التطبيع بين سوريا وإسرائيل: الممكن والمؤجل
د. محمد قواص، مركز تقدم للسياسات
ورقة سياسات
ملخص تنفيذي:
– واشنطن تسعى لإنعاش مشروع تطبيع إسرائيلي مع سوريا بعد تعقّده مع السعودية.
– إسرائيل تسعى لفرض شروطها من أجل التطبيع مع سوريا بناء على امتلاكها أرجحية في موازين القوى مقابل ضعف سوريا.
– دمشق تُظهر مواقف سورية براغماتية منفتحة تتعامل مع الضغوط، مع إبراز شروط التطبيع وعوائقه،
– سوريا تستقوي بموقف إقليمي لا سيما سعودي بشأن خيار التطبيع.
تقديم:
تتدافع المواقف والتقارير التي يصدر معظمها عن إسرائيل عن إمكانية التوصّل إلى اتفاق تطبيع للعلاقات بين سوريا وإسرائيل وسط غموض بشأن المداولات الجارية والحيثيات التي تدفع للاعتقاد بذلك. غير أن هذا الضجيج يتقاطع مع مجموعة من المتغيرات والتصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة والتي قد تدفع باتجاه احتمال من هذا النوع.
إسرائيل: فرض “الأمر الواقع”:
تقوم المواقف الإسرائيلية على السعيّ لفرض أمر واقع يستفيد من المتغيّرات الإقليمية التي حدثّت في السنوات الأخيرة، لا سيما منذ عملية “طوفان الأقصى” في اكتوبر 2023 انتهاء بالحرب الإسرائيلية الإيرانية في يونيو 2025. وتبرز سمات هذه المتغيرات في العوامل التالية:
• الدعم الغربي بقيادة الولايات المتحدة الذي حظيت به إسرائيل إثر عملية “طوفان الأقصى” لا سيما “دعم حقّها في الدفاع عن نفسها”، ما يعني أن لها الحقّ في فرض شروط للتطبيع مع سوريا تضمن أمنها الاستراتيجي.
• إضعاف إسرائيل لـ “محور المقاومة” الموالي لإيران لا سيما إثر الضربة التي تلقاها حزب الله في لبنان في حرب مباشرة انتهت بوقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. ما يجعل إسرائيل تتصرف بصفتها ممسكة بملف التطبيع كنتيجة لهذا “الانجاز”.
• سقوط نظام بشّار الأسد في سوريا في ديسمبر 2024 وظهور نظام جديد تعاملت معه إسرائيل تعاملا أمنيا متوجسا. ما يجعل من أي اتفاق تطبيع خاضع للأمر الواقع العسكري الذي فرضته على سوريا.
• شعور إسرائيل بأرجحية موقعها داخل موازين القوى ما يتيح لها هامشا أوسع لفرض شروطها في أية صفقة تطبيع مع سوريا، خصوصا لحاجة دمشق إلى عدم التناقض مع واشنطن التي تدفع باتجاه التطبيع بين البلدين.
وتقوم فرضية التطبيع على استمرار الولايات المتحدة في الترويج لسلام المنطقة مع إسرائيل من خلال التطبيع الذي وفّرته “الاتفاقات الإبراهيمية” عام 2020 مع كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان. وفيما تراجعت احتمالات توقيع اتفاق من هذا النوع بين إسرائيل والسعودية، فإن إسرائيل ومعها الولايات المتحدة يسعيّان إلى تفقّد إمكانات الدفع بإبرام اتفاقات تطبيع مع لبنان وإسرائيل، على الأقل وفق ما أعلنه الموفد الأميركي إلى سوريا توماس برّاك في 29 يونيو 2025. وقد أعرب برّاك عن اعتقاده بأنه سيتم التوصّل إلى اتفاق بين سوريا وإسرائيل، مؤكداً أنه “لا بد أن يتوصلا إلى اتفاق في مرحلة ما”، ما يعني أن واشنطن غير ضاغطة لتنفيذ الأمر في القريب العاجل.
وتسعى إسرائيل من خلال مسارات التطبيع المحتملة مع سوريا إلى تثبيت مكاسب وشروط أهمها:
• اعتراف سوريا بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية التي احتلتها عام 1967، وفق تصريح لوزير الخارجية الإسرائيلي جدعان ساعر في 30 يونيو 2025.
• سعيّ إسرائيل لاشتراط ترتيبات أمنية على الحدود مع سوريا تضمن قدرات متقدمة على منطقة خالية من السلاح ومن أي فصائل معادية لها.
• فتح المجال أمام اتفاقات اقتصادية مع سوريا تحت عنوان أن المصالح الاقتصادية المتبادلة من شأنها تثبيت السلم بين البلدين بصفته مصلحة مشتركة ووضع كوابح أمام أية عودة إلى الوراء.
سوريا: الانفتاح المحسوب:
بعد سقوط نظام بشّار الأسد في ديسمبر 2024 وتولي السلطة في سوريا نظام جديد بقيادة أحمد الشرع، هاجمت المقاتلات الإسرائيلية على جولات متعددة وبشكل منهجي القدرات العسكرية الاستراتيجية لسوريا. واعتبر المراقبون أن إسرائيل التي كانت تعرف نظام الأسد وواثقة من امتناعه من استخدام هذه القدرات، لا تعرف النظام الجديد وكانت هاجمت الفصائل الجهادية التي يتكوّن منها، وتوجست مما قالت إنه “ماضي الشرع” نفسه في الإرهاب، ما دفعها، وفق المراقبين، إلى الزعم بالحاجة إلى القضاء على قدرات يمكن أن تكون خطرا على إسرائيل بيد الحكام الجدد.
بالمقابل، قارب الرئيس السوري أحمد الشرع الهجمات الإسرائيلية بخطاب جديد يقوم على محددات أهمها:
•استنكار الاعتداءات على سوريا وسلامة أمنها.
•المطالبة باحترام اتفاقية عام 1974 الحدودية بين البلدين كمرجع لتنظيم العلاقات بين البلدين.
•تمسك سوريا بالحوار والقانون الدولي والعمل الدبلوماسي.
•التمسك بوحدة سوريا وسيادتها على كافة أراضيها (بما في ذلك هضبة الجولان).
•تأكيد أن سوريا لا تمثل خطرا على أي دولة بما في ذلك إسرائيل.
وقد تولّت الصحافة الغربية نقل أسئلة العواصم المعنيّة لجسّ نبض الشرع ونظامه بشأن مستقبل العلاقة مع إسرائيل بما في ذلك إمكانية إبرام اتفاق لتطبيع العلاقات بين البلدين. وقد تولى النائب في الكونغرس الأمريكي مارلين شتوتسمان، بعد لقاء مع الشرع في دمشق في أبريل 2025 اختصار موقف الرئيس السوري بالنقاط التالية:
•ضمان سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
•وقف الهجمات الجوية الإسرائيلية على الأراضي السورية.
•رفض أي محاولات لتقسيم البلاد إلى أقاليم.
•المطالب “بمناقشة” قضية الجولان المحتلة.
وتمثّل المواقف التي نقلها النائب الأميركي جانبا من خطاب منفتح انتهجه الشرع منذ إطلالاته الإعلامية الأولى بعد سقوط النظام السابق للتخاطب مع المجتمع الغربي. يقوم هذا الخطاب على اسقاط الجمود التقليدي وعدم استخدام أي لغة شعبوية والقبول بمناقشة كل القضايا والانفتاح على أي مقترحات لانتشال سوريا من أزمتها الاقتصادية الحادة، بما في ذلك مستقبل علاقة البلاد مع إسرائيل.
ويعتبر المراقبون أن الشرع مدرك لقواعد العلاقات الدولية واللغة التي يجب اعتمادها في التخاطب مع العواصم الكبرى الأساسية من دون تقديم أي تنازلات. وقد نجحت تلك الاستراتيجية في تشجيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بناءّ على توصيات الجسم الدبلوماسي الأميركي، واستجابة لطلب من وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على الإعلان في مايو 2025 أثناء زيارته للرياض عن رفع العقوبات الأميركية عن سوريا.
وقد أثار ترامب مع الشرع في لقاء جمعهما آنذاك في العاصمة السعودية مسألة التطبيع مع إسرائيل. ونقلت التقارير مواقف منفتحة للشرع على هذا الاحتمال إذا ما توافرت “الشروط المناسبة”، التي لا تختلف وفق مراقبين عما نقله النائب الأميركي شتوتسمان قبل ذلك.
وإضافة إلى المواقف السورية التي يعلنها الشرع وتبني الدبلوماسية السورية الموقف بشأنها، فالرئيس السوري ملتزم بعدّة محددات إقليمية من شأنها دعم مواقفه أمام الضغوط بشأن مسألة التطبيع مع إسرائيل من أهمها:
•تراجع وهج الاتفاقات الإبراهيمية التي أبرمت مع 4 دول عربية عام 2020 ناهيك من عدم تقدم تلك التي أبرمت مع مصر) عام 1978) والأردن عام (1994) قبل ذلك.
•التزام سوريا بصفتها عضوا في جامعة الدول العربية بالمبادرة العربية للسلام التي أقرّتها قمّة بيروت في عام 2002، لجهة رهن أي عملية سلام عربية مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
•وضع السعودية حدّا لتوسّع عملية التطبيع لتشمل دولا أخرى بعد تكرار الإعلان في السنوات الأخيرة على عدم موافقة الرياض على إقامة اتفاق تطبيع مع إسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية.
خلاصة واستنتاجات:
**تسعى إسرائيل لاستغلال تبدّل المشهد الإقليمي وضعف الوضع السوري لفرض شروط لتطبيع محتمل في علاقاتها مع سوريا.
**تودّ إسرائيل إقفال ملف هضبة الجولان واشتراط أن يعترف النظام السوري بنهائية السيادة الإسرائيلية على تلك المنطقة التي تُعتبر محتلة وفق القانون الدولي.
**تعمل إسرائيل على فرض ترتيبات أمنية حدودية مع سوريا معوّلة على أمر واقع عسكري فرضته داخل الأراضي السورية بعد سقوط النظام السابق.
**تأمل إسرائيل من أي تطبيع إقامة علاقات اقتصادية تحت عنوان تدعيم التطبيع السياسي بتطبيع اقتصادي داعم وضامن لديمومة التطبيع.
**يلاحظ أن الجلبة بشأن التطبيع تنشط في الجانب الإسرائيلي فيما لا جدل داخل سوريا في هذا الصدد، ويتمّ التعامل مع الملف حصريا من قبل الرئيس أحمد الشرع.
**يقوم الموقف السوري على الانفتاح على أي مقترحات بشأن التطبيع تضمن وحدة وسيادة سوريا على كامل أراضيها (بما فيها هضبة الجولان).
**يشدد الموقف السوري على انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي السورية والتوقف عن أي اعتداء على سوريا.
**يطالب الموقف بعدم التدخل في الشؤون السورية بما في ذلك دعم إسرائيل لمكونات اجتماعية في سوريا ضد السلطة في دمشق ما يهدد وحدة البلاد.
**يلتزم الموقف السوري بما نصّت عليه المبادرة العربية للسلام والتي صادقت عليها قمّة بيروت عام 2002.
**يأخذ الموقف السوري بعين الاعتبار الموقف السعودي الرافض للتطبيع قبل قيام دولة فلسطينية.
**تحسب دمشق حسابا لعلاقاتها مع الغرب بقيادة الولايات المتحدة، وتتعامل بإيجابية وتأنٍ وحذر مع ضغوط ترامب وإدارته لتطبيع العلاقات الإسرائيلية السورية.