الزيدي في واشنطن: مناورة فصل قرار بغداد عن وصاية طهران

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف

تقديم: أظهر الرئيس الأميركي الرعاية والدعم لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أثناء استقباله في واشنطن. وفيما استبق الزيدي الزيارة بشنّ حملة غير مسبوقة ضد الفساد في العراق، كما نشرت وسائل إعلام أميركية احتجاجه لدى مسؤولين إيرانيين على دعم طهران لفصائل عراقية مسلحة، يطرح المراقبون أسئلة بشأن قدرة تحالف بغداد وواشنطن على إخراج النفوذ الإيراني من العراق، خصوصاً بعد أن أثبتت طهران من خلال جنازة خامنئي في النجف وكربلاء استمرار نفوذها في هذا البلد.

في المعطيات:
– في 14 يوليو 2026، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، في أول زيارة رسمية خارجية له منذ توليه المنصب.
– وصف ترامب اللقاء بـ”الكيمياء الرائعة بين رجلي أعمال ناجحين”، وأشاد بالزيدي واصفاً إياه بـ”البطل الجديد” الذي حقق “فوزاً انتخابياً حاسماً”.
– تعهد الجانبان بتعميق العلاقات الاقتصادية وزيادة إنتاج النفط العراقي، مع الحديث عن صفقات كثيرة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

– أعلن الزيدي أمام ترامب موعداً لخروج القوات الأميركية من العراق في 30 سبتمبر 2027
– ركز اللقاء على التحول من التعاون العسكري إلى الاقتصادي، وتقليص النفوذ الإيراني.
– قبل ساعات من وصول الزيدي إلى واشنطن ، نشرت وسائل إعلام أميركية تقارير عن احتجاج الزيدي أمام وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني على استمرار دعم طهران للفصائل العراقية المسلحة.
– قبل الزيارة بأيام، ابتداءً من 28 يونيو 2026، نفذت حكومة الزيدي حملة غير مسبوقة منذ 2003 على واجهات الفساد، أسقطت خلالها رؤوساً من مستويات متوسطة في الدولة، في خطوة اعتُبرت رسالة للولايات المتحدة وتلبية لمطالب مبعوثها الرئاسي توم باراك.
– في 8 يوليو 2026، أعلنت حكومة الزيدي عطلة رسمية، فيما تحولت النجف وكربلاء إلى ساحة لمواكب جنائزية للمرشد الإيراني علي خامنئي.

– شارك في المناسبة قيادات من الإطار التنسيقي (نوري المالكي، هادي العامري، قيس الخزعلي)، وقادة من قوات الحشد الشعبي بشكل بارز، بالإضافة إلى السيد مقتدى الصدر وشخصيات سنية مثل محمد الحلبوسي وخالد الملا.
– قُدّر عدد المشاركين في النجف بأكثر من 2.3 مليون شخص. واستقبل الزيدي الوفد الإيراني في مطار النجف مساء 7 يوليو، فيما اعتبر المراقبون الحدث ضغطاً إيرانياً على الزيدي قبل أيام من زيارته واشنطن.
– في 14 مايو 2026، تولى الزيدي منصب رئاسة الوزراء بشكل لم يكن متوقعاً. وبرز الزيدي، وهو رجل أعمال بدون خلفية سياسية سابقة، كمرشح توافقي بعد شهور من الجمود السياسي عقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 نوفمبر 2025.
– كان ترامب قد رفض علناً مرشح الإطار التنسيقي الشيعي نوري المالكي، ثم أعرب بعد تعيين الزيدي في المنصب عن دعمه الكامل له.

– يعتبر محللون أن خيار واشنطن في رفض المالكي ودعم الزيدي جاء في سياق سياسة أميركية أشرف عليها المبعوث الرئاسي توم باراك، وأن مكافحة الزيدي للفساد ومطالبته بحصرية السلاح بيد الدولة جاءت لتلبية مطالب هذه السياسة.
– تأتي زيارة الزيدي في لحظة حساسة للغاية، حيث يتصاعد الصراع الأميركي-الإيراني إقليمياً من مضيق هرمز إلى لبنان، بمعنى أن واشنطن تعوّل على رئيس الوزراء العراقي وحكومته لفتح صفحة جديدة لتقليص نفوذ إيران في العراق.
– تلاحظ مصادر عراقية مراقبة أن الزيدي يحاول لعب دور متوازن، من حيث إطلاق حملة مكافحة فساد جريئة وإبداء احتجاج على الدعم الإيراني للفصائل، مما يرضي واشنطن ويفتح أبواب الاستثمارات الأميركية. ومن جهة أخرى، اضطر إلى السماح بجنازة خامنئي الرسمية الضخمة، التي أظهرت قدرة إيران المستمرة على تعبئة الشارع الشيعي والمؤسسات الرسمية.
– ترصد مصادر بحثية أنه على الرغم من الدعم العلني الواسع من الولايات المتحدة للزيدي وحكومته، فإن أمام الزيدي تحديات رئيسية، أهمها:

1. وجود فصائل مسلحة كبرى، بعضها مندرج داخل الحشد الشعبي والإطار التنسيقي، يمتلكون سلاحاً ونفوذاً سياسياً وشعبياً، وجميعها موالٍ لإيران ومن ضمن نفوذها في البلاد. وهذا يعني أن أي محاولة جادة لحصر السلاح بيد الدولة قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة. وقد أثبتت جنازة خامنئي أن هذه الفصائل لا تزال قادرة على تعبئة الملايين.
2. صعوبة مكافحة الفساد بصفته من الظواهر المتجذرة داخل النظام السياسي العراقي والمستفيدة منه. صحيح أن الخطوات الأخيرة كانت استثنائية وغير مسبوقة، غير أنها قد تفقد زخمها إذا بقيت منحصرة في مستويات وسطى ومنخفضة، خصوصاً أنها قد تواجه مقاومة شرسة من شبكات المصالح المرتبطة بإيران.
3. ضعف البيئة السياسية الحاضنة، لجهة أن الزيدي جديد وغير سياسي، مما يمنحه بعض المرونة، لكنه يفتقر إلى قاعدة شعبية أو حزبية قوية، في حين أن اعتماده على توافق الإطار التنسيقي (الموالي لإيران جزئياً) يحد من حركته.
4. إشكالية الاعتماد على واشنطن، من حيث أن العراق يحتاج إلى الاستثمارات الأميركية لتنويع اقتصاده بعيداً عن النفط، ومن حيث حصول البلد على دعم في مواجهة الميليشيات. لكن إعلان موعد انسحاب القوات الأميركية قد يكون تنازلاً لإرضاء الداخل أو إيران، ويثير تساؤلات حول مدى الالتزام الأميركي طويل الأمد
5. تعتقد جهات عراقية أن الزيدي يستطيع مواجهة الفصائل الإيرانية جزئياً على المدى القصير، بفضل الغطاء الأميركي والحملة ضد الفساد التي تضعف الشبكات المالية للميليشيات.
6. ترى نفس الجهات، مع ذلك، أن جنازة خامنئي في كربلاء والنجف كشفت حدود هذه القدرة، لجهة أن النفوذ الإيراني لا يزال قوياً على المستوى الشعبي والسياسي داخل الوسط الشيعي، ويمتد عابراً للطوائف.

خلاصة:
**تمثل زيارة الزيدي إلى واشنطن اختباراً حقيقياً للطرفين للقدرة على مواجهة نظام ما بعد 2003، الذي بات من خلال الفصائل وشبكات الفساد ميدان نفوذ إيراني بامتياز.
**تأتي الزيارة في سياق المواجهة الأميركية-الإيرانية، وسعي واشنطن إلى إضعاف ورقة إيران في العراق، بعد سقوطها في سوريا وخروج النظام الرسمي اللبناني من مجال النفوذ الإيراني.
**تعوّل واشنطن، من خلال الزيدي وإشراف المبعوث الرئاسي توم باراك، على فصل قرار بغداد عن وصاية طهران، وحصرية السلاح في العراق للدولة.
**وبينما يستطيع الزيدي التعويل على واشنطن لمواجهة الفصائل المسلحة، فإن الإعلان عن موعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من العراق قد يضعف موقف الزيدي.
**في حال لم تستمر مكافحة الفساد بجدية لتطال “رؤوساً” كبرى، فإن شبكات المال المتجذرة والفصائل المسلحة قد تقاوم توجهات الزيدي.
**بعثت جنازة خامنئي في النجف وكربلاء، بالمشاركة المليونية الشعبية إضافة إلى قادة سياسيين من كافة المذاهب، رسالة إيرانية للزيدي وواشنطن باستمرار نفوذ طهران في العراق.
**في سياق المواجهة الأميركية-الإيرانية، قد تكثف واشنطن جهودها وسياساتها لفصل مسار العراق عن قرار طهران، على منوال جهود واشنطن ورعايتها لمفاوضات لبنانية-إسرائيلية بعيداً عن مفاوضاتها مع إيران.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.