الديمقراطيون في أمريكا وإسرائيل: من الإجماع إلى المراجعة
حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف :
تقديم:
في 15 يوليو/تموز، صوّت أكثر من نصف أعضاء الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب لصالح مقترح يقضي بوقف المساعدات العسكرية الأميركية السنوية لإسرائيل البالغة 3.3 مليارات دولار، في تطور غير مسبوق داخل الحياة السياسية الأميركية. ورغم سقوط المقترح بفعل الأغلبية الجمهورية، يمكن القول ان دلالات التصويت تتجاوز نتيجته التشريعية المباشرة، إذ تعكس تحولاً متسارعاً في المزاج الديمقراطي تجاه إسرائيل، على خلفية الحرب في غزة وتداعياتها الإنسانية والسياسية، وتمتدّ من إدارة الحرب ذاتها إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، وحدود الدعم غير المشروط الذي شكّل لعقود أحد ثوابت السياسة الخارجية الأميركية
قراءة وتحليل:
• اتساع دائرة المعترضين:
لم يكن التصويت الأخير مجرّد محاولة فاشلة لتعديل بند في مشروع موازنة وزارة الخارجية، بل مؤشراً سياسياً على تآكل أحد أكثر عناصر الإجماع رسوخاً في الحياة السياسية الأميركية. فقد ظلّ الدعم التقليدي لإسرائيل لعقود طويلة يحظى بتوافق الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بينما كانت الاعتراضات محصورة في الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، حيث لم يكن عدد المؤيدين لوقف المساعدات يتجاوز عشرات قليلة قبل عامين. غير أن التصويت الأخير كشف عن اتساع غير مسبوق في دائرة المعترضين، إذ ارتفع عدد الديمقراطيين المؤيدين للوقف إلى أكثر من مئة نائب، فيما امتنع آخرون أو رفضوا الاصطفاف مع الدعم التقليدي، بما يعكس انتقال الموقف من هامش الحزب إلى مساحة مؤثرة داخل كتلته البرلمانية.
تكشف استطلاعات الرأي عن تحولات موازية في اتجاهات الناخبين الديمقراطيين، حيث ارتفعت نسبة من يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعماً مفرطاً لإسرائيل، بالتوازي مع تزايد الاعتقاد بأن واشنطن لا تقدم دعماً كافياً للفلسطينيين، بما يجعل الموقف من الحرب في غزة أحد معايير التنافس داخل الحزب خلال الانتخابات النصفية والرئاسية المقبلة.
ويبدو أن الحرب في غزة شكّلت العامل الأكثر تأثيراً في هذا التحول، إذ أدت صور الدمار والخسائر البشرية والانتقادات الدولية الواسعة إلى تعميق الفجوة بين قواعد الحزب الديمقراطي وقياداته التقليدية، في ظلّ ضغوط متزايدة على النواب، خاصة في الدوائر الجامعية والمدينية والشبابية، لاتخاذ مواقف أكثر تشدّداً تجاه حكومة نتنياهو.
• تحولات شخصيات تاريخية:
يكتسب التحول أهميته من تجاوزه الشخصيات التقدمية المعروفة بانتقادها لإسرائيل ليطال قيادات تاريخية كانت تُعدّ من أبرز المدافعين عن العلاقة الأميركية الإسرائيلية. فقد دعمت رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي المقترح، مؤكدة أن استمرار السياسات الحالية لحكومة نتنياهو لم يعد قابلاً للدفاع عنه. كما أعلن النائب سيث مولتون، المعروف سابقاً بمواقفه المؤيدة لإسرائيل، تأييده وقف المساعدات، وربط ذلك باعتبارات أخلاقية وأمنية أميركية، إضافة إلى قراره وقف تلقّي التبرعات من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)، في خطوة تعكس تراجع النفوذ السياسي التقليدي لبعض جماعات الضغط داخل الأوساط الديمقراطية.
• تغييرات مشابهة في أوروبا:
يتقاطع هذا التحول الداخلي مع تغيّرات مشابهة تشهدها دول غربية أخرى، حيث تزايدت الانتقادات الرسمية والشعبية للسياسات الإسرائيلية داخل عدد من البرلمانات الأوروبية والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية، بما يشير إلى أن الحرب في غزة أعادت تشكيل النقاش الغربي حول القضية الفلسطينية، وأضعفت الخطاب التقليدي القائم على الدعم غير المشروط.غير أن هذا التحول لا ينبغي قراءته بوصفه انقلاباً كاملاً في السياسة الأميركية، فما يزال الحزب الجمهوري متمسكاً بالدعم الكامل لإسرائيل، كما أن المؤسسات التنفيذية والأمنية الأميركية لا تزال تنظر إلى إسرائيل بوصفها شريكاً استراتيجياً أساسياً في الشرق الأوسط، بما يجعل ما يجري تعبيراً عن تحوّل تدريجي في البيئة السياسية والاجتماعية التي تُصنع داخلها السياسات، أكثر منه تغيّراً فورياً في توجهات الدولة.
الخلاصات والآفاق المستقبلية:
• يشير التصويت الأخير إلى بداية تآكل أحد أكثر عناصر الإجماع السياسي الأميركي استقراراً – وهو الدعم غير المشروط لإسرائيل – حتى وإن لم يُفضِ إلى تغيير فوري في السياسة الأميركية، إذ تنتقل الانتقادات من هامش الحزب الديمقراطي إلى قلبه، وتتحوّل القضية الفلسطينية من ملف خارجي معزول إلى جزء من الصراع الداخلي على هوية الحزب وبرامجه الانتخابية.
• استمرار الدعم الجمهوري، وتمسّك مؤسسات الدولة بتحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، يعني أن التحول الجاري لا يزال في مرحلة إعادة تشكيل البيئة السياسية أكثر من كونه تحوّلاً نهائياً في السياسة الرسمية.
• على المستوى الاستشرافي، يمتدّ أثر هذا التحول إلى ثلاثة مسارات مركزية في مستقبل السياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية، وإن ظلّ أثره في كل منها متفاوتاً في الزخم والزمن والمآل:
أولاً: ملف الاعتراف بالدولة الفلسطينية. ظلّ الموقف الأميركي تاريخياً رافضاً لأي اعتراف أحادي خارج تسوية تفاوضية شاملة. غير أن تصاعد الاعترافات الدولية خلال السنوات الأخيرة – ولا سيما في أوروبا الغربية – وصعود جيل جديد من المشرّعين الديمقراطيين الأكثر تشكّكاً في الرواية الإسرائيلية الرسمية، شرعا يطرحان هذا الملف داخل أروقة الكونغرس والإدارة كنقاش مشروع، وإن ظلّ التحول الجذري رهناً بإعادة تعريف واشنطن للدور الذي يمكن أن يلعبه الاعتراف، بين ورقة ضغط تفاوضية وبين التزام مبدأي ثابت. وبذلك، فإن المعيار الذي سيُحسم على أساسه هذا الملف ليس مدى الإجماع الداخلي فحسب، بل طبيعة الاستخدام الاستراتيجي للاعتراف في معادلة التسوية.
ثانياً: مستقبل صفقات السلاح. يتجاوز التحدّي وقف المساعدات السنوية الثابتة ليشمل إخضاع الصفقات النوعية الكبرى – كقنابل GBU-57 الخارقة للتحصينات، والذخائر الموجهة، وأنظمة الأسلحة الثقيلة، لشروط قانونية وإنسانية أكثر صرامة بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة. غير أن هذا المسار يصطدم بحقائق بنيوية تتعلق بعمق التشابك بين المنظومتين الدفاعيتين الأميركية والإسرائيلية، إذ ترتبط صناعة السلاح الإسرائيلية بأكثر من ألف شركة في نحو 40 ولاية أميركية، وتستفيد من صفقات عسكرية إجمالية تتجاوز قيمتها حجم المساعدات الرسمية المعلنة، بما يجعل أي تقليص جوهري في تدفق السلاح عملية تدريجية ومعقّدة تستلزم إعادة هيكلة العلاقة الدفاعية ذاتها على المدى المتوسط.
ثالثاً: أنماط استخدام واشنطن لحق النقض في مجلس الأمن. يكمن التحول الأكثر دلالة في الانتقال التدريجي للموقف الأميركي من نمط الفيتو الأحادي المتكرر ضد أي قرار يدين الانتهاكات الإسرائيلية أو يعترف بحقوق فلسطينية، إلى نمط هجين يجمع بين الامتناع والدعم المحدود لقرارات إنسانية، مع صعود تيار ديمقراطي ومؤسسي يطالب بعدم استخدام الفيتو ضد قرارات وقف إطلاق النار أو حماية المدنيين أو إدانة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهو ما يُضعف، بشكل تراكمي، الغطاء الدولي التقليدي الذي اعتادت واشنطن توفيره لإسرائيل، ويفتح هامشاً أوسع للمساءلة الدولية.
• التقدير بأن التحول الديمقراطي الداخلي، على أهميته، لن يترجم تلقائياً إلى تغيير فوري في هذه الملفات الثلاثة، لكنه يهيّئ بيئة سياسية أكثر استعداداً لإخضاعها للنقاش والمساءلة، بما قد يُسهم، على المدى المتوسط، في إعادة تعريف معايير العلاقة الأميركية الإسرائيلية، وتوسيع هامش المناورة الفلسطينية والدولية في الملفات ذات الحساسية الدولية العالية، دون أن يعني ذلك بالضرورة انهيار الإجماع التقليدي أو انتهاء التحالفات الاستراتيجية القائمة في المدى المنظو