التوتر في مضيق هرمز: تكتيك تفاوضي أم العودة إلى الحرب المكثفة
امير مخول، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: يشكّل التصعيد في مضيق هرمز، على خلفية قرار الإدارة الأميركية فرض حصار بحري شامل، محطة مفصلية في مسار الصراع الأميركي–الإيراني، حيث ينتقل الطرفان من التفاوض المباشر إلى إدارة الصراع عبر أدوات ضغط مركّبة تجمع بين العسكري والاقتصادي. ورغم توقف جولة مفاوضات إسلام آباد دون اتفاق، فإن المعطيات لا تشير إلى انهيار المسار التفاوضي بقدر ما تعكس إعادة تموضعه ضمن قنوات غير مباشرة، مدفوعاً باستمرار حالة “اللا حسم” التي طبعت نتائج الحرب.
في هذا السياق، تسعى واشنطن إلى توظيف الحصار البحري كرافعة تفاوضية لإجبار طهران على القبول بشروطها، مستفيدة من تفوقها البحري، لكنها في الوقت ذاته تواجه قيوداً داخلية وخارجية، أبرزها تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأميركي، خصوصاً في ظل الاستحقاقات الانتخابية. في المقابل، تتعامل إيران مع التصعيد بوصفه امتداداً للمعركة التفاوضية، مستندة إلى تقدير بأن الحرب لم تُفضِ إلى حسم، وأن بإمكانها الصمود وفرض توازن ردع يمنع فرض شروط أحادية عليها.
في القراءة أيضا، تتداخل هذه الديناميات مع مسارات إقليمية موازية، ولا سيما في لبنان، حيث يعكس التصعيد المتبادل صعوبة فصل الجبهات، ويضيف تعقيداً إضافياً على أي مسار تفاوضي. وبذلك، يدخل الصراع مرحلة إدارة مخاطر عالية، تتأرجح بين التصعيد المضبوط واستمرار التفاوض غير المباشر، مع بقاء احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائمة، وإن كانت غير مرجّحة في المدى المنظور.
التحليل:
أولاً: الحصار البحري كأداة ضغط تفاوضي:
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الأحد 12 نيسان/أبريل، فرض حصار شامل على مضيق هرمز خلال أربعٍ وعشرين ساعة من إعلانه، بمشاركة دول أخرى دون تسمية أيٍّ منها، بهدف منع إيران من التحكم في مرور ناقلات النفط بشكل انتقائي ووفقاً لعلاقاتها مع الدول المعنية. كما أصدر أوامره للبحرية الأميركية باحتجاز أية سفينة، في المياه الدولية، تدفع رسوماً لإيران. واستحضر ترامب نموذج الحصار على فنزويلا قبل إسقاط حكم مادورو، مشيراً إلى أن الحصار الحالي على إيران أوسع نطاقاً، ويهدف إلى إخضاعها لشروط التفاوض الأميركية.
يمثّل هذا القرار تحوّلاً من التفاوض المباشر إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي–العسكري، حيث تسعى واشنطن إلى تحقيق مكاسب تفاوضية دون الانخراط في حرب شاملة. غير أن هذا الخيار يواجه تحديات بنيوية، أبرزها احتمال ارتفاع أسعار النفط عالمياً، بما ينعكس سلباً على الاقتصاد الأميركي، خصوصاً في ظل اقتراب الانتخابات النصفية، ما يقيّد هامش التصعيد لدى الإدارة الأميركية. ثم انها لا تتحكّم بمستوى الرد الإيراني.
ثانياً: توقف المفاوضات لا يعني تجدد الحرب بالضرورة:
رغم توقف جولة مفاوضات إسلام آباد، لا يمكن اعتبار ذلك مؤشراً حتمياً على عودة وشيكة للحرب، إذ لا تزال فرصة تمديد وقف إطلاق النار قائمة لإتاحة المجال أمام مزيد من جهود الوساطة. إلا أن الحصار البحري الأميركي يشكّل في الوقت ذاته عقبة كبرى قد تعصف بأي تقدم تفاوضي، نظراً لما يحمله من تصعيد اقتصادي–عسكري مباشر.
في هذا الإطار، يواجه القرار الأمريكي معضلة مزدوجة: فمن جهة، يُفترض أن يؤدي الحصار إلى رفع كلفة التعنت الإيراني ودفع طهران للعودة إلى التفاوض بشروط واشنطن؛ ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط في الولايات المتحدة والعالم، وهو ما يسعى ترامب إلى تجنبه، خصوصاً عشية الانتخابات النصفية التي قد تهدد الأغلبية الجمهورية في الكونغرس. ومع ذلك، يراهن الرئيس الأميركي على أن مردود الحصار سيكون سريعاً، وأن إيران ستذعن له تحت ضغط اقتصادي متصاعد.
في المقابل، لا توجد مؤشرات أميركية حاسمة على أن الحرب تمثل البديل الوحيد. إذ تعكس تصريحات الإدارة حالة من التباين بين إعلان توقف المفاوضات “حالياً” وبين الإبقاء على الأفق مفتوحاً أمام استئنافها، مع استمرار الدور المحوري للوسطاء. كما تشير تقديرات أميركية إلى أن الفجوات، رغم عمقها، لا تزال قابلة للمعالجة، بما في ذلك في ملفات حساسة كالنشاط النووي، وتحرير الأرصدة الإيرانية، ومضيق هرمز.
في هذا السياق، تنقل القناة 13 الإسرائيلية عن صحيفة “وول ستريت جورنال” احتمال تنفيذ ضربات أميركية محدودة ضد إيران. غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن مثل هذه الضربات يصعب احتواؤها ضمن سقف محدد، وقد تفضي إلى تصعيد تدريجي يفتح الباب أمام جولة قتال جديدة، خاصة في ظل غياب القدرة الأميركية على التحكم الكامل بردود الفعل الإيرانية، أو في السلوك الإسرائيلي الذي قد يسعى إلى تعطيل المسار التفاوضي.
من هنا، يمكن فهم قرار إدارة ترامب بالانسحاب الجزئي من المفاوضات بوصفه خطوة تكتيكية ضمن إدارة العملية التفاوضية، وليس خروجاً نهائياً منها. وينطبق الأمر ذاته على الإجراءات المرتبطة بمضيق هرمز، بما في ذلك منع السفن المرتبطة بإيران من نقل النفط، حيث تندرج ضمن أدوات الضغط لا الحسم. كما أن السلوك الإيراني بدوره يعكس إدارة واعية لمسار التفاوض، في ظل إدراك الطرفين أن جولات التفاوض، كما الحرب، انتهت إلى حالة “لا حسم”، ما يجعل استمرار التفاوض خياراً قائماً.
على مستوى السرديات، تطرح طهران رواية مضادة للرواية الأميركية–الإسرائيلية، معتبرة أنها كانت على وشك التوصل إلى تفاهم قبل أن تصطدم بمطالب أميركية قصوى، بما في ذلك تغيير الشروط وفرض الحصار. وفي المقابل، تشير تقديرات أميركية وإسرائيلية إلى تراجع نسبي في مكانة الولايات المتحدة ونفوذها خلال الحرب، سواء على المستوى الدولي أو داخل الرأي العام الأميركي، ما يفرض على واشنطن إعادة صياغة أدواتها في إدارة الصراع.
ثالثاً: مخاطر التصعيد وتعدد الفاعلين:
تعكس التصريحات الإسرائيلية، بما في ذلك تحذيرات رئيس الأركان حول احتمال ضربة إيرانية استباقية، استمرار منطق “الضربة الاستباقية” الذي سبق الحرب، وهو خطاب يحمل في طياته تبريراً لتوسيع العمليات العسكرية. وفي هذا السياق، يسعى نتنياهو إلى إعادة تأطير نتائج الحرب داخلياً، من خلال الادعاء بأنها منعت إيران من امتلاك قدرات نووية تهدد وجود إسرائيل، في محاولة لتعزيز موقعه السياسي ومواجهة خصومه.
غير أن تعدد الفاعلين، وتباين حساباتهم، يجعل من الصعب ضبط مسار التصعيد، حيث لا تتحكم واشنطن وحدها بإيقاعه، كما لا يمكن ضمان بقاء العمليات المحدودة ضمن حدودها، ما يرفع من احتمالات الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع.
رابعاً: تداخل المسارات الإقليمية – الحالة اللبنانية:
هناك قناعة إسرائيلية داخلية بإمكانية فصل العلاقة بين الملفين اللبناني والإيراني، وعلى أساسه إنهاء فكرة وحدة الساحات إقليميا، لكن لا توجد قناعة بالقدرة العسكرية على انجاز مسألة نزع السلاح. حكومة نتنياهو لم تكن معنية بالمفاوضات مع الدولة اللبنانية نظرا لاستحقاقات السيادة اللبنانية على البلد. فيما حكومة نتنياهو ليست معنية بحلول سياسية بل أمنيّة سواء في لبنان أم غزة أم سوريا. بينما فكرة المفاوضات جاءت نتاج الدور الأمريكي لتعتمدها إسرائيل علنيا، مع تفضيلها الحسم العسكري في وترسيخ السيطرة الأمنية على الجنوب اللبناني ومن دون سكانه. رغما عن هذا المنحى هناك من يرى بالمباحثات مع لبنان برعاية أمريكية فرصة لاستبعاد الأثر العربي وحصريا مصر والسعودية ودوليا لاستبعاد موقف فرنسا المسنود أوروبياً وعربياً.
تشهد الجبهة اللبنانية تصعيداً متزامناً مع التوتر في مضيق هرمز، ما يعكس تداخلاً واضحاً بين المسارات الإقليمية. ففي حين تقبل الولايات المتحدة الموقف الإسرائيلي القاضي بفصل الملف اللبناني عن الإيراني، ترى إسرائيل في ذلك فرصة لإنهاء مفهوم “وحدة الساحات”، لكنها تفتقر في الوقت ذاته إلى قدرة حاسمة لفرض ترتيبات أمنية نهائية، بما في ذلك مسألة نزع السلاح.
في المقابل، تدفع الدولة اللبنانية باتجاه استعادة سيادتها واستبعاد الاحتلال الإسرائيلي وتقليص النفوذ الإيراني، ما يخلق توتراً داخلياً إضافياً، ويزيد من تعقيد المشهد. كما أن إدارة المفاوضات برعاية أميركية حصرية تفتح المجال لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، عبر تقليص أدوار أطراف عربية ودولية أخرى.
الخلاصات:
– تعكس الخطوات التصعيدية الأميركية، وما يقابلها من ردود إيرانية، انتقال الصراع إلى مرحلة الضغط المتبادل بهدف تعديل شروط التفاوض، دون الانزلاق إلى حرب شاملة على غرار جولة الأربعين يوماً، ما يعزّز دور الوسطاء في الدفع نحو استئناف المفاوضات وتمديد وقف إطلاق النار.
– يشكّل ارتفاع أسعار النفط، عالمياً وداخل الولايات المتحدة، عاملاً ضاغطاً خارجياً يقيّد خيارات إدارة ترامب التصعيدية، ويفرض عليها موازنة دقيقة بين أهدافها التفاوضية واستحقاقاتها الداخلية، خصوصاً في ظل حساسية ملف الطاقة في السياق الانتخابي الأميركي.
– رغم تراجع التأثير الإسرائيلي المباشر على القرار الأميركي نتيجة إخفاق التقديرات الاستخباراتية السابقة، لا يزال نتنياهو قادراً على توظيف التباينات داخل الإدارة الأميركية، وبين مراكز التأثير في الدولة والاقتصاد، للدفع نحو خيارات أكثر تشدداً، بما في ذلك عرقلة المسارات التفاوضية أو توسيع هامش التصعيد.
– تبدو المباحثات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أميركية محدودة الأفق في ظل تعقيدات السيادة اللبنانية ورفض إسرائيل التعامل مع استحقاقاتها الكاملة، ما يرجّح إدماج كلف وقف اطلاق النار في لبنان ضمن مسار التفاوض الأوسع مع إيران، مع الإبقاء على مقاربة تشمل دور التنظيمات الحليفة لطهران في الإقليم.
– يعكس التداخل بين المسارات الإقليمية، ولا سيما في الساحة اللبنانية، درجة عالية من تعقيد البيئة الاستراتيجية، حيث لم يعد بالإمكان عزل الملفات التفاوضية عن امتداداتها الميدانية.