الجهاد العالمي والإسلام السياسي في بلاد الشام:
قراءة نقدية لأطروحة أمريكية حول “أفول الحركات الجهادية”
محمد مشارقة، مركز تقدّم للسياسات
مقدمة:
تنطلق هذه الورقة من مراجعة نقدية للتحليل المنشور في وول ستريت جورنال بتاريخ 2 يناير، والذي ذهب إلى أن المشروع الجهادي العالمي يعيش حالة “أفول بنيوي”، مستندًا إلى تجربة تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في إعلان الخلافة وتطبيق الحاكمية. ويفترض هذا التحليل أن انهيار نموذج الدولة الذي حاول داعش فرضه يمثل مؤشرًا على تراجع الجهادية العابرة للحدود، في ظل تغيّر أولويات النظام الدولي وتراجع جاذبية الإسلام السياسي على المستويين الشعبي والسياسي، بما في ذلك فقدان الدعم الإقليمي وتقليص الزخم الإعلامي الدولي.
غير أن هذه الفرضية، على الرغم من دقتها الظاهرية، تتسم بالتبسيط، إذ تختزل الظاهرة في مؤشر واحد تقريبًا، وهو تجربة داعش، متجاهلة التحولات الجارية داخل تنظيم القاعدة والفروع المرتبطة به، فضلاً عن الديناميات الفكرية والاستراتيجية داخل جماعات الإسلام السياسي المعتدل، مثل الإخوان المسلمين. فبينما يمكن تفسير فشل داعش بتعدد مرجعياته العقدية، وحدّة التكفير، وطبيعة العنف الوحشية التي مارستها، تميل القاعدة منذ عام 2011 إلى إعادة تموضع تدريجي يقوم على ضبط التكفير، والاندماج الجزئي في البيئات المحلية، وبناء تحالفات اجتماعية وتبني خطاب “حوكمة متدرّجة” يرتكز إلى سردية المظلومية.
انطلاقًا من ذلك، تفترض هذه الدراسة أن الحديث عن “أفول بنيوي” للسلفية الجهادية يبدو متسرّعًا، إذ لا يعكس بالضرورة تراجع الفكرة بقدر ما يدل على قدرتها على التكيّف وإعادة الإنتاج في صيغ أقل صدامية وأكثر رسوخا. كما تهدف الورقة إلى كشف البعد الاستشراقي في قراءة وول ستريت جورنال، بوصفه إعادة إنتاج للأولويات الغربية، أكثر من سعيها لفهم الديناميات العقدية والتنظيمية والاجتماعية المحلية.
أولاً: تجربة داعش في بلاد الشام، نقد أطروحة وول ستريت جورنال:
تناولت أطروحة الصحيفة الامريكية الرصينة انهيار داعش بوصفه دليلًا على أفول الجهادية العالمية، مع التركيز على إعلان “الخلافة” وتطبيق الحاكمية. غير أن التجربة الميدانية في الرقة، دير الزور وريف حلب، تُظهر أن انهيار داعش كان نتيجة أزمة نموذج الدولة المتسرع، وليس نهاية المشروع الجهادي. فداعش لم يتمكن من ضبط عقيدة واحدة بسبب تعدد المرجعيات العقدية والفقهية للعناصر القادمة من العراق، الشام، اليمن، شمال إفريقيا، وأوروبا، ما أدى إلى تناقض الأحكام الشرعية بين المحاكم المحلية، حتى في مسائل أساسية مثل الطلاق والميراث.
كما أتاح التنظيم التكفير الفردي لكل عنصر، ما أدى إلى نزاعات داخلية وأضعف سيطرته، فيما أدى فرض السيطرة بالقوة على الفصائل المحلية إلى مقاومة شعبية واسعة، بعكس النهج الأكثر مرونة للقاعدة. من هذا المنطلق يمكن القول إن انهيار داعش يعكس أزمة نموذج داخلي متسارعة، وليس دليلًا على اختفاء المشروع الجهادي أو نهاية الجهاد العالمي.
ثانياً: القاعدة: استراتيجية التراكم والضبط العقدي:
على النقيض من داعش، تتبنى القاعدة استراتيجية أكثر تدرجًا وانضباطا تقوم على الحفاظ على المكاسب الجزئية والبناء عليها، مع تأجيل إعلان الدولة حتى اكتمال الشروط التنظيمية والاجتماعية، كما يتضح في جبهة النصرة في إدلب وحماة وحلب.
القاعدة تعتمد على تأجيل إعلان الخلافة حتى اكتمال البنية التنظيمية ويقتصر التكفير على القيادة الشرعية والمحاكم، مع ضوابط محددة، وتتبنى تنسيقًا داخليًا لضبط العقيدة، الحد من النزاعات، والحفاظ على استمرار النفوذ. في التعامل مع الفصائل المحلية، تعتمد القاعدة على تحالفات تكتيكية توسع النفوذ دون صدام مباشر.
هذا الانضباط التنظيمي والعقدي أتاح للقاعدة الحفاظ على المكاسب والاستمرارية، في حين يوضح فشل داعش أن التسرّع والغلو في التكفير يؤديان إلى انهيار داخلي سريع.
ثالثاً: التطورات الفكرية واستراتيجيات البقاء:
على الرغم من صحة بعض الملاحظات في تحليل وول ستريت جورنال، فإن الأطروحة الغربية تغفل جانبين أساسيين لفهم الجهادية العالمية:
1.تطور الفكر الجهادي العالمي: لم يقتصر التحول على فشل داعش، بل شهد الفكر الجهادي إعادة صياغة استراتيجية ومرجعياتها لعقدية. فيما القاعدة على سبيل المثال، طورت خطابها منذ عام 2011، مع إدراك أهمية الحوكمة التدريجية، ضبط التكفير، وبناء شبكات اجتماعية قبل أي إعلان للدولة. هذا التطور يبرز قدرة المشروع الجهادي على التكيف وصياغة نماذج أقل صدامية وأكثر استدامة.
2.الاختفاء داخل جماعات أخرى وحفظ الذات: اتجه العديد من جماعات الجهاد العالمي إلى الاندماج الجزئي ضمن حركات محلية أو شبكات أوسع، بهدف حماية عناصرها وإعادة تنظيم قدراتها على المدى البعيد، وهو ما اعتمدته القاعدة في الشام واليمن وغرب إفريقيا منذ سنوات، ما يضمن استمرار النشاط الجهادي رغم الهزائم الميدانية لداعش.
رابعاً: التحولات التنظيمية والإدارية والتحالف مع الإسلام السياسي:
تشهد المرحلة الراهنة تحولًا نوعيًا في بنية الجهاد العالمي، يتمثل في تزايد التعاون الاستراتيجي بين تنظيم القاعدة وبعض فروع الإخوان المسلمين في عدد من الدول، بما فيها ليبيا واليمن وسوريا. هذا التحالف لا يعني اندماجًا كاملًا أو تخليًا عن الهوية العقدية لأي طرف، بل يمثل تنسيقًا تكتيكيا واستراتيجيا يهدف إلى استثمار الموارد، حماية عناصر التنظيمات، وإعداد البيئة المحلية لتوسيع النفوذ المستقبلي، مع الحفاظ على استقلالية كل تنظيم في القرارات الكبرى.
•في حالة القاعدة، يلاحظ تحولًا إداريًا يسمح ببناء شبكات لامركزية ومرنة، مع ضبط التكفير والاعتماد على الحوكمة التدريجية، بحيث يمكنها من الحفاظ على المكاسب الجزئية وتوسيع النفوذ دون مواجهة مباشرة مع الفصائل المحلية أو المجتمع المدني.
•فروع الإخوان في ليبيا واليمن، على سبيل المثال، توفر للقاعدة غطاء سياسي واجتماعي، وتسهيل حشد الموارد البشرية والمادية، مع الاستفادة من خبرة الإخوان في العمل ضمن أطر سياسية أوسع، وهو ما يعكس فهمًا براغماتيًا لإدارة المشروع الإسلامي السياسي والجهادي.
•في سوريا، يمكن ملاحظة نماذج تواصل وتنسيق بين بعض فروع الإخوان المحليين والقاعدة، خصوصًا في إدلب وحماة، حيث يعتمد التعاون على التقسيم الوظيفي: الإخوان يتولون التنظيم المجتمعي والتوجيه السياسي، بينما تتولى القاعدة التأطير العسكري وتدريب المقاتلين وإدارة العمليات المحددة، مع توافق في الخطاب العقدي عند الحاجة لتوحيد الرسائل وتحشيد الجماهير.
هذا التحالف النوعي، الذي يشكل مرحلة جديدة في تطور الجهاد العالمي، يظهر قدرة هذه التنظيمات على المرونة التكتيكية والتكيف الاستراتيجي مع البيئات المحلية المعقدة، وهو ما يوضح أن قراءة وول ستريت جورنال التي تعتبر انهيار داعش دليلاً على أفول الجهادية، تختزل الواقع وتغفل التحولات المعقدة التي تضمن استمرار المشروع على المدى الطويل.
من هنا، يمكن القول إن التحول التنظيمي الراهن يعكس مزيجًا من البراغماتية السياسية، ضبط التكفير، واستثمار التحالفات الاستراتيجية مع فروع الإسلام السياسي المعتدل، ما يمكّن هذه التنظيمات من البقاء نشطة وفعالة رغم التحديات الميدانية والهزائم الجزئية، ويؤكد على أن الجهادية العالمية لم تدخل مرحلة الأفول الكامل، بل تعيد إنتاج نفسها بطريقة أكثر استدامة.
خامساً: أدبيات القاعدة ومخيال المراحل التاريخية والتحولات في سوريا:
تشير الأدبيات العقدية للقاعدة إلى أن التنظيم يقرأ تجربته ضمن أربع مراحل رئيسة: المرحلة الأولى تتمثل في التكوين في أفغانستان وبناء الخبرة العسكرية والتنظيمية، ثم مرحلة الانتشار العالمي وبناء ما يُعرف بـ “الجيش المسلم”، تليها مرحلة السيطرة على محيط فلسطين، وأخيرًا مرحلة تحرير بيت المقدس.
وفق القراءات الداخلية والوثائق التنظيمية غير الرسمية، يرى القاعدة نفسه اليوم في بدايات المرحلة الثالثة، مع تركيز ملحوظ على بلاد الشام كساحة استراتيجية لإعادة تنظيم الساحات وتجميع الطاقات البشرية والعقدية، تمهيدًا للتحرك نحو المراحل التالية وفق الحسابات الداخلية للتنظيم.
يتداخل هذا التصور المرحلي مع سرديات أوسع للإسلام السياسي والجهادي، بما في ذلك تنظيم داعش وفروع الإخوان المسلمين الشباب، عبر رموز عقدية وتاريخية محددة تُستخدم داخليًا لتشكيل خارطة طريق استراتيجية طويلة الأمد، وتمثل مبررًا للخطط التنظيمية والتعبوية، كما يلي:
1.الحكم الجبري: يشير إلى مفهوم السيطرة المطلقة على الأرض وفرض الشريعة بالقوة، ويستند إلى قراءة معينة للفقه السياسي السني تقوم على أن الدولة لا تتحقق إلا عبر سلطة مركزة يطبق فيها الحكم الشرعي بشكل صارم. هذا الرمز يظهر بوضوح في خطابات داعش عند إعلان “الخلافة”، كما هو ظاهر في محاولة فرض الحاكمية في الرقة ودير الزور، لكنه يتبنى لدى القاعدة والإخوان بنمط أكثر تدريجًا وبراغماتية، مع مراعاة البيئة المحلية والتحالفات.
2.رباط عسقلان – حرب غزة: رمز للمعركة المركزية مع الكيان الصهيوني، ويُستعمل في الأدبيات العقدية للدلالة على الالتزام بواجب الجهاد في فلسطين كأولوية استراتيجية. بالنسبة للقاعدة وفروعها في الشام، يشكل هذا الرمز أرضية لتجنيد الشباب وتوجيه الجهود نحو التضامن مع المقاومة الفلسطينية، بينما يرى الإخوان الشباب في ليبيا واليمن والسودان، أن الرباط قد يتخذ شكل تحالفات محلية ودعم لوجستي وسياسي.
3.سقوط فارس: يمثل في التصور العقدي للجماعات الجهادية تهديد إيران ومواجهة نفوذها الإقليمي. هذا الرمز يشكل جزءًا من استراتيجيات طويلة المدى للقاعدة وفروع الإسلام السياسي، حيث يُستعمل لتبرير التدخل في الساحات الإقليمية والتموضع في سوريا واليمن، تحسبًا لصراع محتمل مع إيران في المستقبل، ويعكس أيضًا بعدًا جيوسياسيًا متصلًا بالتحالفات الإقليمية والدولية. بهذا المعنى فحركات المسلمون السنة نتظرون سقوط فارس كونها علامة من علامات عودة الخلافة وهم لن يشاركوا في اسقاط فارس اي ايران لكنهم سيستفيدون من هذا السقوط.
4.عمار الشام: يشير إلى إعادة بناء الدولة الإسلامية أو النفوذ الإسلامي في الشام، ويعكس الاستراتيجية الحالية للتجمع التدريجي للفصائل الجهادية والإسلام السياسي، من خلال ضبط الفروع المحلية والتنسيق مع المجتمعات المحلية، وتطوير الهياكل التنظيمية، استعدادًا لمراحل لاحقة من المشروع الجهادي.
5.خراب يثرب: رمز للمعركة الكبرى النهائية أو مرحلة إعادة الهيمنة، ويستعمل داخليًا لتوجيه الرؤية المستقبلية للجماعات، بما يشمل مرحلة الخلافة أو التفوق السياسي الإسلامي على المدى البعيد. هذه الرمزية تعكس البعد الأسطوري-العقدي في خطابات التنظيمات، ويبرر صبر الجماعات على الهزائم المؤقتة واعتماد استراتيجيات التراكم والبقاء والتكيف مع الواقع المحلي والدولي.
هذه الرموز تعمل على توجيه الاستراتيجيات التنظيمية وتحفيز التعبئة العقدية بين صفوف المقاتلين، لكنها تختلف في تفسيرها ووتيرة التنفيذ بين التيارات: فالقاعدة تعتمد التدرج الاستراتيجي والصبر التنظيمي، داعش يستعجل إعلان الخلافة ويطبق الحاكمية بشكل صارم وغالبًا متطرف، بينما تميل التيارات الحداثية داخل الإخوان المسلمين إلى المزاوجة بين السيطرة على الحكم والحفاظ على شكل الدولة مؤقتًا، مع تأجيل التكفير الكامل حتى اكتمال مرحلة التمكين.
في السياق السوري، يتشكل مشهد جديد نسبيًا يمثل واجهة استراتيجية للقاعدة، حيث تمتد أنشطتها إلى إدلب، حماة، شمال حلب، وبعض مناطق ريف اللاذقية، مستغلة البيئة الفوضوية والازمة الاقتصادية الخانقة لتوسيع نفوذها وإعادة تنظيم شبكاتها المحلية. هذا التوسع جاء متزامنًا مع ظهور تيارات شبابية من الإخوان المسلمين في مناطق عدة، تتعاون بشكل تكتيكي مع القاعدة في التدريب، التنظيم، وعمليات التعبئة الميدانية، دون أن يتم التخلي عن استقلالية أي طرف. تركز هذه الشبكات الشبابية على الأنشطة الاجتماعية، الإغاثية، والتوجيه المجتمعي، ما يوفر غطاءً سياسيًا واجتماعيًا للقاعدة، ويتيح لها الحفاظ على استمرارية نفوذها وتعزيز حضورها العقدي والعسكري في الساحات السورية.
يتداخل هذا التحالف التكتيكي مع صعود المرجعية الأشعرية في الشام، التي تسعى لإنتاج ما يُعرف بـ “قواعد إسلامية” ضمن بيئة حضرية معقدة، مستفيدة من خبرة التنظيمات السابقة في الإدارة والحوكمة، وفي الوقت نفسه تحافظ على قدر من الاستقلالية العقدية والتنظيمية. هذه البنية المتشابكة، التي تشمل القاعدة، داعش، والإخوان الشباب، تؤكد أن الساحة السورية تعمل كمختبر لتطوير النماذج التنظيمية للجهاد العالمي، حيث يتم دمج الخبرة العسكرية، ضبط العقيدة، والبراغماتية السياسية لتكون البيئة أكثر استعدادًا للمراحل المستقبلية من المشروع الجهادي، بما في ذلك الحشد طويل الأمد للقدرات البشرية والمالية والفكرية.
الخاتمة والخلاصات النهائية:
استنادًا إلى التحليل النقدي والفهم الميداني والسياسي للجهاد العالمي والإسلام السياسي في بلاد الشام، يمكن استخلاص أهم النتائج التالية:
1.فشل داعش لا يعني أفول الجهادية العالمية: انهيار نموذج الدولة المتسرع يعكس أزمة تنظيمية داخلية وتعدد المرجعيات العقدية والفكرية، وليس اختفاء المشروع الجهادي. القاعدة والفروع المرتبطة بها لاتزال قادرة على التكيف مع البيئات المحلية واستدامة المشروع على المدى الطويل.
2.القاعدة تتبع نهجًا استراتيجيًا تدريجيًا: التركيز على الحفاظ على المكاسب الجزئية وبناءها، ضبط التكفير، الاعتماد على شبكة لامركزية، وتكوين تحالفات تكتيكية مع فروع الإسلام السياسي المعتدل مثل الإخوان في ليبيا واليمن والسودان، يعكس قدرة المشروع على الاستمرار والمرونة.
3.داعش تحوّل إلى لامركزية مرنة: رغم الغلو العقيدي المستمر، عاد التنظيم إلى أسلوب يسمح للفروع المحلية بدرجة من الاستقلالية، ما يعكس استيعاب أخطاء الماضي، لكنه لم يحقق تحولًا فكريًا عميقًا بالمقارنة مع القاعدة.
4.الإسلام السياسي المعتدل يمارس براغماتية تدريجية: الإخوان المسلمون من المدرسة الحداثية يمزجون بين “إسلامية الفرد” و”علمانية الدولة” مؤقتًا، مع تأجيل التكفير قبل التمكين الكامل، ما يتيح لهم توسيع النفوذ السياسي مع الحفاظ على استقرار الدولة.
5.الساحة السورية مركز حاسم لتجارب التكيف والاستعداد للمستقبل: إدلب، حماة، وريف حلب تمثل ساحات اختبار للجماعات الجهادية في ضبط عناصرها، تطوير بنيتها التنظيمية، والمرجعيات العقدية، مع الحفاظ على القدرة على التحرك ضمن سياقات محلية ودولية متغيرة.
6. يظل الفكر الإخواني هو الرحم الذي انتج معظم الأفكار الجهادية والتكفيرية، على سبيل المثال التنظيم السري لدى حسن البنا وافكار سيد قطب المنبثقة من افكار ابن تيمية ولاحقا جماعة مروان حديد في سورية هي بدايات تأسيس الفكر الجهادي المعاصر. والملاحظة الأهم اليوم، ان تيارات الشباب في تنظيم الاخوان هي المتحمسة لتشكيل الجماعات المسلحة على غرار داعش والقاعدة، ومرونة القاعدة في هذا السياق مهمة جدا فهي هاجمت الاخوان فكريا اكثر من مرة لكنها لم تقطع التواصل معهم ولم تتحرج في الإشادة بهم. والشهد في ذلك هو التحول النوعي في التعاون بين القاعدة والإخوان الشباب بالتحالف التكتيكي في سوريا، ليبيا، واليمن والسودان.
7.دور بعض الأنظمة الإقليمية في إعادة إنتاج الأزمات: سياسات بعض الدول العربية، إضافة إلى تركيا، ساهمت في استمرار نشاط الجماعات المسلحة من خلال دعم تيارات إسلامية معينة لأغراض سياسية آنية أو لصراعاتها البينية، كما يظهر في اليمن والسودان وليبيا، الامر الذي ساعد على استمرار النشاط الجهادي وتأجيل التسويات السياسية طويلة المدى.
8.القراءة الغربية قد تكون مبسطة واستشراقية: تحليل وول ستريت جورنال اختزل الظاهرة في فشل داعش، متجاهلًا التحولات الفكرية والتنظيمية في القاعدة والإخوان والفروع المحلية في الشام، مما يبرز الحاجة إلى فهم الديناميات العقدية والتنظيمية ضمن السياقات المحلية، وليس الاعتماد فقط على مؤشرات أمنية أو إعلامية.
9.التكيف طويل الأمد أهم من الهزيمة الميدانية المؤقتة: الجماعات الجهادية، سواء داعش أو القاعدة، تعمل وفق منطق الحفاظ على الذات والاستعداد للمستقبل، مع تحالفات تكتيكية، ضبط التكفير، وتهيئة بيئات محلية مؤاتية، ما يجعل أي انهيار ميداني مجرد أزمة مرحلية، وليس نهاية المشروع.
في الختام: يمكن القول ان القاعدة تطورت فكريا وتنظيميا، صمدت في افغانستان وباكستان وشبه الجزيرة الهندية وصمدت في الشام وتقدمت في الصومال وفي غرب أفريقيا.
والمنظور اليوم، ان الأجيال الجديدة من القاعدة وداعش والإخوان ستجد الكثير من السمات والقواسم المشتركة بينها على المستويين الفكري والتنظيمي والعملي.