التحديات امام تحول سورية إلى عقدة طاقة إقليمية

ورقة سياسات: مركز تقدم للسياسات – دمشق

مقدمة:
يشهد الشرق الأوسط تحولاً استراتيجياً عميقاً: لم تعد القوة تُقاس بامتلاك موارد الطاقة فقط، بل بالقدرة على التحكم في مسارات نقلها. هشاشة الممرات البحرية التقليدية (مضيق هرمز المهدد بالإغلاق الإيراني، البحر الأحمر المعرض لهجمات الحوثيين، قناة السويس القابلة للتعطيل المفاجئ) تدفع القوى الكبرى نحو البحث الجدي عن بدائل برية، ما يعيد رسم خريطة النفوذ الإقليمي بالكامل.

ضمن هذا التحول، تبرز سوريا مجدداً كعقدة مركزية محتملة. سقوط نظام بشار الأسد الموالي لإيران في أواخر 2024 وانهيار الوجود الإيراني العسكري والاستخباراتي يفتح، لأول مرة منذ عقود، بحسب نخب النظام الجديد، فرصة استراتيجية لتحويل سوريا من ساحة صراع إيراني إلى معبر طاقة يربط الخليج بأوروبا. فموقعها الجغرافي الاستثنائي على شرق المتوسط وامتدادها من الساحل إلى الحدود العراقية يجعل المسار العراقي-السوري الأقصر والأكثر مباشرة لربط حقول الخليج بأوروبا، متجاوزاً المضائق البحرية المهددة.

قبل حرب (2011)، كان النقاش في سوريا يتجه باحتمال تحولها الى ممر محتمل لخطوط أنابيب من الخليج والعراق نحو تركيا وأوروبا، لكن الحرب والهيمنة الإيرانية أجهضت هذه المشاريع لأكثر من عقد. سقوط الأسد غيّر المعادلة بالكامل: فقد خسرت طهران “الجسر البري” نحو لبنان والمتوسط، فيما تبدي السلطة الانتقالية الجديدة، التي تتمتع بعلاقات أفضل مع دول الخليج وتركيا، انفتاحاً أكبر على مشاريع البنى التحتية التي توفر موارد مالية لإعادة الإعمار وتعزز الاستقرار.

تحلل هذه الورقة، الفرص والتحديات والسيناريوهات المحتملة لهذا التحول التاريخي، مع التركيز على عوامل الديناميات الداخلية السورية والتنافس الإقليمي على البلاد كعقدة طاقة جديدة في الشرق الأوسط.

التحليل:
– سوريا ما بعد الأسد كعقدة طاقة: نافذة ضيقة لإعادة البناء:
تقف سوريا اليوم عند نقطة تحول تاريخية نادرة. للمرة الأولى منذ عقود، لا يوجد عائق إيراني يمنع مشاريع الطاقة الخليجية عبر الأراضي السورية. السلطة الجديدة، التي تواجه تحديات اقتصادية هائلة (انهيار العملة، نقص الوقود، بنية تحتية مدمرة)، ترى في ممرات الطاقة فرصة لتوليد إيرادات ضخمة عبر رسوم العبور، وجذب استثمارات خليجية ودولية، وتعزيز موقعها السياسي كشريك استراتيجي لا غنى عنه في المنطقة.
نظريا يمكن القول ان دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات، ترى في سوريا الجديدة فرصة ذهبية لتحقيق هدفين استراتيجيين: تقليل الاعتماد الخطير على مضيق هرمز الذي باتت إيران تهدده بشكل مستمر، وإعادة بناء النفوذ العربي في بلاد الشام بعد سنوات من الهيمنة الإيرانية. المسار المقترح (العراق-سوريا-تركيا-أوروبا) يمكن أن يشمل خطوط أنابيب نفط وغاز، وسكك حديد لنقل البضائع، وطرق سريعة حديثة، بتكلفة إجمالية قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات على مدى عقد من الزمن.
فيما الاتحاد الأوروبي، الذي يعاني من أزمة طاقة حادة منذ قطع الغاز الروسي بسبب حرب أوكرانيا، يبحث بشكل محموم عن بدائل استراتيجية. مسار عراقي-سوري-تركي يمكن أن ينقل الغاز الخليجي والعراقي نحو أوروبا دون المرور عبر المضائق البحرية المهددة، ما يوفر أماناً أكبر لإمدادات الطاقة الأوروبية ويقلل من الاعتماد على روسيا.

– التحديات: التشظي الداخلي والتنافس الإقليمي:
رغم الفرصة الاستراتيجية الواضحة، التحديات أمام تحويل سوريا إلى عقدة طاقة إقليمية هائلة ومعقدة. داخلياً، فالبلاد ليست دولة موحدة، بل مقسمة بين عدة مناطق نفوذ: السلطة المركزية الوليدة في دمشق تسيطر على العاصمة ومناطق واسعة في الوسط والساحل، لكن الشمال الغربي يخضع لسيطرة فصائل مسلحة مدعومة من تركيا، وجزء كبير من الشمال الشرقي تهيمن عليه قوات سوريا الديمقراطية الكردية المدعومة أميركياً، والجنوب يشهد توسعاً للوجود العسكري الإسرائيلي بعد سقوط الأسد. هذا التشظي يجعل من الصعب بناء ممر طاقة موحد ومستقر دون تفاهمات واسعة بين جميع الأطراف المسيطرة على الأرض.
فالأمن يبقى التحدي الأكبر. وأي خط أنابيب أو سكة حديد يمتد مئات الكيلومترات عبر سوريا سيكون عرضة للتخريب والهجمات، سواء من فلول تنظيم داعش، أو من فصائل موالية لإيران تسعى لإفشال المشاريع الخليجية، أو حتى من جماعات محلية تسعى للضغط على الحكومة المركزية. وحماية البنية التحتية الحيوية تتطلب نشر قوات أمنية ضخمة على طول المسار، وتقنيات مراقبة متطورة، وتعاوناً أمنياً وثيقاً بين جميع الأطراف، وهو أمر صعب التحقيق في ظل التشظي السياسي والعسكري الحالي.
إقليمياً، التنافس على سوريا اتخذ أبعاداً جديدة بعد سقوط الأسد. تركيا، أكبر الرابحين من التغيير، تسعى بقوة لضمان أن أي ممر طاقة عبر سوريا يمر حصرياً عبر المناطق الخاضعة لنفوذها في الشمال، ما يعزز دورها كعقدة طاقة إقليمية لا غنى عنها ويمنحها نفوذاً سياسياً واقتصادياً هائلاً على سوريا والمنطقة. فأنقرة تمتلك على الأرض قوات وفصائل موالية تسيطر على مناطق واسعة، وهي في موقع قوي للمساومة على شروط أي مشروع.
أما دول الخليج، ورغم حماسها للمشروع واستعدادها لضخ استثمارات ضخمة، تواجه تحدياً استراتيجياً: كيف تضمن أن الممر لن يتحول إلى أداة ضغط تركية عليها في المستقبل؟ وكيف تحمي استثماراتها البالغة مليارات الدولارات من التخريب أو التهديدات الأمنية في بيئة سورية مازالت غير مستقرة؟ هذا يتطلب ضمانات أمنية وسياسية قوية، وربما وجوداً عسكرياً خليجياً محدوداً على الأرض لحماية البنية التحتية، وهو أمر حساس سياسياً.
روسيا، رغم خسارة حليفها الأسد، حافظت على قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم بموجب تفاهمات مع السلطة الجديدة. وتريد موسكو ضمان دور كوسيط لا غنى عنه في أي ترتيبات طاقة تمر عبر سوريا، مستفيدة من علاقاتها التاريخية وخبرتها في البلاد، لكن نفوذها تراجع بشكل كبير ولم تعد اللاعب المهيمن كما كانت في عهد الأسد.
فيما تحاول إيران، التي تلقت ضربة استراتيجية قاسية بخسارة سوريا، وبكل الوسائل المتاحة إعادة بناء وجود عبر النفوذ الاقتصادي والديني والعلاقات مع بعض الفصائل والمكونات المحلية. تنظر طهران بقلق بالغ إلى أي ممرات طاقة خليجية عبر سوريا، إذ ترى فيها تعزيزاً للنفوذ العربي-الخليجي على حساب مصالحها الاستراتيجية. ورغم ضعف موقفها الحالي، لا تزال طهران تمتلك قدرات تخريبية عبر وكلائها في العراق ولبنان وبعض المناطق السورية، ويمكنها استخدام هذه القدرات لإعاقة أي مشاريع لا تخدم مصالحها أو على الأقل رفع تكلفتها بشكل كبير.
على الجانب الاخر ترى إسرائيل في سوريا ما بعد الأسد فرصة مزدوجة: من جهة، انتهى التهديد الإيراني المباشر على حدودها الشمالية مع انهيار “محور المقاومة”، ومن جهة أخرى، فإن ممرات الطاقة العربية-الخليجية عبر سوريا قد تتكامل مع مشروعها الخاص لربط الخليج بالمتوسط عبر أراضيها، ما يعزز من اندماجها الاقتصادي في المنطقة. لكن تل أبيب تراقب بحذر شديد أي محاولات تركية لترسيخ وجودها وتأثيرها في سوريا، وقد عززت سيطرتها العسكرية على الجولان ومناطق حدودية إضافية لضمان عدم عودة التهديد.
الولايات المتحدة، التي حافظت على وجودها العسكري في شرق سوريا عبر دعم الأكراد، تنظر بإيجابية إلى مشاريع ممرات طاقة تقلل من الاعتماد على مضيق هرمز وتضعف النفوذ الإيراني، لكنها حريصة على ألا تتحول هذه المشاريع إلى أدوات لتعزيز النفوذ التركي بشكل يضر بمصالح حلفائها الأكراد والإسرائيليين.

المتطلبات: تفاهمات إقليمية وتسوية داخلية:
نجاح سوريا في التحول إلى عقدة طاقة إقليمية يتطلب تحقيق شرطين أساسيين مترابطين.
أولاً، تفاهمات إقليمية واسعة بين جميع اللاعبين الرئيسيين (تركيا، دول الخليج، روسيا، العراق، الاتحاد الأوروبي) حول قواعد اللعبة: من يبني ماذا، وكيف تُحمى البنية التحتية، وكيف تُوزع الأرباح والتكاليف، وكيف تُدار الخلافات المستقبلية. هذه التفاهمات تحتاج إلى وساطة دولية جدية وإرادة سياسية من جميع الأطراف للتغلب على حساسياتها وخلافاتها التاريخية من أجل مصلحة استراتيجية مشتركة.
ثانياً، درجة معقولة من الاستقرار الأمني والسياسي داخل سوريا، وهو ما يعني إما تسوية سياسية شاملة تعيد توحيد البلاد تدريجياً تحت سلطة مركزية، أو على الأقل تفاهمات محلية بين مختلف القوى المسيطرة على الأرض حول حماية البنية التحتية الحيوية باعتبارها مصلحة وطنية عليا تتجاوز الانقسامات السياسية. فالسلطة الانتقالية الحالية، رغم محدودية قدراتها، تحاول بناء شرعية داخلية عبر التركيز على إعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، وهي تدرك أن نجاحها في جذب مشاريع ممرات الطاقة سيعزز موقعها المالي والسياسي بشكل كبير.

السيناريوهات المحتملة: ثلاثة مسارات لسوريا ما بعد الأسد:

انطلاقاً من المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل سوريا كعقدة طاقة إقليمية.
• السيناريو الأول: ويقوم على تحقيق تفاهمات إقليمية واسعة بين تركيا ودول الخليج وروسيا والعراق لبناء شبكة متكاملة من ممرات الطاقة عبر سوريا، حيث تقبل أنقرة بمشاركة الخليج في الإدارة مقابل ضمان دورها المحوري، وتوفر دول الخليج التمويل الضخم، وتلعب روسيا دور الضامن الأمني في بعض المناطق، فيما تفشل إيران في تخريب المشاريع، ما يحول سوريا إلى عقدة طاقة مزدهرة تستعيد دورها الجيوسياسي وتستفيد من مليارات الدولارات؛ هذا السيناريو، رغم جاذبيته، يبقى الأقل احتمالاً نظراً للخلافات العميقة بين الأطراف والتعقيدات الهائلة.
• السيناريو الثاني: وهو الأكثر احتمالاً، ويفترض استمرار التنافس الحاد بين مشاريع متوازية دون تفاهمات شاملة، حيث تبني تركيا ممرات عبر مناطق نفوذها في الشمال، وتحاول دول الخليج بناء مسارات بديلة عبر المناطق الخاضعة للسلطة المركزية أو عبر شرق سوريا بالتفاهم مع الأكراد، لكن كل مشروع يبقى محدوداً وجزئياً، فتبقى سوريا ساحة تنافس تحقق بعض المكاسب دون إمكانياتها الحقيقية، والاستقرار يظل هشاً، في حالة “لاحسم” مزمنة.
• السيناريو الكارثي الثالث: لكن المحتمل، يتمثل في تصاعد التوترات إلى مستوى “عسكرة الممرات”، حيث تشن إيران عبر وكلائها حملة ممنهجة لاستهداف المشاريع الخليجية، وتستخدم تركيا النفوذ العسكري لفرض شروطها بالقوة، وتخرّب الفصائل المحلية الممرات للضغط، فتتحول سوريا مجدداً إلى ساحة حرب بالوكالة على الطاقة، وتنهار أي فرصة للاستقرار أو الاستفادة من الموقع الاستراتيجي؛ هذا السيناريو يبقى محتملاً خاصة في حال تصاعدت التوترات الإيرانية-الإسرائيلية أو الإيرانية-الأميركية إلى مستويات حرجة.

الخلاصات والتوصيات:

تقف سوريا ما بعد الأسد عند مفترق طرق تاريخي نادر. انهيار الوجود الإيراني وخروج البلاد من الهيمنة الإيرانية يفتح، لأول مرة منذ عقود، إمكانية حقيقية لتحويل سوريا من ساحة صراع إلى عقدة طاقة إقليمية تربط الخليج بأوروبا وتستفيد اقتصادياً وسياسياً من هذا الدور المحوري. لكن هذه الفرصة ليست مضمونة ولا دائمة، بل هي نافذة ضيقة زمنياً قد تُغلق إذا فشلت الأطراف المعنية في التحرك بسرعة وتنسيق لاستثمارها.
• أولاً، تمتلك سوريا الموقع الجغرافي الاستثنائي الذي يجعلها المعبر الطبيعي لأي مسار بري يربط الخليج بأوروبا، وهذا أصل استراتيجي لا يمكن لأي دولة أخرى أن تنافسها عليه.
• ثانياً، سقوط نظام الأسد وانهيار النفوذ الإيراني يزيل العائق الأكبر الذي كان يمنع مشاريع الطاقة الخليجية عبر سوريا، ويفتح المجال أمام تحالفات إقليمية جديدة قائمة على المصالح الاقتصادية المشتركة لا على الأيديولوجيا.
• ثالثاً، دول الخليج أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء نفوذها في بلاد الشام وتقليل اعتمادها الخطير على مضيق هرمز عبر ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية السورية، لكن هذا يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد واستعداداً لتحمل مخاطر أمنية وسياسية كبيرة.
• رابعاً، تمتلك تركيا، بوصفها أكبر الرابحين من التغيير في سوريا، نفوذاً هائلاً على الأرض، وأي مشروع ممر طاقة ناجح يجب أن يأخذ المصالح التركية بالاعتبار ويبني شراكة حقيقية مع أنقرة بدلاً من محاولة تجاوزها.
• خامساً، التحدي الأمني يبقى الأكبر: حماية بنية تحتية ممتدة لمئات الكيلومترات عبر بيئة غير مستقرة يتطلب تفاهمات أمنية إقليمية واسعة، ونشر قوات حماية مشتركة، وتقنيات مراقبة متطورة، وربما ضمانات دولية.
• سادساً، إيران، رغم ضعف موقفها الحالي، تمتلك قدرات تخريبية عبر وكلاء في العراق ولبنان وسوريا، وأي استراتيجية لبناء ممرات الطاقة يجب أن تأخذ هذا التهديد بالحسبان وتبني آليات مواجهة فعالة.
• سابعاً، السلطة السورية الجديدة، رغم محدودية قدراتها، تدرك أن نجاحها في جذب مشاريع الطاقة سيعزز موقعها المالي والسياسي، لكنها تحتاج إلى دعم دولي وإقليمي لبناء مؤسسات دولة قادرة على حماية الاستثمارات وإنفاذ القانون.
• ثامناً، يبدو ان عامل الوقت حاسم: كلما طالت فترة عدم الاستقرار والجمود في سوريا، زادت احتمالات عودة الفوضى وضياع الفرصة التاريخية، لذا يجب على الأطراف المعنية التحرك بسرعة لبناء التفاهمات الضرورية وإطلاق المشاريع الأولى كإشارة على الجدية.

في الخلاص الختامية: يمكن لسوريا أن تتحول من “ساحة صراع إيراني” إلى “عقدة طاقة إقليمية”، لكن هذا التحول ليس حتمياً بل مشروط بقرارات استراتيجية جريئة من القوى الإقليمية والدولية المعنية. النافذة مفتوحة اليوم، لكنها قد تُغلق غداً. المنطقة أمام خيار واضح: إما استثمار الفرصة السورية لبناء شبكة ممرات طاقة أكثر أماناً واستقراراً، أو ترك سوريا تعود مجدداً إلى دوامة الصراع والفوضى. الخيار الأول يتطلب شجاعة سياسية ورؤية استراتيجية وتمويلاً ضخماً وتنسيقاً إقليمياً غير مسبوق، لكن عائداته الاستراتيجية والاقتصادية على المدى الطويل تبرر المخاطرة.
لن تُعاد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط الجديد، عبر الجيوش والحروب فقط، بل عبر الممرات التي تعبرها الطاقة. وسوريا، بموقعها الفريد، يمكن أن تكون عقدة هذه الشبكة الجديدة، أو ساحة صراع عليها. الاختيار للمنطقة ولإرادة حكام دمشق الجدد .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.