التصعيد الإسرائيلي الجوهري في لبنان

أمير مخول-مركز تقدم للسياسات، لندن

تقدير موقف:

تقديم:
تُقدّم إسرائيل تصعيدها الراهن في لبنان من خلال رواية تعتبر أن الضاحية الجنوبية تحوّلت إلى “ملاذ لحزب الله”، وذلك استناداً إلى الإملاءات الأمريكية التي فرضت على إسرائيل عدم مهاجمة بيروت، وإلى سريان وقف إطلاق النار فيها وفي الضاحية والبقاع وكل ما يتصل بمرافق الدولة اللبنانية. غير أن هذا التصعيد، الذي يبلغ ذروته في مسعى إخلاء النبطية وتدميرها واستهداف الضاحية الجنوبية، يكشف عن تحولات أعمق في المشهد اللبناني الإقليمي تستحق القراءة والتحليل.

أولاً: المعطيات
يرى الجيش الإسرائيلي، وفق ما تنقله الصحف العبرية، أن الإملاءات الأمريكية التي تبنّتها حكومة نتنياهو إملاءات تعجيزية على المستوى الميداني، وأن يديه مكبّلتان بالفيتو الأمريكي وبإذعان نتنياهو له، إلى الحد الذي دفع قيادة الجيش إلى تسريب أخبار التوتر مع المستوى السياسي توخّياً لضغط شعبي على نتنياهو يدفعه إلى العدول عن توجيهاته.

يرى الجيش والرأي العام الإسرائيلي على حدٍّ سواء أن الجبهة اللبنانية هي التي تستحوذ اليوم على الاهتمام الأكبر وأولويات العمل. ويأتي هذا التقدير بعد أن تحوّل سلاح المسيّرات الانقضاضية من شأن تكتيكي إلى خطر ذي أبعاد استراتيجية يهدد الجنود في مناطق السيطرة الإسرائيلية في لبنان، بل يتجاوز الخط الأزرق والحدود الدولية بين البلدين لا المناطق الحدودية وحدها. وهذا التحول إلى نمط حرب العصابات يضع إسرائيل أمام حرب استنزاف صعبة ومكلفة بشرياً، لا تستطيع حسمها منفردة، كما صرّح الرئيس ترامب مؤخراً.

وأشارت صحيفة “معاريف” في الثامن والعشرين من مايو 2026 إلى احتمال تحوّل في النهج الأمريكي نحو إتاحة المجال لإسرائيل لاعتماد خطط لتوسيع العمليات ضد حزب الله في جميع أنحاء لبنان، سواء باستهداف القيادات أو البنية المرتبطة بها كافة. ومعنى هذا التحول، إن تأكد، هو التصعيد نحو حرب شاملة تهدد الدولة اللبنانية وقد تدفع نحو اقتتال لبناني داخلي.

وفي السياق الميداني، يسعى التصعيد الراهن إلى إخلاء النبطية التي يبلغ عدد سكانها نحو مئة وعشرين ألفاً وتدميرها بالكامل على غرار ما جرى في رفح الفلسطينية، فيما تُشير المعطيات اللبنانية إلى عدم إذعان أوساط واسعة من سكان النبطية والجنوب لمساعي التهجير. أما استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، فيُعدّ مؤشراً على تفاهم ما مع إدارة ترامب، رغم استمرارها في مساعي دفع المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية قُدُماً.

وعلى صعيد الأفق الزمني، تنتهي مهمة قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” في لبنان في شهر سبتمبر، إذ لم يصدر قرار بتجديدها من قبل مجلس الأمن، ما لم تحصل مفاجآت في اللحظة الأخيرة. كما تتجه الأنظار الإسرائيلية السياسية والأمنية إلى إسلام آباد، حيث تتوفر مؤشرات على تقدم ملحوظ في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وقد تُبرَم صفقة وقف إطلاق النار خلال زيارة وزير خارجية باكستان إلى واشنطن.

ثانياً: التحليل:
– التصعيد محاولة لفرض أمر واقع قبل الاستحقاقات المقبلة:
تسعى إسرائيل من خلال التصعيد الشامل إلى وضع الدولة اللبنانية أمام معادلة غير ممكنة، تتراوح بين الانزلاق إلى اقتتال داخلي محوره مسألة نزع السلاح، أو تحمّل ثمن الإذعان للشروط الإسرائيلية في مفاوضات واشنطن. غير أن الأولوية الأمريكية المتمثلة في إنجاح المفاوضات الجارية برعايتها من شأنها ألا تتيح لإسرائيل استهداف كامل الجغرافيا اللبنانية، مما يضع التصعيد ضمن سقف أمريكي محدود لا يتجاوزه إلا بمخاطرة.

– الرهان على عامل الوقت ومفترقات الخريف:
تراهن إسرائيل على عامل الوقت في معركة فرض الأمر الواقع، إذ تسعى إلى ترسيخ وضع أمني يتيح لها التفاوض لفترة طويلة دون انسحاب. وهذا يخدم نتنياهو سياسياً في تجاوز انتخابات الكنيست إن لم يُؤجلها، وهو يراهن على التوترات الأمنية بعد أن ضاقت جغرافية مناوراته إلى قطاع غزة ولبنان. ومن هنا، يغدو التصعيد بالنسبة لنتنياهو “حبل خلاص” من التورط الأعمق في مأزق اللاحسم وانعدام الأفق السياسي.

– أثر الاتفاق الأمريكي الإيراني على المشهد اللبناني:
يُمثّل الاتفاق الأمريكي الإيراني، أياً كان مضمونه، أولويةً للإدارة الأمريكية وفي الوقت ذاته الخيار الأكثر رفضاً في إسرائيل، إذ تعتبره أسوأ من عدم الاتفاق. وفي المقابل، فإن هذا الاتفاق سيُلقي بظلاله على لبنان، وسيكون بإمكان واشنطن وطهران في حال إبرامه التوصّل إلى صيغة بنزع سلاح حزب الله بالتوافق مع الحكومة اللبنانية. وفي هذه الحالة، يتصدر جدول الأعمال مطلب الانسحاب الإسرائيلي من لبنان إلى الحدود الدولية ضمن ترتيبات أمنية ذات صلة.

– حسابات نتنياهو السياسية والمأزق المركّب:
سياسياً، فإن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان وضمان شموله بيروت العاصمة ومرافق الدولة، وعدم تمتع الجيش الإسرائيلي بحرية العمل كما يطلب، أمور من شأنها أن تضع نتنياهو في ضائقة سياسية قد تعصف بأي احتمالات لبقائه في الحكم. وهذا ما قد يدفعه إلى جسّ نبض حزم القرار الأمريكي وتحدّي الإملاءات في حدود معينة. في المقابل، تبدو الأمور أقرب إلى تفهّم أمريكي لهذا التصعيد، لكونه قد يسهم في دفع الدولة اللبنانية نحو الليونة في المفاوضات، بما يشمل الانضواء في الاتفاقات الإبراهيمية وفق التصور الأمريكي. كما أن إتاحة المجال لإسرائيل لتوسيع استهداف لبنان قد تكون أداةً لتليين الموقف الإيراني في مفاوضات واشنطن وطهران، خاصة أن واشنطن تُدرك ما صرّح به ترامب من أن إسرائيل منفردة غير قادرة على حسم أي حرب، وأنه لا بد من تحقيق اختراقة في تلك المفاوضات.

الخلاصات:
• يبدو أن ثمة توافقاً أمريكياً إسرائيلياً على توسيع جغرافية الاستهداف في لبنان، لكن دون خروجه عن نطاق القرار الأمريكي وسقفه المحدد.
• تُمثّل الأولوية الأمريكية المتمثلة في الاتفاق مع إيران الخيارَ الأكثر رفضاً في إسرائيل، فيما قد يُشكّل هذا الاتفاق وأثره الإقليمي، ولا سيما على لبنان، فرصةً تضمن سيادة الدولة اللبنانية ونزع السلاح بالتوافق الداخلي وبما يصون وحدة البلد، ليتصدّر جدولَ الأعمال الانسحابُ الإسرائيلي من لبنان.
• سياسياً، يأتي التصعيد بوصفه حبل خلاص لنتنياهو وحكومته من التورط الأعمق في مأزق اللاحسم وانعدام الأفق، مما يجعل قراءته السياسية لا تقل أهمية عن قراءته العسكرية.
• تظلّ الترتيبات الأمنية هي الاستراتيجية الإسرائيلية في معظم الجبهات، غير أنها تصطدم بواقع حرب استنزاف صعبة، وبرفض الطرف اللبناني المصمّم على استعادة سيادته بدعم عربي ودولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.