التدخل العسكري الأميركي في إيران: الاحتمالات والتداعيات
ورقة سياسات
د. محمد قواص، مركز تقدّم للسياسات
ملخص تنفيذي:
– تمثّل تهديدات ترامب بالتدخل العسكري لمصلحة المحتجين تناقضًا مع نهج إدارة أوباما التي نأت بنفسها عن اتخاذ أي موقف من احتجاجات “المسيرة الخضراء” عام 2009.
– قد يستدرج التدخل العسكري الأميركي تدخلًا إسرائيليًا، ما يدفع دول المنطقة إلى التحفّظ على الخيارات العسكرية.
– يندرج التهديد بالتدخل ضمن أدوات “الضغط الأقصى” التي يستخدمها ترامب لجرّ طهران إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الأميركية.
– قد يؤدي التدخل العسكري إلى إحراج الاحتجاجات ووقفها، فضلًا عن التسبب بتصعيد عسكري إقليمي.
تقديم:
بعد تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تهديداته لإيران بالتدخل عسكريًا في حال أقدمت طهران على قتل المتظاهرين، ومع تواتر تقارير عن إعداد وتقديم خيارات عسكرية تتعلق بهذا التدخل، تتضارب التقييمات والآراء بشأن احتمالات توجيه ضربة عسكرية من عدمها، ومدى تداعياتها على زخم الاحتجاجات ومتانة النظام الإيراني. وتسعى هذه الورقة إلى تفحّص تلك الاحتمالات ضمن سياقين متوازيين: السياق الراهن المرتبط بحراك الشارع، والسياق الأوسع المتصل بالخلاف الأميركي–الإيراني.
تهديدات ترامب وجدل واشنطن:
في أواخر ديسمبر 2025، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في إيران، بدأت كاحتجاجات اقتصادية على خلفية انهيار العملة الإيرانية (الريال الذي فقد نحو 80 بالمئة من قيمته)، قبل أن تتحول إلى حركة معارضة للنظام، مطالبة بتغيير جذري. ووفقًا لتقارير، امتدت الاحتجاجات إلى أكثر من 200 موقع في 24 محافظة. وأفادت مصادر إعلامية للمعارضة بمقتل أكثر من 2000 شخص، فيما ذكرت تقارير أخرى، في 12 يناير 2026، أن عدد القتلى بلغ نحو 150.
في هذا السياق، أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن دعمه للمحتجين، محذرًا إيران من قتل المتظاهرين، ومعلنًا أن الولايات المتحدة “جاهزة للمساعدة”، مع تلميحات إلى تدخل عسكري محتمل. وأثار هذا السيناريو تساؤلات حول احتمالات شن الولايات المتحدة ضربات عسكرية ضد إيران دعمًا للاحتجاجات، ولا سيما مع تدافع تقارير، في 12 يناير 2026، تتحدث عن تصاعد أنشطة مقاتلات أميركية بالقرب من إيران.
وقد أثارت احتمالات التدخل العسكري الأميركي نقاشًا واسعًا بشأن طبيعة التدخل ونتائجه وأهدافه ومدى وجاهته، وكذلك حول احتمالات تدحرجه إلى مواجهة واسعة، توعّد بها رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، مهددًا بردود على إسرائيل والقواعد الأميركية.
وجاء الحراك الأميركي وفق مجموعة من المواقف كان أبرزها:
1. تحذير ترامب إيران بعد تحول الاحتجاجات إلى مواجهات دامية في عدة محافظات، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة “جاهزة للتدخل”
2. نشر السفير الأميركي في الأمم المتحدة، مايك والتز، بيانًا أكد فيه دعم الولايات المتحدة للشعب الإيراني ضد النظام، معتبرًا أن القمع والفساد المنهجيين مسؤولان عن الاحتجاجات، وداعيًا إلى انقلاب في الجناح العسكري للنظام لدعم الشعب وإسقاط النظام.
3. تعهّد ترامب بـ“إنقاذ” المتظاهرين الإيرانيين، محذرًا إيران من قتل المتظاهرين السلميين، ومعلنًا أن الولايات المتحدة “ستأتي لإنقاذهم” إذا حدث ذلك.
4. إشارة وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو إلى أن الإدارة الأميركية أصدرت بيانًا داعمًا، وأن الولايات المتحدة مستعدة لفعل ما يلزم لمساعدة الشعب الإيراني في تحقيق مطالبه، مقارنًا ذلك بصمت إدارة أوباما سابقًا.
5. كشف ترامب أن إيران “تريد التفاوض” ، وأنه يجري التحضير لاجتماع مع مسؤولين إيرانيين، من دون أن يستبعد توجيه ضربات عسكرية لها، علمًا بأن هجمات يونيو 2025 جرت قبل أيام من جلسة مفاوضات كان مقررًا عقدها.
نقاش واشنطن وتحفّظها:
يدور داخل الولايات المتحدة نقاش حول ما إذا كان التدخل العسكري في إيران خيارًا قابلًا للتنفيذ أم مخاطرة غير محسوبة. وينهل هذا النقاش من سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجها ترامب ضد إيران في ولايته الأولى، والتي شملت:
1. الانسحاب من الاتفاق النووي.
2. فرض عقوبات اقتصادية تاريخية قصوى.
3. اغتيال قاسم سليماني عام 2020.
وأعاد ترامب انتهاج السياسة نفسها التي قادت، في يونيو 2025، إلى قيام مقاتلات B-2 الاستراتيجية بقصف مفاعلات نطنز وأصفهان وفوردو النووية. وتشير تقارير أميركية إلى أن إدارة ترامب تناقش خيارات عسكرية إضافية، أو تقديم عون غير عسكري، مثل الدعم الإلكتروني للمحتجين، وتزويدهم بخدمات الإنترنت، وفرض عقوبات إضافية على النظام.
وتعكس حالة الجدل داخل واشنطن الواجهات التالية:
1. دعم بعض الصقور في الحزب الجمهوري، مثل السيناتور تيد كروز والسيناتور ليندسي غراهام، للتدخل، معتبرين أن الاحتجاجات فرصة تاريخية لإسقاط النظام الإيراني، الذي يُنظر إليه كتهديد للأمن الأميركي والإسرائيلي.
2. معارضة جناح “أميركا أولًا” (MAGA) في الحزب الجمهوري، الذي يتزعمه شخصيات مثل تاكر كارلسون، لأي تدخل عسكري، محذرين من تكرار سيناريوهات العراق وأفغانستان.
3. اعتبار بعض الخبراء أن تهديدات ترامب قد تندرج ضمن خطاب تصعيدي للضغط على طهران من دون نوايا حقيقية للحرب، خاصة مع التركيز على قضايا داخلية كالوضع الاقتصادي الأميركي.
4. إعراب ديمقراطيين، مثل السيناتور تيم كاين، عن رفضهم لأي ضربات من دون موافقة الكونغرس، محذرين من تصعيد إقليمي غير مرغوب فيه.
5. مقابل تشجيع إسرائيل الدائم لشنّ الولايات المتحدة حربًا على إيران، لا تُظهر بقية دول المنطقة أي دفع يشجّع على إسقاط نظام طهران، خشية الفوضى في إيران والمنطقة.
أعراض الانخراط الإسرائيلي:
ما يعقّد النقاش يتعلق بدور إسرائيل في أي ضربات ستشنّها الولايات المتحدة، بالنظر إلى أنها كانت شريكة للولايات المتحدة في شنّ حرب الأيام 12 على إيران في يونيو 2025. وتتحدث تقارير بأن إسرائيل في حالة تأهب عالية، تحضيراً لاحتمال تدخل أميركي، بعد مكالمة بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمناقشة الاحتجاجات والتهديدات الإقليمية.
ففيما تعتبر مصادر في إسرائيل أن الاحتجاجات فرصة لإضعاف النظام الإيراني، أشارت تقارير إلى أن إسرائيل قد تشارك في ضربات لاستهداف قيادات عسكرية إيرانية أو برنامج الصواريخ. ومع ذلك، لم تعلن إسرائيل عن رغبة مباشرة في التدخل، لكن حالة التأهب تشير إلى استعداد للرد على أي انتقام إيراني
وتقوم واجهات الانخراط الإسرائيلي على أعراض عديدة أهمها:
1. إعلان واشنطن بعض قمة ترامب-نتنياهو دعمها لمبدأ قيام إسرائيل بضرب إيران إذا ما وصلت جهود استعادة القدرات النووية إلى مرحلة حرجة.
2. توجيه جهاز الموساد الإسرائيلي نداءً مباشراً للإيرانيين بالفارسية، حاثاً الإيرانيين على الاستمرار في الاحتجاجات، معلنا دعمهم “على الأرض”، ضد النظام.
3. إعلان السفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة داني دانون وقوف إسرائيل مع الشعب الإيراني الذي يحتج سلمياً رغم حرمانه من الحقوق الأساسية، مشيراً إلى أن النظام يصرف مليارات على الإرهاب والطموحات النووية بدلاً من الشعب.
4. إعراب وزير الأمن الوطني الإسرائيلي إيتامار بن غفير عن دعمه للمتظاهرين الإيرانيين المعارضين للنظام، قائلاً إن “شعب إيران يستحق حياة حرة، محررة من الديكتاتور القاتل خامنئي.. نحن معكم!”.
5. إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عقد نقاشات حول سيناريوهات التعامل مع الاحتجاجات، وتصريح مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع بأنه “يجب أن نبقى صامتين، لا نتحدث. لا ينبغي لأي مسؤول إسرائيلي التدخل فيما يحدث هناك – ما يفعله ترامب كافٍ بالفعل”.
6. تحديث الاستخبارات الإسرائيلية تقييمها للاحتجاجات، معتبرة أنها تشكل تهديداً حقيقياً لاستقرار نظام خامنئي وقد تؤدي إلى انهياره.
7. تحذير مسؤولين إسرائيليين من أن إيران قد تضرب أهدافا في الشرق الأوسط لإخماد الاحتجاجات.
8. إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تقف مع المتظاهرين.
9. تقرير قناة 12 الإسرائيلية يكشف أن إسرائيل قررت البقاء على الهامش من الاحتجاجات في إيران حالياً، مما يسمح للولايات المتحدة بالقيادة، مع اعتقاد بوجود عملاء إسرائيليين على الأرض.
10. رفع إسرائيل في 11 يناير 2025 مستوى التأهب بسبب الاحتجاجات، مع تهديدات إيرانية بضرب إسرائيل إذا تدخلت الولايات المتحدة.
تداعيات الضربات على النظام والاحتجاجات:
يطال جدل الخبراء درس تداعيات الضربات العسكرية المحتملة على حراك الشارع الإيراني وفق النقاط التالية:
1. قد تكون للضربات الأميركية تأثيرات معاكسة على مسار الاحتجاجات الإيرانية. فتاريخياً، أدت التدخلات الأجنبية إلى توحيد الشعب الإيراني خلف النظام، كما حدث في الثمانينيات أثناء الحرب مع العراق، أو في 2019 عندما أدى اغتيال سليماني إلى مظاهرات دعما للحكومة.
2. يحذر خبراء من أن الضربات قد تحول الاحتجاجات الداخلية إلى صراع وطني ضد “عدو خارجي”، مما يفقدها زخمها ويسمح للنظام بإعادة تأطيرها كمؤامرة أمريكية-إسرائيلية.
3. قد تشجع الضربات بعض المحتجين إذا أضعفت قدرات القمع، مثل تدمير مراكز القيادة العسكرية، لكن تقارير لجهات بحث تشير إلى أن مثل هذه الضربات غالباً ما توقف الحركات الاحتجاجية بسبب الرعب الجماعي والتوحيد الوطني.
4. في السياق الحالي، مع إغلاق الإنترنت وانتشار الشائعات، قد يؤدي التدخل إلى تشتيت الاحتجاجات، حيث تعتقد مصادر مراقبة أن التغيير يجب أن يكون داخلياً من دون أي تدخل خارجي.
5. قد تؤدي الضربات إلى توقف مؤقت أو دائم للاحتجاجات بدلاً من تعزيزها.
يستدرج الجدل تقييم مدى قدرة الضربات الأميركية الإسرائيلية على تهديد متانة النظام وتماسكه. وتقوم التقييمات على اقتراح الاحتمالات التالية:
– من الممكن أن تهدد الضربات الأمريكية سلامة النظام الإيراني، خاصة بعد الضعف الذي أحدثته حرب يونيو 2025، حيث دمرت المنشآت النووية جزئياً.
– قد تضعف الضربات إمكانات الحرس الثوري، مما يعيق قدرته على قمع الاحتجاجات، ويسرع من انهيار النظام إذا استمرت الاحتجاجات.
– بالنظر إلى تأكيد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف في 10 يناير 2026 أن أي ضربة أمريكية ستُقابل بردود على إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، معتبراً إياها أهدافاً، فإن ذلك يعني تدحرجا باتجاه حرب واسعة.
– قد يؤدي الرد الإيراني إلى تصعيد إقليمي، مما يقوي النظام داخلياً بتحويله إلى “مدافع عن السيادة”، أو يؤدي إلى انهياره إذا فشل في الرد بفعالية، كما يشير تقرير من مجلس العلاقات الخارجية.
– قد تعزز الضربات الاحتجاجات إذا ما ظهر ضعف النظام عن أن يكون على مستوى التحديات الأميركية.
خلاصة واستنتاجات:
** تعتبر تهديدات ترامب بالتدخل العسكري نصرةً للمحتجين في إيران، وموقفًا حازمًا يمنح الاحتجاجات سقوفًا دولية من الدعم.
** تختلف مقاربة ترامب جذريًا عن مقاربة إدارة باراك أوباما التي نأت بنفسها عن احتجاجات “المسيرة الخضراء” عام 2009.
** لا تتوافر معطيات معلنة أو سرية عن خطط أميركية لإسقاط النظام في إيران.
* قد يكون إعلان ترامب عن استئناف قريب للمفاوضات مع إيران خدعة شبيهة بظروف هجمات يونيو 2025 التي سبقت جلسة تفاوض مقررة.
** قد يستدرج التدخل العسكري الأميركي تدخلًا عسكريًا إسرائيليًا، على نحو يشبه شراكة البلدين في حرب يونيو 2025.
** قد تؤدي الضربات إلى إضعاف النظام والحرس الثوري، كما قد تؤدي، في المقابل، إلى إحراج الاحتجاجات وإضعافها.
** قد لا تتجاوز التهديدات الأميركية حدود الخطاب التصعيدي الهادف إلى تعظيم الضغوط لجرّ إيران إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الأميركية.
** في مقابل التشجيع الإسرائيلي، لا تُظهر غالبية دول المنطقة أي رغبة في إسقاط نظام طهران، خشية تداعيات الفوضى الإقليمية.