السويداء ومسارات الاستقرار الوطني: الطريق الثالث في ضوء اتفاق عمّان

ورقة سياسات مختصرة

مصطفى المقداد، مركز تقدم للسياسات – دمشق

تمهيد: تمرّ محافظة السويداء بمرحلة دقيقة تتقاطع فيها أزمات محلية بنيوية مع تحوّلات وطنية وإقليمية أوسع تعيد رسم ملامح المسألة السورية برمّتها. فبينما يتثبّت مسار الحل السياسي على قاعدة وحدة الأراضي السورية وفق تفاهمات عمّان الثلاثية، ويتقدّم مسار استعادة الدولة لسيادتها في الشمال الشرقي بعد التفاهم مع “قسد”، تجد السويداء نفسها أمام سؤال مزدوج: كيف تتفادى الانزلاق إلى عزلة محلية أو تدويل غير مباشر، وكيف تعود إلى المسار الوطني العام دون صدام داخلي أو فراغ سياسي؟
في هذا السياق، تبرز مبادرة “الطريق الثالث” بوصفها محاولة مدنية لإعادة السياسة إلى المجتمع، وكسر الثنائية الحاكمة للمشهد المحلي بين سطوة الأمر الواقع من جهة، ومخاطر الفوضى أو الارتهان الخارجي من جهة أخرى. يقرأ هذا التقدير موقع المبادرة ضمن البنية الاجتماعية والسياسية في السويداء، ويفكك مخاطر الغموض في العلاقة مع إسرائيل، ويضع المحافظة في سياق التحولات الوطنية التي تؤكد تراجع قابلية “المناطق الرمادية” للاستمرار.

التحليل:

أولاً: الواقع الداخلي بين سطوة الأمر الواقع وصمت الغالبية:
يتسم المشهد الداخلي في السويداء باختلال واضح في التوازن الاجتماعي–السياسي. فقد تحوّل حضور المرجعية الدينية، ممثلاً بجناح الشيخ حكمت الهجري، من موقع رمزي–اجتماعي إلى سلطة أمر واقع تؤثر مباشرة في المجال العام وتحدّ من إمكان تشكّل نقاش سياسي طبيعي. يُستخدم خطاب “وحدة الصف” بوصفه أداة ضبط اجتماعي تمنع الخلاف المشروع، وتحوّل القلق الجمعي إلى صمت عام.
ينتج عن ذلك انقسام غير متكافئ: أقلية فاعلة ومؤثرة تحتكر الفضاء العام، مقابل غالبية صامتة أو رمادية تميل في جوهرها إلى الدولة بوصفها مرجعية وطنية، لكنها تفتقد أدوات التعبير الآمن.
في موازاة ذلك، يظهر تيار معارض يعلن دعمه للدولة، لكنه يحمل خلفيات أيديولوجية إقصائية ذات طابع جهادي، ما يجعله غير منسجم مع البنية الثقافية والفكرية للمجتمع الدرزي، ويحدّ من قدرته على التحول إلى بديل اجتماعي حقيقي، رغم نجاحه في تسويق روايته لدى بعض دوائر القرار الخارجية.
أما النخب الأكاديمية والثقافية، فقد تراجعت إلى الهامش، بين صمت حذر أو تماهٍ اضطراري مع الخطاب السائد، ما أفقد المجتمع أحد أهم أدوات التوازن وإنتاج المعنى السياسي.

ثانياً: البعد الاجتماعي–الطائفي ومحددات النقاش العام:
تميل البنية الاجتماعية الدرزية تاريخياً إلى التماسك في مواجهة الأخطار الخارجية، ويُنظر إلى وحدة الصف كعنصر حماية اجتماعية. في الظروف الراهنة، تحوّل هذا الميل إلى أداة كبح للنقاش الداخلي، حيث تُلغى الخلافات المشروعة تحت ذريعة الحفاظ على “الوحدة”.

ما يضاعف هذه الظاهرة، هو اصطفاف لافت لمكونات سياسية تقدمية وعلمانية، إضافة إلى قوى وطنية عقلانية، خلف الزعامة الروحية التي يمثلها جناح الشيخ حكمت الهجري. هذا الاصطفاف أدى إلى إلغاء دورهم الفاعل والعقلاني في المجتمع لصالح جماعات التأزيم والانكفاء والتعلق بالخارج وحلولها المؤجلة. نتيجة ذلك، يصبح المجتمع محكوماً بسرديات ضيقة تمنع المعالجة الجذرية للأزمات البنيوية، وتحوّل القلق المحلي إلى حالة تراكمية من الانكفاء والصمت، بما يفاقم هشاشة المجال العام ويضعف قدرة المجتمع على المبادرة الوطنية.
إن معالجة هذا الاختلال تتطلب إعادة الاعتبار للأطر العقلانية والتقدمية داخل المجتمع، وتمكينها من ممارسة دورها كوسيط مجتمعي يحافظ على التوازن بين السلطة الروحية والمصلحة الوطنية، بما يتيح مساحة حقيقية للنقاش الداخلي دون تهديد لوحدة الصف التقليدية.
ثالثاً: الغموض في العلاقة مع إسرائيل كمصدر خطر استراتيجي:
تفتقر السويداء إلى أي موقف سياسي منظم ومعلن تجاه إسرائيل، ويجري تداول سرديات متناقضة في المجال غير الرسمي، تتراوح بين تصوير إسرائيل كفزاعة دائمة أو كضامن افتراضي للأمن. هذا الغموض لا يمنح المحافظة أي هامش قوة، بل يفتح الباب أمام مخاطر استراتيجية:
• تحويل السويداء إلى ورقة ضغط إقليمية.
• استدعاء تدخلات خارجية بذريعة “الحماية”.
• تكريس صورة المحافظة كمنطقة خارج الإجماع الوطني، بما يسهّل عزلها أو تدويلها.
تؤكد التجارب الإقليمية أن إسرائيل تتعامل مع المجتمعات المحلية بوصفها أدوات ظرفية ضمن حساباتها الأمنية، لا شركاء مستدامين. وعليه، لا تمتلك السويداء أي مقومات ذاتية لعلاقة خاصة أو آمنة معها.

رابعاً: السويداء في سياق التحولات الوطنية (اتفاق عمّان ومسار قسد(:
يشكّل اتفاق عمّان الثلاثي مؤشراً واضحاً على تثبيت مرتكزات الحل السياسي: وحدة الأراضي السورية، ورفض الكيانات المنفصلة، وتثبيت الدولة مرجعية سيادية واحدة. كما أن التفاهم مع “قسد” واستعادة الدولة لسيادتها في الشمال الشرقي يعكس توجهاً استراتيجياً لإغلاق ملف الإدارات الموازية.
في هذا السياق، يتراجع عملياً نموذج “الخصوصية الدائمة”، وتفقد فكرة المناطق الرمادية قابليتها للاستمرار. السويداء ليست استثناءً عن هذا الاتجاه، بل جزء منه بحكم الجغرافيا والسياسة والتاريخ.

خامساً: موقع “الطريق الثالث” – من هم وما مصادر تأثيرهم؟
في المشهد الحالي للسويداء، “الطريق الثالث” أو مبادرة التيار الثالث ليست إطاراً حزبياً منظّماً أو قوة سياسية تقليدية تحمل قيادات معروفة على مستوى واسع داخل وخارج المحافظة، بل مبادرة مجتمعية حديثة أطلقها أكاديميون ومثقفون وفاعلون مدنيون من أبناء السويداء بهدف تقديم بديل مدني للحلول العسكرية والفئوية القائمة. أعلنت عن نفسها تحت هذا الاسم في مطلع فبراير 2026، وتضم أصحاب توجّه مدني – اجتماعي، وقدّمت وثيقة سياسية وصفّت نفسها بأنها “خارطة طريق عملية” لمعالجة الأزمات الإنسانية والاجتماعية في المحافظة وفتح مسار حوار وطني.
• أكد القائمون عليها أ أنهم لا يمثلون سلطة أو مشروع حكم، بل يسعون لخلق “هيئة إنقاذ مدنية تنبثق من المجتمع وتعمل لأجله”
• من بين الأهداف المعلنة: إدانة المجازر، تحميل السلطة مسؤولية الأحداث، تعزيز وحدة السويداء ضمن سوريا الموحدة، العمل على عودة الأهالي وتعويض المتضررين، وتحييد المحافظة عن الصراعات الإقليمية.
• ليس له قيادة سياسية موحدة ذات حضور إعلامي واسع: لا تظهر في المصادر أسماء قيادية معروفة بخلاف إشارة غير رسمية إلى أشخاص مثل كنان مسعود كأحد القائمين على المبادرة في حديث صحفي؛ لكن المبادرة بشكل عام تبقى جماعية وشبه مفتوحة.
• شرط التوسع وتشكيل أدوات قاعدية: من غير المتوقع في المرحلة الراهنة أن تتحول إلى تيّار سياسي كامل أو حزب منظَّم، إذ يبرز دورها أكثر كساحة للتنسيق المدني ومحاولة كسر الجمود بين المجتمع والدولة والقوى المحلية.

الخلاصة:
**تؤكد المعطيات أن السويداء ليست أزمة محلية معزولة، بل عقدة سياسية–اجتماعية تقع عند تقاطع التحولات الوطنية. الغموض في العلاقة مع إسرائيل يشكّل خطراً وجودياً لا ورقة تفاوض. كما أن الاتجاه العام للدولة والمجتمع الدولي يتقاطع بوضوح عند وحدة سورية ورفض الكيانات الرمادية.
**في هذا الإطار، لا يشكّل “الطريق الثالث” بديلاً عن الدولة، بل أداة مجتمعية لمنع الانهيار المحلي إلى أن تستعيد السياسة حضورها الطبيعي في الفضاء العام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.