الرياض بين واشنطن وأبوظبي: إدارة التهديد اليمني وترميم الموقف الخليجي

د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم:
تزامنت زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى واشنطن مع تلبية نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان دعوة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان لزيارة الرياض. فكيف يمكن وصف الدبلوماسية السعودية في ظل تصاعد الصراع في اليمن وتهديده لأراضي المملكة ولأمن الملاحة في البحر الأحمر؟ وماذا يحمل الوزير السعودي إلى واشنطن، وما ملفات الزيارة الإماراتية للمملكة؟

المعطيات والوقائع:
في 29 سبتمبر 2026، التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشيخ منصور بن زايد آل نهيان في الرياض، وحضر اللقاء وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان. ووفق الأنباء الرسمية، استعرض الطرفان العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع في المنطقة. وفي اليوم نفسه، بحث الشيخ منصور والأمير خالد سبل تعزيز العلاقات بما يخدم المصالح المشتركة.

وكان الشيخ منصور قد وصل إلى مطار الملك خالد الدولي في زيارة وصفها الإعلام الرسمي الإماراتي بأنها “أخوية”، واستقبله الأمير خالد. ورافق الضيف وفد أمني دفاعي ضم علي بن حماد الشامسي الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن الوطني، وعلي سعيد النيادي رئيس الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث، والدكتور ناصر حميد النعيمي الأمين العام لمجلس التوازن للتمكين الدفاعي، وعدداً من كبار المسؤولين.

وفي 28 سبتمبر 2026، وصل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى واشنطن، والتقى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وتناولت المحادثات العلاقات الثنائية والمستجدات الإقليمية، وفي مقدمتها اليمن وأمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، إضافة إلى إيران وغزة والسودان. وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع السعودية دعوة الشيخ منصور لزيارة المملكة، وصدر عن وكالة الأنباء الإماراتية بيانا اكدت قبول الدعوة ووصفت الزيارة بالأخوية.

وفي 26 سبتمبر 2026، ألقى الأمير فيصل بن فرحان كلمة المملكة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، اتهم فيها إيران بشن اعتداءات على دول المنطقة، ورفض استخدام الممرات المائية أداة ضغط أو تهديد، ودعا إلى حماية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وجدد الدعم لجهود قطر وباكستان لخفض التصعيد بين واشنطن وطهران، وطالب المجتمع الدولي برفض عمليات الحوثيين في البحر الأحمر.

وفي 24 سبتمبر 2026، قالت السعودية إنها اعترضت ستة صواريخ باليستية حوثية استهدفت الطائف وينبع، بينما أعلن الحوثيون استهداف موقع حساس في الرياض ومنشآت أرامكو في ينبع. وفي 20 سبتمبر، نشرت “نيويورك تايمز” أن الأمير محمد بن سلمان اتصل بالرئيس ترامب وطلب مجدداً التدخل لوقف تقدم الحوثيين، بعد رفض طلب مماثل في الأسبوع السابق. وفي 14 سبتمبر، التقى الأمير محمد بن سلمان قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر في جدة.

وتذكّر مصادر متابعة بمواقف متباينة بين الرياض وأبوظبي في عناوين عديدة، أهمها: رفض الإمارات ما سمّته دوائرها “السلام الرخيص” في التعامل مع إيران، ومطالبتها بموقف خليجي عسكري صارم ضد الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج؛ وإبقاء السعودية على دعم المسار التفاوضي الذي تقوده باكستان وقطر مع رفض تحويل المضائق إلى ورقة ضغط؛ والأزمة التي بلغت الجنوب اليمني بعد تقدم المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة أواخر 2025 ورد الرياض عسكرياً وسياسياً؛ وسحب الإمارات قواتها المتبقية من اليمن؛ وخروج الإمارات من منظمة أوبك.

التحليل:
يلفت محللون خليجيون إلى أهمية تزامن اجتماع الأمير فيصل بن فرحان وروبيو مع لقاءات الشيخ منصور بالقيادة السعودية، لجهة تظهير الرياض واجهتي علاقاتها مع واشنطن على قاعدة إبراز صلابة علاقاتها مع دول الخليج، لا سيما الإمارات. ويضيف المحللون أن دعوة الشيخ واستقباله تجريان من قبل أعلى سلطة في المملكة، وأن الاستجابة الإماراتية السريعة للدعوة السعودية تكشف توق الرياض وأبو ظبي إلى ترميم سريع للعلاقات المتوترة، لا سيما منذ أزمة جنوب اليمن.

وتعتقد مصادر دبلوماسية أنه رغم تعدد ملفات التقاطع والتباين الإقليمي بين السعودية والإمارات، فإن المرجح أن يحتل ملف اليمن حيزاً أساسياً من المحادثات، لما له من جوانب عاجلة وآنية بالنسبة لأمن السعودية المباشر وللأمن الخليجي العام، بما في ذلك أمن الإمارات. وتضيف المصادر أن مصلحة البلدين العاجلة تلتقي على إيجاد نقطة توازن بين موقفي الرياض وأبوظبي بشأن مقاربة الأخطار الإيرانية، وإيجاد مساحة مشتركة للتعامل سياسياً وربما أمنياً وعسكرياً مع الظاهرة الحوثية المرشحة لمزيد من التدهور، وإيجاد قواعد مشتركة تؤسس لموقف خليجي واحد أو أقل تبايناً يمكن الاستقواء به إقليمياً ودولياً.

رجحت تحليلات أن تطلب الرياض من الإمارات دوراً تنسيقياً يقوم على ما تملكه أبوظبي من معطيات ونفوذ ومعلومات استخبارية، يكون جزءاً من جهود عسكرية سعودية ويمنية قد تدعمها موارد عسكرية أوروبية، فرنسية وبريطانية ودول أخرى، وأميركية إذا ما احتاج الأمر تطوراً نوعياً عسكرياً. وترجح هذه التحليلات أن تبدي الإمارات استعداداً لتقديم ما يمكن تقديمه والتجاوب مع اللحظة الأمنية الحرجة التي تتعرض لها السعودية وامتداداتها الخليجية، مقابل ترتيبات تحفظ للإمارات مصالح ونفوذاً وهامش استقلال في سياساتها حيال اليمن وملفات أخرى.

وتخلص بعض القراءات إلى أن الطرفين قد يتوصلا إلى توافقات تحتاجها مصلحتهما في اللحظة اليمنية، من دون أن تتعارض مع حالة المنافسة التي ستبقى قائمة بين البلدين، سواء في ملفات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا، أو في فلسفة البلدين في التعامل مع المشهدين الإقليمي والدولي.

خلاصة:
– عكست زيارة وزير الخارجية السعودي إلى واشنطن، بالتزامن مع دعوة الشيخ منصور إلى الرياض، سعي الرياض لإدارة التهديد اليمني ضمن دوائر إقليمية ودولية متعددة. وقد يوحي هذا التزامن بأن الرياض تخاطب واشنطن من موقع مقاربة إقليمية متكاملة، لا من موقع ملف ثنائي مستقل عن الهمّ الخليجي العام.
– استمرار الهجمات الحوثية على مدن ومنشآت سعودية، إلى جانب تهديد الملاحة في البحر الأحمر، دفع الرياض إلى البحث عن ترتيبات تتجاوز المعالجة السياسية التقليدية للصراع اليمني. وتتزامن الاتصالات مع واشنطن مع تحرك سعودي لإعادة ترتيب الموقف الخليجي، بما يوسع هامش الخيارات أمام المملكة.
– يعتقد أن التقارب السعودي الإماراتي الحالي أقرب إلى تنسيق الضرورة منه إلى إنهاء المنافسة والتباين في ملفات المنطقة. وتدل طبيعة الوفد المرافق للشيخ منصور على الطابع العملياتي للزيارة وطبيعة المحادثات مع الرياض. وقد يتوصل الطرفان بشأن إيران إلى نقطة تعايش بين ميل الرياض إلى إبقاء مساحة للمسار التفاوضي، وإظهار أبوظبي تشدداً أكبر تجاه المخاطر الإيرانية.
– لا تزال الخلافات السابقة حول الجنوب اليمني حاضرة، لكن التحديات اليمنية قد تفتح الباب أمام صيغة تعاون جديدة. والسيناريو الأقرب هو البحث عن دور إماراتي في التنسيق والمعلومات والدعم السياسي والأمني، مع تجنب إعادة الانتشار العسكري الواسع. ويعتقد أن الرياض تسعى إلى تحويل التهديد اليمني من مشكلة سعودية إلى قضية أمن خليجي ودولي، لا سيما إثر إعلان عواصم أوروبية استعدادها للدفع بموارد عسكرية. وقد يسمح الخطر المشترك بإنتاج ترتيبات مؤقتة أو مرحلية حول اليمن وإيران وأمن الملاحة، من دون أن يعني ذلك نشوء تحالف سعودي إماراتي جديد أو انتهاء الخلافات البنيوية بين البلدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.