الحرب على ايران: المصلحة الاميركية اولا.
ورقة سياسات.
حمادة فراعنة، مركز تقدم للسياسات
ملخص تنفيذي:
تُقدّم الرواية السائدة الحربَ الأمريكية على إيران بوصفها استجابةً للضغط الإسرائيلي واللوبي الصهيوني في واشنطن. غير أن قراءة أعمق للمعطيات تكشف أن هذه الرواية تعكس جزءاً من الصورة وتُخفي جوهرها؛ إذ لم تكن إسرائيل المحرّك الأول، بل الأداة الأنسب لتنفيذ مصالح أمريكية استراتيجية سابقة التشكّل. فالحرب على إيران تندرج في سياق مساعٍ أمريكية شاملة للحفاظ على هيمنة القطب الواحد في مواجهة ثلاثة منافسين متصاعدين: الصين وروسيا وأوروبا الساعية إلى استقلاليتها. وفهم هذه المعادلة شرط لأي تقدير رشيد لمآلات المشهد الإقليمي والدولي.
تقديم:
في عالم تتشابك فيه الدوافع وتتعدد الروايات، يغدو التمييز بين العامل المُحرِّك والعامل المُيسِّر ضرورةً تحليلية لا ترفاً أكاديمياً. فالقول إن إسرائيل استدرجت الولايات المتحدة إلى حرب لم تكن واشنطن تريدها ينطوي على مبالغة تُخفي حقيقة أن آلة صنع القرار الأمريكي، بمؤسساتها الأربع المتشابكة، لا تنساق وراء رغبات حليف مهما بلغت قوة نفوذه. والأصح أن إسرائيل وفّرت الغطاء الأخلاقي والأداة العملياتية لحرب كانت واشنطن تبحث عن ذريعة لخوضها في لحظة استراتيجية مناسبة.
أولاً: بنية صنع القرار الأمريكي — ضد أسطورة “القرار الرئاسي المنفرد”
لا يمكن فهم الحرب على إيران دون استيعاب الطبيعة المركّبة لصنع القرار في واشنطن. فالرئيس الأمريكي، مهما بلغت صلاحياته، يعمل في بيئة مؤسسية متشابكة تضمّ الكونغرس والمؤسسة العسكرية وأجهزة الاستخبارات، وهي مؤسسات ذات مصالح راسخة ورؤى استراتيجية مستقلة لا تُختزَل في شخص الرئيس ولا في ضغوط اللوبيات الخارجية.
وقد أقدم الرئيس ترامب على مبادرة الحرب على دفعتين؛ الأولى في يونيو 2025 والثانية في فبراير 2026، وذلك في ظل امتلاكه أغلبية جمهورية في مجلسي الكونغرس. غير أن هذه الأغلبية لم تكن لتُجدي لو لم تتوافق الحرب مع مصالح المؤسسة العسكرية والاستخباراتية. وهذا التوافق هو المفتاح الحقيقي لفهم الحرب، لا التحريض الإسرائيلي وحده.
ثانياً: إيران في المعادلة الاستراتيجية الأمريكية
تُمثّل إيران في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية عنصراً مزدوج الأثر؛ فهي من جهة حليف موثوق للصين وروسيا يُعزز ثقلهما الإقليمي ويُخفّف من آثار العزل الغربي عنهما، ومن جهة أخرى طرف صاعد يسعى إلى توطيد علاقاته مع أوروبا بما قد يُضعف التضامن الأطلسي حول الإجماع الغربي على العقوبات والاحتواء. وبإضعاف إيران أو تفكيك نظامها، تضرب واشنطن هذه المعادلة في أكثر من نقطة في آنٍ واحد.
وتندرج هذه الحرب في استراتيجية أمريكية أشمل لمواجهة ثلاثة تحديات متصاعدة على الهيمنة الأحادية؛ أوروبا التي تسعى ألمانيا وفرنسا إلى قيادة مسيرة استقلالها الاستراتيجي عنها، وروسيا المنافس التقليدي الأكثر مباشرةً وهي منشغلة بحرب استنزافية في أوكرانيا، والصين المنافس الاقتصادي الأخطر التي تتفادى المواجهة العسكرية المباشرة مستثمرةً تفوقها الاقتصادي التدريجي. وفي هذه المعادلة الثلاثية، توفّر الحرب على إيران فرصة لاستنزاف شبكة الدعم التي تعتمد عليها الصين وروسيا في منطقة استراتيجية بالغة الحساسية.
ثالثاً: إسرائيل — أداة لا قائدة:
تقوم العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، في المنظور الاستراتيجي الأمريكي، على معادلة غير متكافئة رغم مظاهر التحالف الوثيق وخطاب الشراكة المتساوية. فإسرائيل من منظور واشنطن ليست حليفاً بالمعنى الكلاسيكي بقدر ما هي امتداد عملياتي وأداة تنفيذية في منطقة تعذّر على الولايات المتحدة التصرف فيها مباشرةً دون تكاليف سياسية وأخلاقية باهظة. فهي العصا الغليظة التي تضرب حيث لا تستطيع واشنطن أن تضرب، والذراع التي تمتد حيث يتعذّر على البنتاغون الوصول دون إثارة الرأي العام الأمريكي والدولي.
وهذا لا يعني التقليل من النفوذ الإسرائيلي الحقيقي في مؤسسات صنع القرار الأمريكي، سواء في الكونغرس أو في دوائر الإعلام والمال والمؤسسات الفكرية؛ فهذا النفوذ حقيقي وموثّق وذو أثر ملموس. لكن الفارق الجوهري الذي تُغفله كثير من القراءات هو أن النفوذ الإسرائيلي يُسهّل ما تريده واشنطن ويُعجّله ولا يفرض عليها ما لا تريده. فحين تتقاطع الإرادتان يبدو الضغط الإسرائيلي قادراً على تحريك الجبال، وحين تتعارضان تجد إسرائيل نفسها أمام سقف صلب لا تستطيع تجاوزه مهما بلغت قوة لوبياتها.
ويتجلى هذا المنطق بوضوح في سلوك إدارة ترامب التي وفّرت لإسرائيل غطاءً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق؛ من الاعتراف بالقدس عاصمةً موحدة وبضم الجولان وتبنّي الرواية الإسرائيلية للتوسع الإقليمي، إلى المشاركة المباشرة في الحرب على إيران وتزويد إسرائيل بمنظومات أسلحة نوعية حاسمة. غير أن هذه المكتسبات الإسرائيلية المتراكمة لم تأتِ رشوةً من واشنطن لمستعمرة تابعة، بل جاءت تعبيراً عن تطابق مصالح حقيقي في لحظة استراتيجية بعينها؛ فترامب لم يمنح إسرائيل ما طلبته بل منحها ما احتاجه هو أيضاً لإنجاز أجندته الاستراتيجية الأشمل في المنطقة وفي مواجهة الخصوم الدوليين الكبار. وعليه، فإن الحرب على إيران ليست انتصاراً إسرائيلياً على السياسة الأمريكية، بل هي نقطة التقاء مصالح لا تتطابق دائماً، وقد التقت في هذه اللحظة بصورة نادرة الكمال.
رابعاً: تداعيات الحرب على بنية النظام الإقليمي:
أفرزت الحرب على إيران تحولات بنيوية في المشهد الإقليمي يمكن إجمالها في أربعة محاور. على صعيد موازين القوى الإقليمية، أُضعف الثقل الإيراني الذي كان يُشكّل أحد عوامل التوازن في مواجهة الهيمنة الإسرائيلية-الأمريكية، مما يُعيد رسم خريطة النفوذ لصالح قوى الخليج والمحور الإسرائيلي-الغربي. وعلى صعيد شبكات الوكالة، تعرّضت منظومة الأذرع الإيرانية من حزب الله إلى الحوثيين إلى الفصائل العراقية لضغوط استثنائية، وإن كانت قدرتها على التكيف قد أثبتت صعوبة القضاء عليها بالأدوات العسكرية وحدها. وعلى صعيد دول الخليج، وجدت نفسها في موقف بالغ الحساسية؛ إذ تعرّضت أراضيها لهجمات إيرانية في الوقت ذاته الذي لم تُقدّم فيه على أي رد عسكري مباشر، مما فتح نقاشاً داخلياً معمّقاً حول كفاية الضمانات الأمريكية ومتطلبات منظومة الأمن الإقليمي. وعلى الصعيد الفلسطيني، غدت قضية فلسطين مُهمَّشة أكثر في المعادلة الإقليمية في ظل انشغال الأطراف بالملف الإيراني واحتمال توظيف نتائج الحرب لتمرير ترتيبات إقليمية تحت عنوان “اليوم التالي”.
خلاصات:
**تكشف هذه القراءة عن جملة من الاستنتاجات الجوهرية التي ينبغي لصانع القرار الإقليمي استحضارها. فالحرب على إيران لم تكن انتصاراً إسرائيلياً على السياسة الأمريكية، بل تعبيراً عن توافق استراتيجي حقيقي بين مصالح الطرفين في لحظة إقليمية ودولية مواتية. وإضعاف إيران لا يُفضي بالضرورة إلى استقرار إقليمي، بل قد يُنتج فراغاً يتنافس على ملئه فاعلون متعددون بأجندات متعارضة.
**تواجه دول الخليج التي دفعت ثمن الحرب على أراضيها، ضرورة إعادة تعريف شروط شراكاتها الأمنية بما يضمن لها حضوراً حقيقياً في المعادلة لا مجرد دور المتلقي.
**لا يمكن الفصل بين الملف الإيراني والملف الفلسطيني في أي استراتيجية إقليمية متماسكة، إذ أن الترتيبات الإقليمية التي تُرسمها واشنطن وتل أبيب تستهدف تجاوز القضية الفلسطينية لا حلّها.
**أخيراً، فإن الصين وروسيا اللتين خسرتا ورقة إيرانية مهمة لن تقفا مكتوفتي الأيدي، وسيُقرأ تكيّفهما مع الواقع الجديد في المرحلة القادمة بالمراقبة الدقيقة لا بالاستنتاجات المتسرعة.