التطبيع بعد حرب غزة:

تحولات المكانة الإقليمية لإسرائيل ومستقبل الاندماج في الشرق الأوسط.

تبحث هذه الورقة في التحولات التي طرأت على البيئة الإقليمية بعد الحرب في غزة، وانعكاساتها على المكانة الإقليمية لإسرائيل، وعلى مستقبل مشروع التطبيع والاندماج الإقليمي في الشرق الأوسط.

ورقة سياسات.

حمزة علي، مركز تقدم للسياسات – لندن

ملخص تنفيذي:

أعادت الحرب في غزة وما تبعها من امتدادات إقليمية فتح النقاش حول مستقبل التطبيع العربي–الإسرائيلي، لا بوصفه مساراً دبلوماسياً متعثراً فحسب، بل باعتباره مؤشراً إلى تغير أعمق في البيئة السياسية التي نشأ فيها هذا المسار. فقد قامت اتفاقات إبراهيم على فرضية أن المصالح الأمنية والاقتصادية قادرة على دفع علاقات عربية–إسرائيلية جديدة، حتى في ظل غياب تسوية فلسطينية نهائية. غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن هذه الفرضية باتت تواجه قيوداً متزايدة، وأن الفصل بين الاندماج الإقليمي والقضية الفلسطينية أصبح أكثر صعوبة مما بدا في السنوات السابقة.

لا تشير التحولات الراهنة إلى نهاية التطبيع أو انهيار العلاقات القائمة بين إسرائيل وبعض الدول العربية، لكنها تكشف انتقاله من مرحلة التوسع والزخم السياسي إلى مرحلة الحذر وإعادة التقييم. فقد أصبحت الحكومات العربية أكثر حساسية تجاه الكلفة السياسية لأي انفتاح جديد على إسرائيل في ظل استمرار الحرب، واتساع نطاق التصعيد، وغياب أفق سياسي مقنع للفلسطينيين. كما أن الرأي العام العربي، الذي بدا في مراحل سابقة أقل قدرة على التأثير في السياسات الرسمية، عاد ليشكل قيداً مهماً على قدرة الحكومات على تسويق التطبيع بوصفه خياراً استراتيجياً منفصلاً عن القضية الفلسطينية.

في هذا السياق، أظهرت الحرب حدود قدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري والتكنولوجي إلى نفوذ سياسي مستدام. فالقوة العسكرية ما زالت تمنح إسرائيل موقعاً مركزياً في معادلات الأمن الإقليمي، لكنها لم تعد كافية لإنتاج قبول إقليمي واسع أو شرعية سياسية لازمة لبناء نظام إقليمي جديد. وكلما طال أمد الصراع، ازدادت صعوبة تقديم إسرائيل بوصفها شريكاً طبيعياً في مشاريع الاستقرار والتنمية والتكامل الاقتصادي.

تجادل الورقة بأن التحدي الرئيس لم يعد في استئناف الاتصالات أو عقد صفقات ثنائية، بل في إعادة تعريف الشروط السياسية لأي اندماج إقليمي مستقبلي. فالتطبيع قد يستمر في صيغ محدودة وانتقائية، وقد تتواصل بعض قنوات التعاون الأمني والاقتصادي، لكن تحويله إلى مشروع جامع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط سيبقى مرهوناً بتوافر مسار سياسي ذي صدقية يعالج جذور الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

وتخلص الورقة إلى أن المنطقة لا تقف أمام نهاية مسار التطبيع، بل أمام نهاية الصيغة التي افترضت إمكانية تجاوزه للقضية الفلسطينية. فمستقبل الاندماج الإقليمي لن يتحدد فقط بميزان القوى أو بالحوافز الاقتصادية أو بالضغط الأمريكي، وإنما بقدرة الأطراف المعنية على إنتاج معادلة تجمع بين الأمن والشرعية السياسية. ومن دون هذه المعادلة، سيظل التطبيع قائماً كعلاقات ثنائية محدودة، لكنه سيبقى عاجزاً عن التحول إلى إطار إقليمي مستقرقابل للاستدامة.

مقدمة:

شكّل توقيع اتفاقات إبراهيم عام 2020 نقطة تحول في التصورات المتعلقة بمستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فقد انطلقت هذه الاتفاقات من فرضية مفادها أن التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما تنامي التهديدات الأمنية المشتركة، وتوسع المصالح الاقتصادية والتكنولوجية، وتراجع مركزية الصراعات التقليدية، تسمح ببناء علاقات عربية–إسرائيلية جديدة بمعزل عن التقدم في مسار التسوية الفلسطينية. وبدعم مباشر من الولايات المتحدة، تحول هذا التصور إلى مشروع سياسي أوسع، هدفه إعادة تشكيل البيئة الإقليمية عبر شبكات من التعاون الأمني والاقتصادي، وصولاً إلى دمج إسرائيل بصورة متزايدة في الإقليم.

وبدا خلال السنوات اللاحقة أن هذا المسار يحقق تقدماً تدريجياً، سواء من خلال توسيع مجالات التعاون بين إسرائيل والدول الموقعة على الاتفاقات، أو عبر الجهود الرامية إلى استقطاب دول عربية أخرى، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية. وقد عزز ذلك الاعتقاد بأن المنطقة تتجه نحو مرحلة تصبح فيها المصالح الإستراتيجية العامل الأكثر تأثيراً في رسم العلاقات الإقليمية، بينما تتراجع القضية الفلسطينية من موقعها التقليدي باعتبارها المدخل الرئيس للعلاقات العربية–الإسرائيلية.

إلا أن الحرب في غزة، وما رافقها من اتساع رقعة المواجهة إلى أكثر من ساحة إقليمية، أعادت اختبار هذه الفرضية بصورة غير مسبوقة. فقد كشفت أن تجاهل القضية الفلسطينية لم يؤد إلى تقليص تأثيرها، بل إلى عودتها بوصفها أحد العوامل الأكثر حضوراً في إعادة تشكيل البيئة السياسية للمنطقة. كما أظهرت أن استمرار الصراع لا ينعكس على الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم، وإنما يمتد إلى حسابات الأمن الإقليمي، ومسارات التعاون الاقتصادي، وخيارات الحكومات العربية، وحتى إلى أولويات القوى الدولية المنخرطة في المنطقة.

في الوقت نفسه، برزت مؤشرات على تغير أوسع في البيئة الإقليمية. فقد أصبحت الحكومات العربية أكثر حذراً في إدارة علاقاتها مع إسرائيل، ليس بسبب تراجع مصالحها الإستراتيجية، وإنما نتيجة ارتفاع الكلفة السياسية المترتبة على أي انفتاح جديد في ظل استمرار الحرب وغياب أفق سياسي واضح. كما واجهت إسرائيل تحدياً متزايداً في تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية وإقليمية مستدامة، في وقت بدا فيه أن الولايات المتحدة تواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على الزخم الذي رافق مشروع التطبيع خلال السنوات السابقة.

وانطلاقاً من ذلك، لا تتعامل هذه الورقة مع التطبيع بوصفه سلسلة من الاتفاقات الثنائية أو المبادرات الدبلوماسية، وإنما بوصفه انعكاساً لطبيعة النظام الإقليمي وللتوازنات التي تحكمه. فالتحولات التي شهدتها المنطقة لا تقتصر على تباطؤ مسار التطبيع، بل تمس الأسس السياسية التي قام عليها، وتفرض إعادة تقييم لافتراضات سادت خلال السنوات الأخيرة بشأن إمكان بناء اندماج إقليمي يتجاوز الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

وتسعى الورقة إلى الإجابة عن سؤال رئيس يتمثل في: هل يمثل التعثر الحالي في مسار التطبيع نتيجة مباشرة للحرب في غزة، أم أنه يعكس تحولاً بنيوياً في البيئة الإقليمية يعيد تعريف الشروط السياسية اللازمة لاندماج إسرائيل في الشرق الأوسط؟ وانطلاقاً من هذا السؤال، تناقش الورقة التحولات التي طرأت على المكانة الإقليمية لإسرائيل، وعلى موقع القضية الفلسطينية في معادلات الإقليم، وعلى دور الرأي العام العربي، وصولاً إلى استشراف الاتجاهات المحتملة لمستقبل التطبيع في ظل البيئة الساسية الجديدة.

أولاً: الحرب وإعادة تعريف المكانة الإقليمية لإسرائيل:

يصعب فهم التحولات التي يشهدها مسار التطبيع من دون التوقف عند التغير الذي أصاب المكانة الإقليمية لإسرائيل منذ اندلاع الحرب في غزة. فهذه المكانة لم تكن تستند إلى التفوق العسكري وحده، وإنما إلى تصور أوسع تشكل خلال العقد الأخير، مفاده أن إسرائيل باتت شريكاً ضرورياً في منظومة إقليمية جديدة تقوم على المصالح الأمنية المشتركة، والتكامل الاقتصادي، والحد من النفوذ الإيراني، بصرف النظر عن استمرار الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

وقد أسهمت اتفاقات إبراهيم في ترسيخ هذا التصور، ليس لأنها أضافت علاقات دبلوماسية جديدة فحسب، بل لأنها عكست اعتقاداً متزايداً بأن الشرق الأوسط بدأ ينتقل من مرحلة الصراعات الأيديولوجية إلى مرحلة إدارة المصالح. وبدا آنذاك أن اندماج إسرائيل في الإقليم أصبح جزءاً من عملية إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي، تتقدم فيها أولويات الأمن والتنمية والاقتصاد على الملفات التاريخية العالقة.

غير أن الحرب كشفت حدود هذه المقاربة. فالتفوق العسكري، رغم ما يوفره من قدرة على فرض الوقائع الميدانية، لم ينجح في إنتاج بيئة سياسية أكثر استقراراً، كما لم يؤد إلى توسيع دائرة القبول الإقليمي بإسرائيل. وعلى العكس، أدت الحرب وما رافقها من تداعيات إنسانية واتساع رقعة المواجهات إلى إعادة ربط صورة إسرائيل الإقليمية بمسار الصراع الفلسطيني، بعد أن سعت سنوات التطبيع إلى الفصل بين المسارين.

وفي الوقت ذاته، فرضت الحرب على الدول العربية إعادة تقييم موازنة دقيقة بين مصالحها الإستراتيجية وبين متطلبات الشرعية السياسية الداخلية. فالحكومات التي رأت في التعاون مع إسرائيل مدخلاً لتعزيز أمنها أو لتنويع شراكاتها الاقتصادية لم تتخل عن هذه المصالح، لكنها أصبحت أكثر حذراً في إدارة علاقاتها، إدراكاً منها أن البيئة السياسية التي سمحت بالتقدم في مسار التطبيع قبل الحرب لم تعد قائمة بالدرجة نفسها. ولم يعد السؤال يتعلق بإمكان استمرار العلاقات القائمة، بقدر ما يتعلق بحدود التوسع فيها في ظل استمرار الصراع.

كما كشفت التطورات أن مفهوم القوة في الشرق الأوسط لم يعد يقاس بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً بقدرة الدول على إنتاج الاستقرار وكسب الشرعية السياسية. فمن هذه الزاوية، واجهت إسرائيل معضلة مزدوجة؛ إذ حافظت على تفوقها العسكري والتكنولوجي، لكنها واجهت في المقابل تحديات متزايدة في الحفاظ على الزخم السياسي الذي رافق اندماجها الإقليمي خلال السنوات السابقة. وأصبح واضحاً أن الفجوة بين التفوق العسكري والقبول السياسي يمكن أن تتسع كلما طال أمد الصراع وتعقدت تداعياته.

ولم يقتصر هذا التحول على البيئة العربية، بل امتد إلى البيئة الدولية أيضاً. فقد ازدادت صعوبة تقديم الشرق الأوسط بوصفه منطقة تتجه نحو الاستقرار في ظل استمرار المواجهات واتساعها، كما برزت تساؤلات متزايدة حول قدرة المقاربة التي قامت على إدارة الصراع، بدلاً من معالجته، على توفير أساس مستدام لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. وأدى ذلك إلى تراجع الزخم السياسي الذي صاحب مشاريع الاندماج الإقليمي، وإلى انتقال الأولوية من البحث في توسيعها إلى احتواء تداعيات الحرب ومنع اتساعها.

ولهذا، فإن التحول الأهم الذي أفرزته الحرب لا يتمثل في إضعاف مكانة إسرائيل الإقليمية بقدر ما يتمثل في إعادة تعريف الأسس التي تقوم عليها هذه المكانة. فإذا كانت مرحلة ما قبل الحرب قد قامت على فرضية أن الاندماج الإقليمي يمكن أن يتقدم رغم غياب تسوية سياسية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فإن التطورات اللاحقة أظهرت أن استمرار هذا الصراع يعيد إنتاج نفسه بوصفه العامل الأكثر تأثيراً في تحديد حدود هذا الاندماج وآفاقه. ومن هنا، لم تعد القضية الأساسية هي قدرة إسرائيل على الحفاظ على علاقاتها الإقليمية القائمة، وإنما قدرتها على تحويل تلك العلاقات إلى مشروع إقليمي مستدام في بيئة سياسية أصبحت أكثر تعقيداً وحساسية مما كانت عليه قبل الحرب.

ثانياً: حدود فرضية فصل التطبيع عن التسوية الفلسطينية:

استندت المقاربة التي حكمت مسار التطبيع خلال السنوات الأخيرة إلى افتراض مفاده أن إعادة تشكيل النظام الإقليمي يمكن أن تسبق تسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وربما تسهم لاحقاً في تهيئة الظروف المناسبة لمعالجته. وانطلقت هذه الرؤية من أن التحولات التي شهدتها المنطقة، وتبدل أولويات عدد من الدول العربية، سمحت بفصل مسار العلاقات العربية–الإسرائيلية عن مسار القضية الفلسطينية، بحيث لم تعد الأخيرة شرطاً مسبقاً لأي انفتاح سياسي أو اقتصادي على إسرائيل.

وقد بدا هذا الافتراض قابلاً للحياة في ظل بيئة إقليمية اتسمت بتراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وانشغال العديد من الدول العربية بتحديات أمنية واقتصادية داخلية وإقليمية، إضافة إلى تنامي القناعة بأن التعاون في مجالات الأمن والطاقة والتكنولوجيا يمكن أن يحقق مصالح مباشرة للدول المعنية، بغض النظر عن تعثر العملية السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

إلا أن الحرب في غزة كشفت أن الفصل بين المسارين كان أكثر هشاشة مما بدا عليه. فلم يؤدِ تراجع القضية الفلسطينية في سلم الأولويات الإقليمية إلى تراجع تأثيرها السياسي، بل بقيت عنصراً كامناً في بنية النظام الإقليمي، سرعان ما عاد إلى الواجهة مع أول أزمة كبرى. وبذلك، أظهرت التطورات أن تجاوز الصراع لم يكن يعني تجاوزه فعلياً، بل تأجيل تأثيره إلى أن أعاد فرض نفسه على مجمل التفاعلات الإقليمية.

كما بيّنت الحرب أن استمرار العلاقات الثنائية بين إسرائيل وبعض الدول العربية لا يعني بالضرورة ترسيخ مشروع اندماج إقليمي واسع. فالعلاقات الثنائية يمكن أن تستمر استناداً إلى مصالح أمنية أو اقتصادية مباشرة، أما بناء إطار إقليمي جديد يتجاوز الاصطفافات التقليدية، فيحتاج إلى قدر أعلى من الاستقرار السياسي والقبول الإقليمي، وهما شرطان أصبح تحقيقهما أكثر صعوبة في ظل استمرار الحرب وغياب أفق سياسي واضح للقضية الفلسطينية.

ولذلك، عادت القضية الفلسطينية لتؤدي دوراً يتجاوز كونها موضوعاً للتفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لتصبح أحد محددات البيئة الإستراتيجية التي تتحرك ضمنها الدول العربية والقوى الدولية. فلم يعد النظر إليها باعتبارها ملفاً منفصلاً عن مشاريع التعاون الإقليمي أو عن ترتيبات الأمن الجماعي أمراً واقعياً، لأن استمرارها من دون معالجة ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المنطقة، وعلى فرص نجاح أي مشروع لإعادة بناء نظامها الإقليمي.

لم يؤد هذا التحول إلى عودة المقاربة التقليدية التي كانت تربط أي علاقة عربية مع إسرائيل بحل نهائي للصراع، كما أنه لا يعني أن الدول العربية ستتخلى عن سياسات تنويع شراكاتها أو عن المصالح التي نشأت خلال السنوات الأخيرة. لكن ما تغير هو أن التطبيع لم يعد قادراً على تجاوز القضية الفلسطينية أو التعامل معها بوصفها شأناً مؤجلاً. فقد أصبحت استدامة أي تقدم في العلاقات العربية–الإسرائيلية أكثر ارتباطاً بوجود مسار سياسي يمنح هذه العلاقات شرعية إقليمية ويحد من تعرضها للاهتزاز مع كل موجة جديدة من التصعيد.

ومن ثم، فإن التحول الذي فرضته الحرب لا يكمن في إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام السياسي فحسب، بل في إعادة تعريف موقعها داخل معادلة الاستقرار الإقليمي. فبدلاً من أن تُنظر إليها باعتبارها عقبة تعترض مشاريع الاندماج، أصبحت تمثل أحد الشروط التي يتوقف عليها نجاح هذه المشاريع واستمرارها. وهذه النتيجة تعكس تغيراً في طبيعة البيئة الإقليمية أكثر مما تعكس تغيراً في المواقف السياسية المعلنة، وهو ما يفسر تراجع الزخم الذي رافق مشروع التطبيع.

ثالثا: ليس نهاية تطبيع، بل نهاية مرحلة:

لا تشير التحولات التي أعقبت الحرب في غزة إلى نهاية مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي، بقدر ما تشير إلى نهاية المرحلة التي افترضت إمكانية فصله عن السياق السياسي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فقد كشفت الحرب حدود المقاربة التي قامت على أن المصالح الأمنية والاقتصادية وحدها قادرة على إنتاج نظام إقليمي جديد، وأعادت التأكيد أن الاستقرار الإقليمي يظل مرتبطاً، بدرجات متفاوتة، بقدرة الأطراف على التعامل مع جذور الصراع، لا مع تداعياته فقط.

كما أظهرت التطورات أن المكانة الإقليمية للدول لم تعد تُقاس بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج شرعية سياسية لمشاريعها الإقليمية. ومن هذا المنظور، تواجه إسرائيل تحدياً يتجاوز الحفاظ على شبكة علاقاتها الثنائية القائمة، ليشمل قدرتها على استعادة الزخم السياسي الذي رافق مشروع الاندماج الإقليمي خلال السنوات السابقة. وفي المقابل، تجد الدول العربية نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، تتطلب الموازنة بين استمرار مصالحها الإستراتيجية وبين إدارة بيئة سياسية داخلية وإقليمية أصبحت أكثر حساسية تجاه القضية الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة أمام واقع إقليمي أكثر تعقيداً من ذلك الذي رافق إطلاق اتفاقات إبراهيم. فالمقاربة التي ركزت على بناء شبكات تعاون أمني واقتصادي لم تعد كافية لإعادة إنتاج الزخم السابق، في ظل تزايد إدراك الفاعلين الإقليميين أن تجاهل القضية الفلسطينية لا يؤدي إلى تحييدها، بل إلى عودتها بصورة أكثر تأثيراً في حسابات الأمن والاستقرار.

ولا يعني ذلك أن المنطقة تتجه إلى إحياء أنماط الاستقطاب التي سادت في مراحل سابقة، أو إلى إلغاء ما تحقق من علاقات وتفاهمات خلال السنوات الأخيرة. فمصالح الدول العربية أصبحت أكثر تنوعاً، كما أن التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن سيظل يمثل أحد مكونات المشهد الإقليمي. إلا أن هذا التعاون لم يعد كافياً، بمفرده، لتأسيس مشروع إقليمي جامع أو لإنتاج بيئة مستقرة وقابلة للاستدامة.

وعليه، فإن التحدي الذي يواجه الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة لا يتمثل في توسيع دائرة التطبيع أو الحفاظ عليها فحسب، بل في إعادة بناء معادلة إقليمية أكثر توازناً، تعترف بأن الأمن والاقتصاد والشرعية السياسية عناصر مترابطة لا يمكن الفصل بينها. وفي هذا السياق، تبدو معالجة القضية الفلسطينية أقل ارتباطاً بالاعتبارات الرمزية أو الأخلاقية، وأكثر ارتباطاً بمتطلبات بناء نظام إقليمي قادر على الحد من دورات الصراع المتكررة وتهيئة شروط أكثر استقراراً للتعاون الإقليمي.

وبذلك، فإن مستقبل الاندماج في الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بقدرة الأطراف على توقيع اتفاقات جديدة، وإنما بقدرتها على بناء إطار سياسي يمنح هذه الاتفاقات شرعية إقليمية واستدامة استراتيجية. ومن دون هذا التحول، سيظل التطبيع قائماً بوصفه واقعاً دبلوماسياً بين بعض الدول، لكنه سيبقى عاجزاً عن التحول إلى مشروع متكامل لإعادة تشكيل

النظام الإقليمي.

الخلاصات:

تكشف التحولات التي أعقبت الحرب في غزة أن الشرق الأوسط لا يشهد مجرد تباطؤ في مسار التطبيع العربي–الإسرائيلي، وإنما يمر بمرحلة إعادة تعريف للشروط السياسية التي تحكم الاندماج الإقليمي. وقد أظهرت الحرب أن الفرضيات التي استند إليها هذا المشروع منذ عام 2020 أصبحت بحاجة إلى مراجعة في ضوء بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها اعتبارات الأمن مع متطلبات الشرعية السياسية بصورة غير مسبوقة.

وتقود هذه القراءة إلى الاستنتاجات الآتية:

أولاً: لم تتراجع أهمية المصالح الأمنية والاقتصادية التي دفعت عدداً من الدول العربية إلى تطوير علاقاتها مع إسرائيل، لكنها لم تعد كافية، بمفردها، لتوسيع مشروع التطبيع أو منحه زخماً إقليمياً جديداً. فقد أصبحت استدامة هذا المسار مرتبطة ببيئة سياسية أكثر استقراراً، وبوجود أفق واقعي لمعالجة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

ثانياً: كشفت الحرب حدود المقاربة التي قامت على الفصل بين التطبيع والتسوية الفلسطينية. فقد تبين أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً يمكن تجاوزه عند إعادة ترتيب أولويات الإقليم، بل أحد المحددات الرئيسة لاستقرار النظام الإقليمي ولشرعية أي مشروع يسعى إلى إعادة تشكيله.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تحتفظ بعناصر قوة عسكرية وتكنولوجية واقتصادية تجعلها لاعباً محورياً في المنطقة، إلا أن الحرب أظهرت أن التفوق العسكري لا يضمن، وحده، تحقيق اندماج سياسي أو قبول إقليمي مستدام. فالمكانة الإقليمية باتت ترتبط بصورة متزايدة بالقدرة على إنتاج الاستقرار واكتساب الشرعية، إلى جانب امتلاك القوة.

رابعاً: أصبح الرأي العام العربي جزءاً من البيئة الإستراتيجية التي تتحرك في إطارها الحكومات، وليس مجرد عامل داخلي يمكن تجاوزه. ولا يعني ذلك انتقال القرار إلى الشارع، لكنه يعني أن كلفة تجاهل المزاج العام ارتفعت، وأن أي توسع في مسارات التطبيع سيظل محكوماً بقدرة الحكومات على توفير مبررات سياسية تحظى بقدر معقول من القبول المجتمعي.

خامساً: تتجه المنطقة نحو نمط أكثر مرونة في بناء شراكاتها الإقليمية، يقوم على التعاون الانتقائي وتعدد مسارات السياسة الخارجية، بدلاً من المشاريع الإقليمية الشاملة التي تقوم على اصطفافات ثابتة. وفي هذا السياق، يُرجح أن تستمر العلاقات الثنائية القائمة، لكن من دون أن تتحول، في المدى المنظور، إلى إطار جامع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي.

سادساً: يواجه المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، تحدياً يتجاوز استئناف مسار التطبيع، ويتمثل في إعادة بناء إطار إقليمي قادر على المواءمة بين متطلبات الأمن والاستقرار من جهة، ومتطلبات الشرعية السياسية من جهة أخرى. ومن دون معالجة هذا الخلل البنيوي، ستبقى أي ترتيبات جديدة معرضة للاهتزاز مع كل دورة جديدة من دورات الصراع.

وفي المحصلة: لا توحي المؤشرات الحالية بانتهاء مسار التطبيع، لكنها تشير إلى أن المرحلة التي أطلقتها اتفاقات إبراهيم قد بلغت حدودها السياسية. فالانتقال إلى مرحلة جديدة لن يتحقق من خلال توسيع شبكة العلاقات الثنائية وحدها، بل عبر إعادة صياغة معادلة الاندماج الإقليمي على أسس أكثر توازناً، تعترف بأن الاستقرار الدائم لا يقوم على توازنات القوة وحدها، وإنما أيضاً على وجود إطار سياسي قادر على معالجة مصادر الصراع وإضفاء الشرعية على ترتيبات الإقليم المستقبلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.