السعودية–باكستان: هل ظهر ضعف الاتفاق الدفاعي المشترك؟
تقدير موقف:
د. محمد قواص ؛ مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: أظهرت الحرب على إيران أول اختبار فعلي لمدى فاعلية اتفاق الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان. ففي الوقت الذي سعت فيه إسلام آباد إلى المناورة بين التزاماتها تجاه الرياض وتعقيدات الجغرافيا السياسية المرتبطة بعلاقتها مع طهران، وفي ظل الجدل حول فعالية الضمانات الدفاعية الأميركية، كشفت التجربة حدود “الخيار الباكستاني” داخل منظومة الدفاع السعودية، من حيث طبيعته ووظيفته وسقفه العملي.
في المعطيات:
• في 11 أبريل 2026، أعلنت وزارة الدفاع السعودية وصول قوة عسكرية باكستانية إلى قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية ضمن إطار اتفاق الدفاع الاستراتيجي، وتحدثت تقارير عن أن هذه القوة ضمّت طائرات مقاتلة وعناصر دعم، بهدف تعزيز الجاهزية والتنسيق المشترك.
• في 7 أبريل 2026، أدانت وزارة الخارجية الباكستانية والجيش الباكستاني الضربات الإيرانية الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة على منشآت الطاقة في المنطقة الشرقية السعودية، ووصفتها بأنها “تصعيد خطير يقوّض السلام” وانتهاك للسيادة السعودية. كما أكد مسؤول أمني باكستاني أن بلاده ستقف إلى جانب السعودية وفق الاتفاق في حال تصاعدت الحرب.
• في اليوم نفسه، أعرب رئيس الوزراء شهباز شريف، خلال اتصال مع ولي العهد السعودي، عن وقوف باكستان “كتفاً إلى كتف” مع المملكة.
• في 7 مارس 2026، عقد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان اجتماعاً في الرياض مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، جرى خلاله بحث آليات وقف الاعتداءات الإيرانية ضمن إطار الاتفاق الدفاعي، في أول تفعيل عملي واضح للاتفاق خلال التصعيد.
• في 3 مارس 2026، صرّح نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحق دار بأنه أبلغ الجانب الإيراني باتفاقية الدفاع المشترك مع السعودية، مؤكداً التزام بلاده بها، ومشيراً إلى أنه طلب من طهران أخذ ذلك في الاعتبار.
• أشار دار إلى أن إيران طلبت ضمانات بعدم استخدام الأراضي السعودية لشن هجمات ضدها، وأن باكستان نقلت هذه الرسالة إلى الرياض، ما ساهم في تخفيف بعض الضربات الإيرانية في المرحلة المبكرة.
• خلال مارس 2026، طرحت باكستان نفسها وسيطاً إقليمياً، واستضافت محادثات مرتبطة بالحرب، مؤكدة استعدادها للعب دور قناة تواصل بين الأطراف.
• في 17 سبتمبر 2025، وُقّعت اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك بين السعودية وباكستان، ونصّت على أن أي عدوان على أحد الطرفين يُعد عدواناً على الآخر، من دون نص صريح يلزم بتدخل عسكري شامل أو نووي تلقائي.
• يرى مراقبون أن الالتزام الباكستاني تجلّى في ثلاثة مستويات: الردع السياسي، والرمزية العسكرية، ثم الانتشار المحدود، دون الانتقال إلى مشاركة قتالية مباشرة.
• تشير تقديرات إلى أن باكستان حرصت على موازنة موقفها بين طمأنة السعودية وتفادي التصعيد مع إيران، مع تأكيدها على صيغة “الدفاع والتنسيق” بدلاً من “القتال المباشر”.
• تبرز مصادر أن أي انخراط عسكري باكستاني واسع قد يثير توتراً على حدودها الغربية مع إيران، خاصة في ظل وجود حساسيات طائفية داخلية، إلى جانب انشغالها بتحديات أمنية مع الهند وأفغانستان.
• تشير مراجع باكستانية إلى أن إسلام آباد ترى في دور الوساطة قيمة استراتيجية موازية، إن لم تكن أعلى، من قيمة التحالف العسكري المباشر.
• تستنتج هذه المراجع أن الاتفاق الدفاعي، رغم أهميته، لا يترجم تلقائياً إلى التزام قتالي شامل، وأنه يظل محكوماً بقيود سياسية وجغرافية داخلية.
التحليل:
تكشف المعطيات أن اتفاق الدفاع الاستراتيجي بين السعودية وباكستان يعمل ضمن إطار “الردع المرن” أكثر من كونه تحالفاً عسكرياً صلباً. فإسلام آباد، رغم تأكيدها السياسي الواضح على دعم الرياض، حرصت على إبقاء تدخلها ضمن سقف مدروس يوازن بين التزاماتها الدفاعية ومصالحها الإقليمية.
أولاً، يتضح أن باكستان تعاملت مع الاتفاق بوصفه أداة ردع سياسية ودبلوماسية قبل أن يكون أداة تدخل عسكري مباشر. فقد ركزت على إرسال رسائل تحذيرية إلى إيران، ونقل الضمانات بين الأطراف، وهو ما يعكس إدراكها لحساسية موقعها الجغرافي وحدود قدرتها على الانخراط في مواجهة مفتوحة.
ثانياً، يكشف النشر العسكري المحدود أن باكستان سعت إلى تحقيق توازن دقيق: إظهار الالتزام تجاه السعودية دون استفزاز إيران. ويعزز ذلك غياب إعلان باكستاني رسمي موازٍ للإعلان السعودي عن نشر القوات، ما يعكس رغبة في إبقاء هذا الدور ضمن مستوى منخفض من الظهور السياسي.
ثالثاً، يبرز دور الوساطة كأحد المرتكزات الأساسية للسياسة الباكستانية، حيث سعت إسلام آباد إلى الحفاظ على موقعها كقناة تواصل بين الأطراف المتصارعة. هذا التوجه يتناقض جزئياً مع منطق التحالف الدفاعي التقليدي، لكنه يعكس قراءة براغماتية لمصالح باكستان الإقليمية.
رابعاً، تكشف التجربة أن الاتفاق الدفاعي لا يتضمن آليات إلزام واضحة تفرض تدخلاً عسكرياً مباشراً، ما يترك هامشاً واسعاً لتقدير الموقف السياسي من جانب باكستان. وهذا ما يجعل الاتفاق أقرب إلى إطار تعاون دفاعي مرن منه إلى تحالف قتال مشترك.
خامساً، تبرز القيود البنيوية التي تحكم القرار الباكستاني، سواء على مستوى التوازنات الداخلية، أو التحديات الأمنية الإقليمية، أو العلاقة المعقدة مع إيران. هذه القيود تحدّ من إمكانية تحول باكستان إلى مظلة دفاعية كاملة للسعودية في حال اندلاع حرب شاملة.
الخلاصات:
**التزمت باكستان باتفاق الدفاع الاستراتيجي من خلال دعم السعودية سياسياً، وتفعيل الردع الرمزي، ونشر قوة محدودة، مع توجيه رسائل تحذيرية إلى إيران، لكنها راعت في الوقت ذاته حساباتها كدولة حدودية ووسيط إقليمي.
**عزّز الاتفاق الموقع الردعي للسعودية، لكنه كشف أن الخيار الباكستاني ليس بديلاً كاملاً عن بناء قدرات دفاعية ذاتية متقدمة، أو عن تنويع الشراكات الدفاعية.
**يعكس غياب الإعلان الباكستاني عن نشر القوات حرص إسلام آباد على تجنب استفزاز إيران، والحفاظ على دورها كوسيط، ما يحدّ من الطابع العملياتي للاتفاق.
**رغم الأهمية التاريخية للعلاقة الدفاعية بين السعودية وباكستان، فإن الدعم الباكستاني ظهر متأخراً ومحدوداً، بما يعكس قيوداً سياسية وجغرافية واضحة.
**أظهرت التجربة أن أولوية باكستان تميل نحو الوساطة وإدارة التوازنات، أكثر من الانخراط في مواجهة مباشرة، ما يضع حدوداً للاعتماد الكامل عليها في سيناريوهات الحرب الشاملة.
**تكشف هذه المعطيات أن خيار “باكستان” يظل مهماً في مجالات التدريب والتنسيق والردع الرمزي، لكنه لا يشكّل ضمانة مطلقة في مواجهة مفتوحة مع إيران.
**يفترض هذا الواقع توجهاً سعودياً نحو تنويع مصادر الردع، وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، وتوسيع شبكة التحالفات الإقليمية والدولية لضمان أمن أكثر استدامة.