الحرب الأمريكية على إيران: مقامرة بلا استراتيجية قراءة في المواقف الغربية

ورقة سياسات.

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات

تقديم:
مضى أكثر من شهرين على انطلاق الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، وقد دخلت الحرب مرحلة مطوّلة بالغة الغموض؛ إذ يظل وقف إطلاق النار هشاً ومهدداً، ولا يزال مضيق هرمز يُربك تدفقات الطاقة العالمية، فيما أسفرت الجهود الدبلوماسية عن القليل من المضمون. غير أن أخطر مصادر انعدام اليقين في هذا الصراع ليس عسكرياً ولا جيوسياسياً، بل هو سلوك الإدارة المديرة له.

يجمع عدد كبير من المراقبين على ان إدارة ترامب هذه الحرب دخلت دون مسوّغ واضح الصياغة، ودون أهداف محددة المعالم، ودون استراتيجية خروج متماسكة. وما أعقب ذلك كان نمطاً من التصريحات المتناقضة والأهداف المتحولة والإشارات المتذبذبة، أربك الحلفاء وشجّع الخصوم وأثار تشكك الرأي العام الأمريكي. وبدلاً من أن تُجسّد الإدارة صورة قوة عظمى تمتلك خطة، باتت أقرب إلى قيادة تتحرك بالدافع لا بالاستراتيجية، تستجيب للأحداث بدلاً من أن تُشكّلها. تستند هذه الورقة إلى تحليلات صادرة عن كبريات المنابر الغربية لتقييم ما يكشفه هذا التخبط الاستراتيجي عن آليات صنع القرار في إدارة ترامب، وما ينطوي عليه من دلالات لمسار الصراع.

أولاً: جداول زمنية متحولة وأهداف متغيرة:
وثّق تقرير موسّع لصحيفة واشنطن بوست بتاريخ الخامس من مايو ما بات سمةً مميزة لأداء الإدارة: المراجعة المتواصلة لمواقفها المُعلنة. وقد غدا التذبذب في الجداول الزمنية للحرب نموذجاً فاضحاً للتخبط في الرسائل، مما استوجب تدخلاً متكرراً من موظفي البيت الأبيض لاحتواء تداعياته.

وكان تقييم ليون بانيتا، الذي تقلّد مناصب وزير الدفاع ومدير وكالة المخابرات المركزية ورئيس هيئة موظفي البيت الأبيض في عهود رئاسية ديمقراطية سابقة، من أشد التقييمات قسوةً، إذ قال: “لا أذكر تاريخياً وسياسياً أنني رأيت قائداً سياسياً يلجأ إلى هذا التبرير المتغير باستمرار لتسويغ قراراته بهذا الشكل”، واصفاً خطاب ترامب بأنه “فريد من نوعه.”
ولعل التذبذب في موقف الإدارة من مضيق هرمز يختصر هذه الفوضى في مشهد واحد؛ ففي منتصف مارس هدّد ترامب إيران وطالبها بإعادة فتح المضيق، وبعد عشرة أيام قلّل من أهميته بالنسبة للولايات المتحدة قائلاً إن الدول المعتمدة على نفطه عليها “أن تعتني بنفسها.” وبعد أسبوعين عادت التهديدات وفرضت الولايات المتحدة حصاراً على السفن الإيرانية. وبحلول مطلع مايو، كانت الإدارة تُنفّذ عمليات لإرشاد السفن العالقة عبر المضيق في الوقت الذي كان فيه القادة العسكريون الإيرانيون يُحذّرون من أن أي قوة مسلحة تقترب من المضيق ستُستهدف.

وقد كانت التداعيات على مصداقية واشنطن بالغة الأثر. وأشارت سوزان ملوني، نائبة رئيس ومديرة برنامج السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينغز، إلى تفسير محتمل: أن الولايات المتحدة قدّرت في بادئ الأمر تقديراً قاصراً قدرةَ إيران على تعطيل الاقتصاد العالمي، وما فتئت منذ ذلك الحين تُديّر الأمور ارتجالاً.

ثانياً: أربعة أهداف بلا توافق.
قدّم تحليل CNN بتاريخ الحادي والثلاثين من مارس سرداً تفصيلياً لكيفية تطوّر أهداف الحرب المعلنة وتآكلها. فعند إطلاق الضربات، أطلع وزير الدفاع بيت هيغسيث الصحفيين على أربعة أهداف: تدمير صواريخ إيران الهجومية، وتدمير صناعتها الصاروخية، وتدمير بنيتها البحرية والأمنية، وضمان عدم حصول إيران على أسلحة نووية.

وما تلا ذلك كان تراجعاً متدرجاً؛ فإعلان ترامب بأن الصناعة الصاروخية الإيرانية ستُمحى “محواً تاماً” تلطّف لاحقاً بصياغة وزير الخارجية روبيو التي اكتفت بالهدف إلى “تقليص قدرة إيران الصاروخية تقليصاً ملحوظاً”. وتحوّل هدف “ضمان عدم تسليح إيران لوكلائها وتمويلهم وتوجيههم” إلى هدف أكثر ضبابية وهو “إضعافهم” دون معيار قابل للقياس. وواصل مسؤولون مختلفون عرض نسخ متباينة من الأهداف دون رسالة موحدة تصدر عن البيت الأبيض.

وخلصت CNN بصراحة إلى أنه “يغدو من العسير قياس نجاح المجهود الحربي حين تعجز الإدارة عن تقديم قائمة متسقة من أربعة أهداف”، مضيفةً أن هذا التحوّل المتواصل “لن يهدئ على الأرجح مخاوف الأمريكيين الذين يبدو أنهم لا يفهمون ما الذي تدور حوله هذه الحرب.”

ثالثاً: ضغوط متصاعدة ومسرحية “لا تستعجلوني”:
مع دخول الصراع أسبوعه الثامن، رصدت CNN كيف كان ترامب يسعى بصخب إلى إقناع جمهورين حيويين بأنه يمسك زمام الأمور: قادة إيران والرأي العام الأمريكي. “لا تستعجلوني، لا تستعجلوني”، قال لصحفيين، مؤكداً أنه “لا يرزح تحت أي ضغط زمني.” بيد أن تحليل CNN خلص إلى أن هذا الموقف بحد ذاته كان كاشفاً، إذ رأى أن “إصرار ترامب على إظهار عدم قلقه من الجداول الزمنية ربما يكون محاولة لإخفاء ضغوط متراكمة على الرئيس مع امتداد الصراع.”

وخلص تحليل CNN الشامل إلى أن ترامب “خاض مقامرة هائلة” بتعهده بحرب قصيرة، غير أنه بعد شهرين “لا يلوح أي أفق لنهاية الصراع”، و”تبقى واشنطن دون مكاسب استراتيجية واضحة”، مع “أدلة متزايدة على أن إيران تعتقد أنها تمتلك اليد العليا في حرب وظّفت فيها الجغرافيا بوصفها ورقةً غير متكافئة في مواجهة قوة عظمى.”

رابعاً: التخبط الاستراتيجي – خلل بنيوي لا مجرد فشل في التواصل:
النمط الموثّق آنفاً ليس مجرد إخفاق في التواصل، بل يعكس خللاً أعمق في قلب آلية صنع القرار الأمريكي في السياسة الخارجية. وقد نشرت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في السابع والعشرين من أبريل تقييماً صارخاً أعدّه آرون ديفيد ميلر وداينيل كورتزر، اللذان شغلا بالتوالي منصبي مفاوض سلام وسفير أمريكي لدى إسرائيل ومصر، وأدرج فيه الحرب على إيران في سياق أشمل من الانهيار المنهجي.

كتب المؤلفان أن ترامب يترأس “منظومة مكسورة في صنع السياسات، تتميز بتسلسل من الإخفاقات في السياسة الخارجية” شملت الدبلوماسية الفاشلة في حرب روسيا وأوكرانيا، وانهيار الدبلوماسية قبيل الضربات على إيران، وتعثّر مسار وقف إطلاق النار في غزة، وتصدّع الحلفاء الأمريكيين في شتى أنحاء العالم. وخلص المؤلفان إلى أن الأدوات المفاهيمية وآليات الاستراتيجية الرشيدة والدبلوماسية الناجعة التي كانت تُرشد الولايات المتحدة في الماضي “لا أثر لها الآن.”

وفي مقاربة أقل تحفظاً ولا تقل حدةً، قال ماثيو داس، نائب الرئيس التنفيذي لمركز السياسة الدولية والمستشار السابق لبيرني ساندرز، معلقاً على مآلات الحرب: “حذّر كثيرون منا من هذا بالضبط، غير أن هؤلاء يؤمنون بنوع من الاعتقاد الديني الغريب وغير المبرر في قدرة القوة العسكرية على إنتاج نتائج سحرية. وللمرة الألف ثبت أنهم مجرد ادعاءات فارغة.”

خامساً: فوضى بلا أفق:
رصدت نيويورك تايمز في الرابع من مايو الواقع السياسي الذي تواجهه الإدارة بوضوح: بعد شهرين من الحرب، يجد ترامب نفسه أمام “الواقع المعقد لصراع بات مكلفاً ومثيراً لاستياء شعبي واسع، ويفتقر إلى أفق نهاية واضح.” وقدّم ماثيو بارتلت، الاستراتيجي الجمهوري والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الذي خدم في إدارة ترامب الأولى، حكماً قاطعاً: “الرسائل كانت أكثر من مجرد فوضى. والجدير بالملاحظة أن الأبعاد السياسية والاقتصادية وحتى الدبلوماسية تزداد سوءاً أسبوعاً بأسبوع. المسار تراجعي في كل الاتجاهات، وهذا ليس نبأ ساراً ونحن ندخل أسبوعاً جديداً، بل شهراً جديداً من الحرب.”

خلاصات:
**تُفضي المجموعة التحليلية التي استعرضتها هذه الورقة إلى استنتاج جوهري واحد: إدارة ترامب لا تُعاني من قصور في التواصل حول استراتيجية متماسكة، بل تفتقر أصلاً إلى استراتيجية تتواصل بشأنها. وما وثّقه المحللون الغربيون على اختلاف توجهاتهم هو إدارة تعمل بمنطق المقامر لا السياسي: تُقدم على رهانات عالية المخاطر دون أهداف محددة، وتُضاعف الرهان حين تواجه الإخفاق، وتستبدل الغموض والتقلّب بالسياسة الفعلية.

**تمتد تداعيات هذا الخلل إلى ما وراء الحرب على إيران ذاتها؛ فعدم القدرة على التنبؤ حين يعكس غموضاً استراتيجياً حقيقياً في أذهان الخصوم قد يكون أداةً مفيدة، لكنه حين ينشأ عن غياب أي إطار واضح وتغيير الأهداف والتنصّل المستمر من المواقف المُعلنة يُصبح شيئاً مختلفاً جذرياً؛ لا يُبقي الخصوم في حالة من عدم اليقين بل يُبقي الحلفاء والرأي العام في الظلام، ويجعل أي تسوية تفاوضية دائمة أشد صعوبةً بكثير.

** قرأت إيران هذا المشهد بوضوح؛ فبعد أن استوعبت الضربات العسكرية الأولى، وظّفت مضيق هرمز لفرض ضغط اقتصادي مستمر على الولايات المتحدة والعالم، محسوبةً ظاهراً وبصواب أن عزيمة واشنطن هشة وخطوطها الحمراء قابلة للتحريك. وللأطراف الإقليمية والدولية الساعية إلى تحديد أين تقف الولايات المتحدة وماذا تريد وما الذي ستفعله، فإن الإجابة الأمينة هي أن أحداً لا يستطيع الجزم بذلك، بمن فيهم يبدو الإدارة ذاتها.

** مسار هذا الصراع لا يكتنفه الغموض فقط لأن الحرب ظاهرة مجبولة على عدم اليقين، بل لأن البنية المؤسسية لصنع القرار في قمة الحكومة الأمريكية باتت، بأي معيار بنيوي، منهارة. وما لم يتبدّل ذلك، فإن التنبؤ بالسلوك الأمريكي سيظل بالغ الخطورة كما لو كنت تحاول التنبؤ بالورقة التالية التي سيلعبها مقامر لم يُقرر بعد أيّها سيختار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.