التهديدات الأمنية في مالي: اقتصاد العنف وتحولات الفاعلين المسلحين

ورقة سياسات، وحدة الشؤون الإفريقية مركز تقدم للسياسات – لندن

الخلاصة التنفيذية:

يمكن توصيف التهديد الأمني في مالي بأنه مرتفع ومركّب بنيوياً، مع تمركزه تاريخياً في الشمال والشرق وتمدده الآن بشكل متسارع نحو الغرب والجنوب حتى أضحى يطوّق العاصمة بامَكو ذاتها. تتداخل الأبعاد الأمنية مع الاقتصادية والاجتماعية في إنتاج بيئة عدم استقرار مزمنة، لم تعد معالجتها ممكنة بالمقاربات الأمنية وحدها. تجاوزت المجموعات المسلحة اليوم طابعها القتالي التقليدي، إذ باتت تسيطر على ما يزيد على 70% من الأراضي المالية سيطرةً مباشرة أو متنازعاً عليها، فيما انهار الاقتصاد الزراعي وأُغلقت المدارس العلمانية خارج المدن، وتوقف تعليم الفتيات كلياً في مناطق واسعة. وقد أفضى ذلك إلى نشوء حلقة مفرغة تربط بين تدهور الأمن وانكماش الاقتصاد وتآكل شرعية الدولة، تزداد اتساعاً كل موسم. ويُضاف إلى هذا المشهد حضور متنامٍ للقوتين الروسية والصينية في الساحل، وضغط ديموغرافي استثنائي يُوسّع قاعدة التجنيد المحتملة للجماعات المسلحة، وهما متغيران يزيدان من تعقيد أي استراتيجية للمعالجة.

تقديم:

تشهد مالي تحولاً عميقاً في طبيعة التهديدات الأمنية، إذ انتقلت من حالة تمرد محلي محدود إلى فضاء جهادي عابر للحدود، حيث باتت الجماعات المسلحة فاعلاً مركباً يجمع بين الوظيفة القتالية والدور الاقتصادي والاجتماعي. أسهمت عوامل بنيوية عديدة في هذا التحول، أبرزها هشاشة الدولة وارتفاع معدلات بطالة الشباب والأزمات السياسية المتكررة والضغط الديموغرافي الاستثنائي، ما حوّل غرب أفريقيا إلى مركز ثقل لنشاط جهادي معولم ومتجدد. ويأتي ذلك في سياق تراجع الأدوار الدولية التقليدية، مقابل صعود ديناميات محلية وإقليمية تزيد من تعقيد المشهد، وتنامٍ لافت للحضور الروسي والصيني الذي بات يُشكّل متغيراً مستقلاً في معادلة الاستقرار.

في المعطيات:

أولاً: الفاعلون المسلحون وتطور تكتيكاتهم:

يتشكل المشهد الأمني في مالي من تفاعل معقد بين فاعلين جهاديين رئيسيين ومجموعات محلية مسلحة. أفادت المصادر المتقاطعة بأن الجماعات الإسلامية المسلحة نفّذت 326 هجوماً على المدنيين أسفرت عن مقتل 478 شخصاً بين يناير وأكتوبر 2024 وحده.

وتمثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين القوة الأكثر انتشاراً وتأثيراً، وتضم نحو 6,000 مقاتل موزعين عبر دول الساحل، بما فيها بوركينا فاسو والنيجر وبنين وتوغو وغانا، وأعلنت مؤخراً عن أول هجوم لها داخل نيجيريا. وقد شهد عام 2025 تحولاً استراتيجياً جوهرياً في أسلوب عملها؛ إذ نفّذت جبهة تحرير ماسينا، الذراع الأكثر نشاطاً في تحالف نصرة الإسلام، سبعة هجمات متزامنة في غرب مالي في الأول من يوليو 2025، مما مثّل تحولاً دراماتيكياً في التكتيك وتوسعاً غير مسبوق في النطاق الجغرافي. كذلك طوّرت الجماعات أدواتها التقنية بتبنّيها طائرات مسيّرة انتحارية ومسيّرات مراقبة، فضلاً عن توسع رقعة الصراع لتطال مناطق كايس وكوليكورو وسيكاسو وبوغوني وسان وكويتيالا وكيتا وديويلا وسيغو، وتشير التوقعات إلى استمرار هذه الاضطرابات حتى مايو 2026 على الأقل.

ثانياً: الحرب الاقتصادية – المرحلة الجديدة:

تجاوزت الجماعات الإرهابية في مالي، ولا سيما نصرة الإسلام والمسلمين، نموذج الجباية التقليدية لتتبنى استراتيجية أكثر طموحاً تقوم على الحرب الاقتصادية الشاملة. تسعى الجماعة من خلال حصار طرق الإمداد إلى تحقيق ثلاثة أهداف متكاملة: خنق العاصمة بامَكو، وإثبات عجز القوات المسلحة عن تأمين طرق العبور الحيوية، وإرغام الحكومة على التفاوض لانتزاع اعتراف ضمني بنفوذها. وتستهدف الجماعة بالتحديد ممرات التجارة والعبور الحيوية؛ إذ يمر ما لا يقل عن 60% من إجمالي التجارة المالية عبر ممر بامَكو-داكار الشمالي، فيما تصل نسبة الواردات الإيفوارية والسنغالية إلى ما يقارب نصف مجمل الواردات المالية. وتعتمد مالي، بوصفها دولة حبيسة تضم ما يقارب 21 مليون نسمة، على الدول المجاورة لتأمين نحو 95% من احتياجاتها النفطية. ومنذ بدء حصار الوقود، باتت انقطاعات الكهرباء تمتد لساعات طويلة، وأصبح المواطنون يقضون ساعات في طوابير الانتظار.

وفيما يخص شبكات التمويل الذاتي للجماعات، باتت نصرة الإسلام تتحكم في مناطق تزخر باحتياطيات ذهبية مهمة وشبكات تهريب مربحة. والسؤال الاستراتيجي الذي تُغفله كثير من التقارير هو: من يشتري هذا الذهب وعبر أي شبكات تتدفق عائداته؟ تكشف المعطيات المتاحة عن شبكات تهريب إقليمية تمر عبر بوركينا فاسو ووصولاً إلى أسواق الخليج وآسيا، مما يوفر للجماعات موارد ذاتية تديم من خلالها عملياتها بمعزل تام عن أي تمويل خارجي. وتجفيف هذه الشبكات لا يقل أهمية عن المواجهة العسكرية الميدانية.

ثالثاً: الفاعلون الدوليون – روسيا والصين:

لا يمكن قراءة المشهد الأمني في مالي بمعزل عن الحضور الروسي والصيني المتنامي. فعلى الصعيد الروسي، تنشط مجموعة الفيلق الافريقي، خليفة تنظيم فاغنر، بصورة عملياتية مباشرة في دعم الجيش المالي، وهو حضور يمنح الجماعة الحاكمة في بامَكو بديلاً عن الشراكات الغربية التقليدية لكنه يأتي بتكاليف سياسية واستراتيجية لا تزال تتكشّف. أما على الصعيد الصيني، فتتقاطع مصالح بكين في الذهب والمعادن الاستراتيجية مع المناطق التي تتنازع عليها الجماعات المسلحة، وتضخ الصين استثمارات في البنية التحتية الأفريقية وفق منطق خطة الحزام والطريق، مما يجعل اضطراب مالي متغيراً يُقلق بكين ويدفعها إلى حسابات نفوذ معقدة في المنطقة. وهكذا بات الصراع في مالي يتداخل مع التنافس الدولي الكبير بصورة تجعل أي معالجة تتجاهل هذا البُعد معالجةً منقوصة.

لتحليل:

أولاً: التأثيرات الاقتصادية المباشرة والمتوقعة:

– انهيار قطاع الطاقة والنقل:
أسفر حصار الوقود الذي فرضته نصرة الإسلام منذ سبتمبر 2025 عن نقص حاد في المحروقات وارتفاع في أسعارها في الأسواق غير الرسمية، مع تراجع شركات كبرى من بينها شيل وستار عن تخفيض عملياتها، مما أضرّ بحركة الأفراد وإنتاج الكهرباء والأنشطة الاقتصادية كالنقل والزراعة القائمة على الميكنة. وقد أوضح تقرير ISS Africa أن الحل الواقعي الوحيد أمام الجيش المالي يكمن في إبعاد مقاتلي الجماعات عن ممرات الإمداد الاستراتيجية والمناطق الصناعية، وهو خيار مكلف لوجستياً ومحفوف بمخاطر التصعيد.

– الانهيار الزراعي وتضخم أسعار الغذاء:
أسفرت موجة إغلاق المدارس والجامعات التي أعلنتها السلطات المالية في أكتوبر 2025 بسبب نقص الوقود عن عجز مئات الآلاف من الطلاب والمعلمين عن الوصول إلى مرافق التعليم في المناطق الوسطى والشمالية. وقد طال التأثير القطاع الزراعي مباشرةً، إذ توقعت المؤسسات الدولية المعنية انخفاضاً في الإنتاج الزراعي المحلي نتيجة تراجع المساحات المزروعة وشُح مدخلات الإنتاج وأضرار الفيضانات. وتشير التوقعات إلى أن أكثر من مليون شخص سيعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي بين يونيو وأغسطس 2025، من بينهم أكثر من 34,000 في حالات طارئة بالغة الخطورة.

– تآكل البيئة الاستثمارية:
أفضى توسع نصرة الإسلام نحو الجنوب إلى تفاقم الضغوط الاقتصادية والأمنية في مناطق ظلت بمنأى نسبي عن الصراع، مما يُلقي بظلاله السلبية على قطاع التعدين الذي يُعدّ ركيزة أساسية للاقتصاد المالي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التآكل الاستثماري لا يُقلق الاقتصاد المالي وحده، بل يمتد ليطال مصالح الصين الساعية إلى ضمان سلاسل الإمداد المعدنية في إطار خطة الحزام والطريق، مما قد يجعل بكين طرفاً غير مباشر في ضغوط استقرار تتجاوز الأطراف الإقليمية التقليدية.

ثانياً: التأثيرات الاجتماعية والإنسانية:

– أزمة النزوح الداخلي:

وصل عدد النازحين داخلياً في مالي إلى 402,167 شخص بحلول ديسمبر 2024، يتركز معظمهم في مناطق غاو وميناكا وموبتي وباندياغارا وتومبوكتو وسان. وفي عام 2025، يحتاج 6.4 مليون شخص، أي ما يزيد على 27% من السكان، إلى مساعدة إنسانية، من بينهم 2.5 مليون معرّضون لمخاطر صحية جسيمة و1.9 مليون يفتقرون إلى مياه شرب نقية.

– انهيار قطاعي التعليم والصحة:
بحلول مايو 2025، كان ما يقارب 2,000 مدرسة معطّلة، وُصف 91% منها بأنه خارج الخدمة بسبب انعدام الأمن، مما أضرّ بتعليم نحو 588,600 طفل. وتتجاوز الأزمة الأرقام المجردة؛ ففي فاراغو التي سقطت تحت سيطرة جبهة تحرير ماسينا في أغسطس 2025، صدر أمر بفرض الحجاب على المرأة وحظر الموسيقى العلمانية، مما يدل على عزم الجماعات تطبيق نموذج حوكمة اجتماعي محافظ في المناطق التي تسيطر عليها.

– المرأة والشباب – فاعلان استراتيجيان لا ضحيتان فحسب:
تُقدّم كثير من التقارير المرأة والشباب بوصفهما ضحيتين للأزمة، وهو وصف دقيق لكنه منقوص استراتيجياً. فالمرأة في مجتمعات الساحل تؤدي دوراً محورياً في شبكات المعلومات المجتمعية وفي الاقتصاد غير الرسمي الذي يصمد حين تنهار كل بنى الدولة، وإقصاؤها عبر نماذج الحوكمة الموازية لا يمثّل خسارة إنسانية وحسب، بل ضرباً مقصوداً لشبكات الصمود المجتمعي. أما الشباب فليسوا مجرد وقود للتجنيد، بل هم الطرف الذي تتنافس عليه الدولة والجماعات المسلحة بأدوات مختلفة؛ وتنجح نصرة الإسلام في استقطابهم ليس فقط بالدوافع الأيديولوجية، بل بوعود مادية ملموسة في غياب أي بديل تقدمه الدولة. وهذه الديناميكية هي نقطة التدخل الأجدى والأقل كلفة في المدى البعيد.

– تفكّك النسيج الاجتماعي والقنبلة الديموغرافية:
يستغل المتطرفون منظومة التوترات الاجتماعية القائمة من خلال تغذية خطابات الظلم والتهميش وتقديم الحماية مقابل الولاء، مما يُعمّق التصدعات داخل المجتمعات الهشة ويجعل المصالحة الاجتماعية أكثر صعوبة على المدى البعيد. ويُضاعف من خطورة هذا المسار متغير ديموغرافي جوهري نادراً ما تتناوله تقارير السياسات؛ إذ يبلغ معدل الخصوبة في مالي نحو 5.9 مولود لكل امرأة، وهو من بين أعلى المعدلات في العالم، مما يعني أن عدد السكان في طريقه إلى التضاعف خلال أقل من عشرين عاماً. وفي غياب الدولة وانهيار التعليم وتراجع الزراعة، تعني هذه القنبلة الديموغرافية أن الجماعات المسلحة ستجد أمامها خلال سنوات موجة متجددة من الشباب العاطل المُهيَّأ للتجنيد، وهو ما يجعل أي استراتيجية لا تُعالج هذا المتغير استراتيجيةً تُؤجّل الأزمة ولا تحلها.

ثالثاً: الحوكمة الموازية وتعقيدات مفاوضات الدولة:

بات نمط متكرر يرسم ملامح العلاقة بين الحكومة والجماعات المسلحة؛ إذ دعمت الزمرة المالية المتحكمة مفاوضات محلية مع نصرة الإسلام لتخفيف حصار الوقود، وهو نمط يمنح الجماعة سيطرة فعلية على المناطق المعنية مقابل موافقة السكان على دفع الضرائب والالتزام بتفسير الجماعة للشريعة والتوقف عن التعاون مع قوات الأمن. وفي المناطق التي تسيطر عليها، تفرض نصرة الإسلام الضرائب وتُدير منظومة عدالة قاسية وتوفر شكلاً بدائياً من النظام، مما يمنحها شرعية وظيفية مقلوبة مصدرها قدرتها المُثبَتة على السيطرة والإكراه، في مقابل دولة تراجعت عن وظائفها الأساسية.

رابعاً: مالي في المرآة المقارنة:

لا تشهد مالي ظاهرة استثنائية، بل تسير على مسار موثّق في تجارب مماثلة يمكن القياس عليها. ففي أفغانستان ما قبل سقوط كابول، سبق الانهيارَ الدراماتيكيَّ تآكلٌ تدريجي في قدرة الدولة على تأمين الأطراف، مع بقاء المركز الحضري يعمل بصورة شبه طبيعية حتى اللحظة الأخيرة، وهو ما يتطابق مع السيناريو الثاني الأكثر ترجيحاً في مالي. وفي الصومال في مرحلة المحاكم الإسلامية، أثبتت الجماعات المسلحة أن قدرتها على تقديم النظام والعدالة، ولو بأشكال قسرية، كانت عاملاً أقوى في كسب الشرعية الشعبية من أي انتصار عسكري، وهو ما تُرسّخه نصرة الإسلام اليوم في مناطق سيطرتها. أما نيجيريا في مواجهة بوكو حرام، فقد كشفت أن الانتصارات العسكرية الميدانية دون معالجة موازية للعجز الاقتصادي وتهميش الشباب أفضت إلى تشتت الجماعة لا إلى القضاء عليها. والقراءة المقارنة لهذه التجارب تضع مالي في مرحلة وسيطة خطيرة، تتجاوز فيها نقطة العودة إلى الوضع السابق لكنها لم تبلغ بعد نقطة الانهيار الكامل، وهذه النافذة هي الأثمن والأضيق.

خامساً: السيناريوهات المحتملة:

السيناريو الأول – الاحتواء الجزئي: أن تنجح المجموعة الحاكمة في تأمين ممرات الإمداد الرئيسية عبر التصعيد العسكري ومساندة روسيا، مع استمرار التوتر في الأطراف. يُبقي هذا السيناريو الدولة قائمة وظيفياً في المراكز الحضرية لكنه لا يُحدث تحولاً بنيوياً، ويُرجّح استمرار تآكل الشرعية تدريجياً. يرى غالبية المحللين أن التهديد العسكري المباشرة للعاصمة بامَكو يبقى مستبعدا في المدى المنظور دون تحالفات موسعة لا تزال نصرة الإسلام عاجزة عن تأمينها.

السيناريو الثاني – الخنق الاقتصادي التدريجي: يظل الأكثر ترجيحاً بحسب أغلب التقييمات. لا تسعى نصرة الإسلام بالضرورة إلى سقوط درامي للعاصمة، بل تجد قيمة استراتيجية أكبر في خنق الدولة تدريجياً وتوطيد سيطرتها على الأطراف ومراقبة المركز ينهار من الداخل، مما قد يُفضي إلى دولة منقسمة بين مركز حضري هش وأطراف خاضعة لحوكمة موازية. وهذا السيناريو بالتحديد هو ما تُعلّمه التجربة الصومالية.

السيناريو الثالث – تأثير الدومينو الإقليمي: تتصاعد المخاوف من أن الانهيار الوظيفي لمالي قد يُطلق تأثيراً متسلسلاً يمتد إلى بوركينا فاسو والنيجر، ويدفع بزخم الجماعات الجهادية نحو ساحل غرب أفريقيا حيث تقف دول كغانا وتوغو وبنين أمام تهديد وجودي لم تُطوّر بعد مناعة كافية في مواجهته. وقد حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نوفمبر 2025 أمام مجلس الأمن من لحظة بالغة الخطورة وخطر تأثير الدومينو الكارثي على غرب أفريقيا والساحل. ومن المنظور الدولي، فإن هذا السيناريو لن يُقلق أوروبا وحدها بسبب موجات الهجرة، بل سيُقلق الصين التي تعتمد على استقرار غرب أفريقيا لحماية استثماراتها في البنية التحتية والمعادن.

الخلاصات والتوصيات:

تشير المعطيات والتحليل إلى أن التهديد الأمني في مالي لم يعد ظرفياً بل أصبح بنيوياً متجذراً، وأن مركز ثقل الصراع انتقل من الأرض إلى الاقتصاد والشرعية والديموغرافيا. وتبرز في هذا السياق توصيات تحليلية محددة:

**على الصعيد الاقتصادي، لا يمكن معالجة العجز الاقتصادي دون معالجة انعدام الأمن، غير أن المقاربة الأمنية وحدها تظل قاصرة. يستلزم تأمين ممرات التجارة والوقود نهجاً يجمع بين الحضور العسكري والمشاركة المجتمعية والتعاون الإقليمي.

**تُشكّل شبكات الذهب المهرَّب أولوية للتجفيف المالي لا تقل أهمية عن العمليات الميدانية. كذلك تعتمد الموانئ الإيفوارية والغينية والسنغالية والموريتانية اعتماداً كبيراً على حركة العبور المالية، مما يجعل أمن ممرات التجارة مصلحة إقليمية مشتركة تستوجب استجابة جماعية.

**على الصعيد الاجتماعي، يستلزم الحد من قدرة الجماعات على التجنيد معالجة الأسباب الجذرية عبر سياسات موجهة للتشغيل وتحصين المجتمعات المحلية، مع توظيف المرأة بوصفها فاعلاً استراتيجياً في شبكات الصمود لا مجرد مستفيدة من برامج الحماية. والأهم من ذلك أن أي استراتيجية لا تُدرج المتغير الديموغرافي في حساباتها تبني على رمال متحركة.

**على الصعيد السياسي، أسهمت قرارات الزمرة المالية المتحكمة، ومنها الانسحاب من إيكواس في يناير 2025، في تعميق عزلة مالي الإقليمية وتصاعد هشاشتها. كما يستوجب الحضور الروسي والصيني المتنامي قراءة استراتيجية واضحة لا إغفالاً، سواء في تحديد نقاط التقاطع أو إدارة نقاط التوتر مع هاتين القوتين.

**يؤكد المشهد في مجمله أن الانتصار العسكري الميداني دون بناء موازٍ لمؤسسات دولة فاعلة وعادلة ومعالجة حقيقية للضغط الديموغرافي لن يُفضي إلا إلى إرجاء مؤقت لانهيار ذي أبعاد أعمق.

*المصادر الرئيسية المُعتمدة: المصادر الخاصة، مجموعة الأزمات الدولية، منظمة هيومن رايتس ووتش، مركز الدراسات الأفريقية الاستراتيجية، Critical Threats، مركز سوفان، ISS Africa، FEWS NET، ACAPS، ICT، مركز ستيمسون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.