والبنية التحتية الرقمية. ومن المرجح بناءً على ذلك ألا تضغط واشنطن على دول الخليج لقطع علاقاتها مع الصين، لأن قيمتها الاستراتيجية باتت تكمن في كونها عقداً موثوقة في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، لا موردين للنفط أو مستوردين للسلاح.

وقد حذّرت ليسنر وراب-هوبر من أن التاريخ قد يتذكر هذه القمة بوصفها اللحظة التي مال فيها ميزان القوى وبدأت الصين في توطيد نفوذها الفعلي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. والمفارقة أن هذا الصراع، الذي هو في جزء منه نتاج منظومة النفط والتسليح التي حكمت الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، يدفع ضحاياه الرئيسيين نحو إطار جيوسياسي جديد تتمحور رقعته حول التكنولوجيا. وعلى هذا الأساس، كانت القمة تفاوضاً بين قوتين متقاربتين في ثقلهما أكثر مما كانت تجلياً لتراتب واضح، وإقراراً متبادلاً بأن النفوذ العالمي ينتقل فعلاً من حقول النفط وصناعات التسليح نحو من يسيطر على الرقائق والمعادن وسلاسل إمداد تكنولوجيا الطاقة النظيفة.

ثالثاً: الخلاصات

•​قد تُذكر قمة ترامب–شي في المآل لا بوصفها حدثاً دبلوماسياً عابراً، بل إعلاناً بأن أسس القوة الجيوسياسية تُعاد كتابتها من جذورها. فطوال معظم الحقبة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ارتكز النفوذ العالمي على السيطرة على مصادر الطاقة والمال والتفوق العسكري. وهذا التراتب يُزاح اليوم لصالح نظام استراتيجي جديد يتمحور حول أشباه الموصلات والمعادن النادرة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة.

•​تُشير هيمنة الصين على المواد الحيوية النادرة وسيطرتها على الإنتاج الصناعي الأخضر وقدرتها المتنامية على تشكيل المنظومات التكنولوجية إلى أن مركز الثقل الاستراتيجي ينتقل شرقاً. ولا تكمن أهمية القمة فيما اتُّفق عليه علناً، بل فيما استوعبه الجانبان ضمنياً: أن التفوق العسكري والهيمنة المالية لم يعودا كافيَين لضمان الأولوية الجيوسياسية حين تمرّ التبعية الصناعية عبر سلاسل إمداد الخصم.

•​لن يتحدد النظام الدولي الناشئ في المقام الأول بمن يسيطر على حقول النفط أو يحتفظ بأكبر انتشار عسكري، بل بمن يمتلك المنظومات التي تُشغّل الاقتصادات المتقدمة والدول الحديثة. وفي هذا السباق، تحلّ السيادة التكنولوجية محل هيمنة الطاقة بوصفها العملة الحاسمة للقوة في القرن الحادي والعشرين.

•​الخطر الاستراتيجي الذي يواجه صانعي السياسات لا يكمن فحسب في احتمال خسارة النفوذ داخل النظام القائم، بل في الإخفاق في إدراك أن هذا النظام ذاته في طور الانتهاء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.